vendredi 6 mars 2026

شهادتي 2


FRENCH

  •  ENGLISH

 

My Testimony II

My Testimony I


 

***********

12

قَالَ ٱلنَّبِيُّ مُحَمَّدٌ (صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ ٱلْأَخْلَاقِ». لَمْ يَكُنِ ٱلْإِسْلَامُ جَدِيدًۭا بِٱلْكُلِّيَّةِ. إِنَّمَا جَآءَ فَقَطْ لِيُسَاعِدَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْجُدُدَ عَلَىٰ إِتْقَانِ سُلُوكِهِمْ. فِي كُلِّ مَكَانٍ خَيْرٌۭ وَشَرٌّۭ. قَدْ يَكُونُ ٱلْحَاكِمُ غَيْرُ ٱلْمُسْلِمِ أَكْثَرَ نَفْعًۭا لِشَعْبِهِ بِآلَافِ مَرَّةٍۢ مِّنَ ٱلْحَاكِمِ ٱلْمُسْلِمِ لِشَعْبِهِ ٱلْمُسْلِمِ. هَلْ تَخْتَلِفُ ٱلْعَدَالَةُ ٱلِٱجْتِمَاعِيَّةُ فِي مُجْتَمَعٍ غَيْرِ مُسْلِمٍ عَنِ ٱلْعَدَالَةِ ٱلِٱجْتِمَاعِيَّةِ فِي مُجْتَمَعٍۢ مُّسْلِمٍ؟ ٱلْحَاكِمُ ٱلْفَاسِدُ حَاكِمٌۭ فَاسِدٌۭ، وَٱلدِّكْتَاتُورُ دِكْتَاتُورٌۭ، وَٱلسِّكِّيرُ سِكِّيرٌۭ، سَوَآءٌۭ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ أَمْ غَيْرَ مُسْلِمِينَ. يُخْبِرُنَا ٱلنَّبِيُّ مُحَمَّدٌ (صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قِصَّةَ تِلْكَ ٱلْبَغِيِّ ٱلَّتِي دَخَلَتِ ٱلْجَنَّةَ لِأَنَّهَا سَقَتْ كَلْبًۭا عَطْشَانَ. فَقَالَ: «بَيْنَمَا كَلْبٌۭ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍۢ، قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ ٱلْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّۭ مِّنْ بَغَايَا بَنِيٓ إِسْرَآءِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَٱسْتَقَتْ لَهُۥ بِهِۦ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِۦ». أَرْسَلَ ٱلنَّبِيُّ مُحَمَّدٌ (صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) جَمَاعَةًۭ مِّنْ أَصْحَابِهِ كَلَاجِئِينَ تَحْتَ حِمَايَةِ أَبْرَهَةَ، ٱلْمَلِكِ ٱلنَّصْرَانِيِّ. لَمْ يَمْنَعِ ٱلْقُرْآنُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِنَ ٱلزَّوَاجِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلنَّصَارَىٰٓ أَوِ ٱلْيَهُودِيَّـٰتِ.

 

ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يُقَيِّمُونَنِي بِٱسْتِمْرَارٍۢ. بِطَرِيقَةٍۢ مَّا، تَرْتَفِعُ رُتْبَتِيٓ أَوْ تَنْخَفِضُ حَسَبَ أَعْمَالِي (ٱلْجَيِّدَةِ أَوِ ٱلسَّيِّئَةِ). إِذَا تَمَيَّزْتُ بِعَمَلِي، كَمُؤْمِنٍۢ، فَرْدًۭا أَوْ فِي جَمَاعَةٍۢ، فَإِنَّ مَلَٰٓئِكَتِي سَيَدْعُونَ مَلَٰٓئِكَةً اٰخَرِينَ لِيَرَوْا۟ مَآ أَفْعَلُ أَوْ لِيَسْمَعُوا۟ مَآ أَقُولُ. أَلَيْسَ هَٰذَا جَمِيلًۭا جِدًّۭا؟ لَكِنَّ هَٰذِهِ هِيَ ٱلْمُشْكِلَةُ! لَنْ أَرَىٰ مَلَٰٓئِكَتِي حَتَّىٰ (سَاعَةِ مَوْتِي). لِذَا، عَلَيَّ أَنْ أُفَكِّرَ بِطَرِيقَةٍۢ مُّخْتَلِفَةٍ عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ ٱلْأَمْرُ بِٱلْإِيمَانِ. عَلَيَّ أَنْ أُؤْمِنَ بِٱلْغَيْبِ. يَقُولُ ٱلْقُرْآنُ: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ◌ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ◌ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٣-٥]. جَسَدِي حَيٌّ لَا شَكَّ، لَكِنَّنِي لَسْتُ جَسَدِي فَقَطْ. لَدَيَّ مَشَاعِرُ، لَدَيَّ أَفْكَارٌۭ، لَدَيَّ ذِكْرَيَـٰتٌ، إِلَخْ. إِنَّهُ كَآئِنٌۭ مُّخْتَلِفٌۭ تَمَامًۭا عَنْ كَآئِنِيَ ٱلْجَسَدِيِّ. كَآئِنِيَ ٱلْجَسَدِيُّ، جَسَدِي، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيًّۢا بَيْنَمَا "كَآئِنِيَ ٱلْغَيْبِيُّ" يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًۭا. فَكِّرْ فَقَطْ بِمَرَضِ ٱلزَّهَايْمَرِ (أَلْزْهَايْمَر) عَلَىٰ سَبِيلِ ٱلْمِثَالِ. ٱلْإِيمَانُ يَمْلَأُ أَغْلَىٰ جُزْءٍۢ فِي جَسَدِي، قَلْبِي، بِشَيْءٍۢ يَجْعَلُنِيٓ أَشْعُرُ أَنَّ جَسَدِي لَيْسَ مُجَرَّدَ لَحْمٍۢ وَدَمٍۢ، بَلْ أَهَمُّ بِكَثِيرٍۢ مِّن ذَٰلِكَ. إِنَّهُ يَجْعَلُنِيٓ أَشْعُرُ أَنَّ جَسَدِي شَيْءٌۭ مُّقَدَّسٌۭ، شَيْءٌۭ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَظِيفًۭا مِّنَ ٱلدَّاخِلِ وَٱلْخَارِجِ. لِذَٰلِكَ أَنَا أَتَوَضَّأُ لِتَنْظِيفِ جَسَدِي مِنَ ٱلْخَارِجِ، وَأُؤَدِّي صَلَاتِي لِتَنْظِيفِ مَا فِي ٱلدَّاخِلِ.

 

 لَآ إِيمَانَ بِدُونِ إِيمَانٍۢ بِٱلْغَيْبِ. كَانَ يُمْكِنُ لِلَّهِ أَنْ يُنْهِيَ حَيَاةَ أَيِّ مَنْ عَصَاهُ بِأَيِّ طَرِيقَةٍۢ، وَلَا يُبْقِيَ إِلَّا ٱلَّذِينَ أَطَاعُوهُ. لَكِنَّ ٱللَّهَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُجْبِرَنَا. يُرِيدُ أَنْ نُؤْمِنَ عَنْ قَنَاعَةٍۢ. لِذَٰلِكَ يَتَحَدَّثُ ٱلْقُرْآنُ عَنِ "ٱلضَّلَالِ": ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ [الأنبياء: ٥٤]. ٱلْأَمْرُ كَأَنَّكَ ضَآئِعٌۭ فِي صَحْرَآءَ، لَكِنَّكَ لَوْ تَمَكَّنْتَ مِن مَّعْرِفَةِ ٱلطَّرِيقِ، لَوَصَلْتَ إِلَى ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي تَكُونُ فِيهِ اٰمِنًۭا. ٱلْأَمْرُ كَشَخْصٍ عَلَىٰ مِثْلِ مِرْوَحِيَّةٍۢ (طَآئِرَةٍۢ عَمُودِيَّةٍۢ) يُرِيكَ ٱلطَّرِيقَ.

 

ٱلْحَيَاةُ كَٱلْعَمَلِ. تَتْعَبُ عِنْدَمَا تَعْمَلُ، لَكِنَّكَ فِي نِهَايَةِ يَوْمِكَ تَسْتَحِمُّ وَتَتَعَشَّىٰ وَتَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ اٰخَرَ... بِسَعَادَةٍۢ. فَقَطْ، بِٱلنِّسْبَةِ لِلْحَيَاةِ فِي هَٰذَا ٱلْعَالَمِ، هَٰذَا "ٱلتَّعَبُ" سَيَسْتَمِرُّ حَتَّىٰ تَحْصُلَ عَلَىٰ مَكَانٍۢ فِي ٱلْجَنَّةِ. يَقُولُ ٱللَّهُ: ﴿وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ  ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌۭ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌۢ﴾ [فاطر: ٣٤-٣٥].

 

لَكِنَّ ٱلْحَيَاةَ أَيْضًۭا هِيَ شُعُورٌۭ. رَغْمَ كُلِّ تَعَبِي، يُمْكِنُنِيٓ أَنْ أَشْعُرَ بِٱلسَّعَادَةِ. كَأُمٍّ تَقْضِي سَاعَتَيْنِ بِجِوَارِ ٱلْحَرَارَةِ فِي ٱلْمَطْبَخِ، لَكِنَّهَا بِمُجَرَّدِ أَنْ تَجْلِسَ عَلَىٰ مَآئِدَةِ ٱلْعَشَآءِ، مَعَ زَوْجِهَا وَأَوْلَادِهَا، يَتَلَاشَىٰ كُلُّ ذَٰلِكَ ٱلتَّعَبِ! كَبَنَّآءٍۢ يَقْضِي سَاعَاتٍۢ يَعْمَلُ تَحْتَ ٱلشَّمْسِ، لَكِنَّهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَعُودَ إِلَى ٱلْمَنْزِلِ مَسَآءًۭ، تُنْسِيهِ زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ كُلَّ ذَٰلِكَ ٱلتَّعَبِ. لِذَا، رَغْمَ كُلِّ ٱبْتِلَآءَاتِي (كُلِّ مِحَنِي، كُلِّ حِرْمَانِي)، فَإِنَّ إِيمَانِي سَيَجْعَلُ حَيَاتِي مُمْتِعَةً. عِنْدَمَا يَقُولُ ٱلنَّبِيُّ (صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «ٱلدُّنْيَا سِجْنُ ٱلْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ ٱلْكَافِرِ» لَا يَعْنِي ذَٰلِكَ أَنَّ حَيَاتِي كَمُؤْمِنٍۢ سَتَكُونُ جَحِيمًۭا عَلَى ٱلْأَرْضِ. إِنَّمَا يَعْنِي فَقَطْ أَنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيَّ تَقْدِيمُ "تَضْحِيَاتٍۢ" لَا يُقَدِّمُهَا غَيْرُ ٱلْمُؤْمِنِ. ٱلشُّعُورُ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَعِي سَيُخَفِّفُ بِلَا شَكٍّۢ مُّعَانَاتِي، جَسَدِيَّةًۭ كَانَتْ أَمْ عَاطِفِيَّةًۭ، وَحُزْنِي مِنْ حِينٍۢ لِاٰخَرَ لَنْ يَجْعَلَ حَيَاتِي إِلَّآ أَكْثَرَ مُمْتِعَةًۭ، وَأَقَلَّ مَلَلًۭا، مَعَ أَنَّ ٱلْمَلَلَ لَيْسَ دَآئِمًۭا سَيِّئًۭا. مَا هُوَ سَيِّئٌۭ، فِي ٱلْحَقِيقَةِ، هُوَ ٱلِٱكْتِئَابُ، وَهَٰذَا مَا يُسَاعِدُ ٱلْإِيمَانُ ٱلْمُؤْمِنَ عَلَىٰ تَجَنُّبِهِ. إِذَا كَانَ بَعْضُ ٱلنَّاسِ لَا يَصِيرُونَ سُعَدَآءَ إِلَّآ إِذَا حَصَلُوا۟ عَلَىٰ ٱلْكَثِيرِ مِنَ ٱلْمَالِ (أَوِ ٱلْأَشْيَآءِ ٱلْمَادِّيَّةِ)، فَأَنَا، كَمُؤْمِنٍۢ، يُمْكِنُنِيٓ أَنْ أَكُونَ سَعِيدًۢا بِأَقَلَّ مِن ذَٰلِكَ، بِبَسْمَةٍ، أَوْ مُكَالَمَةٍۢ هَاتِفِيَّةٍ، أَوْ نَظْرَةٍ إِلَىٰ وَرْدَةٍۢ فِي ٱلْحَدِيقَةِ.

 

ٱللَّهُ بِلَا شَكٍّۢ يَعْلَمُ مَآ أُرِيدُ. هُوَ سَيُعَرِّضُنِي فَقَطْ لِلتَّجَارِبِ، سَيَمْتَحِنُنِي لِكَيْ أُظْهِرَ بِٱلْأَفْعَالِ، بِٱلْكَلِمَاتِ، بِٱلْمَشَاعِرِ، هَلْ أُرِيدُهُ أَنَا أَمْ أُرِيدُ نَفْسِي، رَاحَتِي. هَلْ أُرِيدُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ أَمْ أُرِيدُ أَنْ يَخْدِمَنِي ٱللَّهُ؟ يَقُولُ ٱللَّهُ فِي ٱلْحَدِيثِ ٱلْقُدْسِيِّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍۢ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍۢ مِّنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍۢ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًۭا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًۭا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًۭا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِيٓ أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةًۭ». وَفِي ٱلْقُرْآنِ نَقْرَأُ: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًۭا﴾ [الإسراء: ٢٥]. إِذًا، لَا يُهِمُّنِيٓ إِنْ كَانَ حَوْلِيٓ أُنَاسٌ أَكْثَرُ حَظًّۭا مِّنِّي. يَقُولُ ٱللَّهُ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًۭا﴾ [النساء: ٣٢]. ﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ﴾ [هود: ٣]. كُلُّهُ مَسْأَلَةُ إِيمَانٍۢ. ٱلْمُهِمُّ لَيْسَ عَمَلِيٓ أَوْ بَطَالَتِي، زَوَاجِيٓ أَوْ عُزُوبَتِي؛ ٱلْمُهِمُّ هُوَ نِيَّتِي، حُسْنُ نِيَّتِيٓ أَوْ سُوْؤُهَا؛ ٱلْمُهِمُّ هُوَ مَا فِي قَلْبِي. قَالَ ٱلنَّبِيُّ (صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ ٱلْإِيمَانِ حَتَّىٰ تَعْلَمَ أَنَّ مَآ أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَآ أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ». عِنْدَمَآ أَفْقِدُ عَمَلِي، يَعْلَمُ ٱللَّهُ مُسْبَقًۭا ٱلْعَمَلَ ٱلَّذِي سَأَحْصُلُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَٰلِكَ، وَمَتَىٰ وَأَيْنَ وَكَيْفَ. فِي ٱلْحَدِيثِ نَقْرَأُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًۭا نُطْفَةًۭ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةًۭ مِثْلَ ذَٰلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةًۭ مِثْلَ ذَٰلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ ٱلْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ ٱلرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍۢ: بِكَتْبِ رِزْقِهِۦ وَأَجَلِهِۦ وَعَمَلِهِۦ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ». إِنَّهُ مَآ أَشْعُرُ بِهِ، ٱلطَّرِيقَةُ ٱلَّتِي سَأَفْعَلُ بِهَا مَا سَأَفْعَلُهُ (أَثْنَآءَ بَحْثِي عَنْ عَمَلٍ اٰخَرَ، أَوْ شَخْصٍۢ لِلزَّوَاجِ، أَوْ مَنْزِلٍ اٰخَرَ لِأَسْكُنَ فِيهِ...) - هَٰذَا هُوَ مَا يَهُمُّ. رَوَىٰٓ أَحَدُ أَصْحَابِ ٱلنَّبِيِّ (صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «عَنْ أَبِي أَنَّهُ جَعَلَ دَنَانِيرَ فِي صَدَقَةٍۢ، فَدَفَعَهَا إِلَىٰ رَجُلٍۢ فِي ٱلْمَسْجِدِ، فَذَهَبْتُ إِلَىٰ ذَٰلِكَ ٱلرَّجُلِ فَأَخَذْتُهَا. فَقَالَ: مَآ إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَأَتَيْنَا رَسُولَ ٱللَّهِ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْنَا ذَٰلِكَ لَهُۥ، فَقَالَ لِأَبِي: «يَا يَزِيدُ، لَكَ مَا نَوَيْتَ». وَقَالَ لِي: «يَا مَعْنُ، لَكَ مَآ أَخَذْتَ». يَقُولُ ٱلْقُرْآنُ: ﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا۟ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾ [محمد: ٣٨]. ﴿الٓمٓ ◌ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ◌ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣]. وَيَقُولُ أَيْضًۭا: ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦].

 

عِنْدَمَآ أَسْمَعُ صَفَّارَةَ ٱلْإِسْعَافِ، هَلْ أَتَوَقَّفُ عَنِ ٱلْأَكْلِ وَٱلشُّرْبِ، وَلَوْ لِثَانِيَةٍۢ، وَلَوْ مِنْ أَجْلِ ٱلتَّضَامُنِ فَقَطْ؟ عِنْدَمَا تَمُرُّ بِي جَنَازَةٌ، هَلْ أَتَوَقَّفُ، وَلَوْ لِثَانِيَةٍۢ، وَلَوْ مِنْ أَجْلِ ٱلتَّضَامُنِ فَقَطْ؟ إِذَا تَوَقَّفْتُ عَنِ ٱلْأَكْلِ وَٱلشُّرْبِ، فَذَٰلِكَ لَنْ يُسَاعِدَ ٱلْمُصَابَ. إِذَا تَوَقَّفْتُ لِثَانِيَةٍۢ، فَذَٰلِكَ لَنْ يُعِيدَ ٱلْمَيِّتَ إِلَى ٱلْحَيَاةِ. إِنَّهَا فَقَطْ مَسْأَلَةُ إِيمَانٍۢ وَإِحْسَاسٍۢ. رَوَىٰٓ أَحَدُ أَصْحَابِ ٱلنَّبِيِّ (صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «كُنَّا مَعَ ٱلنَّبِيِّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌۭ، فَقَامَ لَهَا. فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِلَهَا، إِذَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّۢ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ ٱللَّهِ، إِنَّ هَٰذِهِ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّۢ. فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًۭا؟».

 

وَلَحُسْنِ ٱلْحَظِّ، هُنَاكَ كَثِيرُونَ، فِي جَمِيعِ ٱلْأُمَمِ، فِي جَمِيعِ ٱلْأَدْيَانِ، مِمَّنْ يُرِيدُونَ ٱلتَّصَرُّفَ بِحُسْنِ نِيَّةٍۢ. إِذَا كَانَ حُسْنُ ٱلنِّيَّةِ لَا يَنْجَحُ دَآئِمًۭا مَعَ ٱلْبَشَرِ، فَإِنَّهُ مَعَ ٱللَّهِ يَنْجَحُ. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].



13


بِخَلْقِ ٱللَّهِ لِي، مَنَحَنِي فُرْصَةَ هَذِهِ ٱلتَّجْرُبَةِ ٱلْأَرْضِيَّةِ ٱلْقَصِيرَةِ، ٱلَّتِي سَأَذْكُرُهَا إِذَا مَا كُنْتُ فِي ٱلْجَنَّةِ يَوْمًا مَا. مَعْرِفَتِي بِٱلْعَالَمِ، وَبِٱللَّهِ، وَبِنَفْسِي، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لِي نُورًا. وَيَجِبُ أَنْ تُعَزِّزَ مَعْرِفَتِي إِيمَانِي. سَيَكُونُ عِلْمِي وَإِيمَانِي كَيَدَيَّ ٱثْنَتَيْنِ، وَكَعَيْنَيَّ ٱثْنَتَيْنِ، وَكَسَمْعَيَّ ٱثْنَيْنِ، وَكَقَدَمَيَّ ٱثْنَتَيْنِ. لِذَا، لَنْ يَعْمَلَ عَقْلِي (سَوَاءٌ كَانَ فِي دِمَاغِي أَمْ فِي جِهَازِي ٱلْهَضْمِيِّ) بِمُعْزَلٍ عَنْ قَلْبِي. أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَيْهِمَا مَعًا، كَمَا أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى يَدَيَّ كِلْتَيْهِمَا، وَعَيْنَيَّ كِلْتَيْهِمَا... سَيُرِيَانِني – أَيْ عَقْلِي وَقَلْبِي – كَيْفَ أَعْمَلُ عَلَى أَفْضَلِ وَجْهٍ لِهَذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا (ٱلَّتِي هِيَ مَا هِيَ إِلَّا "لَهْوٌ وَلَعِبٌ" كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭۖ وَلَلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]) وَلِحَيَاتِي ٱلْأَبَدِيَّةِ، حَيْثُ سَأَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَةِ ٱللَّهِ بِعَيْنَيَّ، إِنْ أَنَا دَخَلْتُ ٱلْجَنَّةَ.


فِي مُبَكِّرِ شَبَابِي، كُنْتُ بِحَاجَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ ٱلْأَشْيَاءِ دُونَ مُسَاءَلَةِ شَيْءٍ. نَشَأْتُ مُسْلِمًا، فَفِي ٱلْمَدْرَسَةِ تَعَلَّمْتُ كَيْفَ أَقْرَأُ ٱلْقُرْآنَ، وَكَيْفَ أَتَوَضَّأُ وَأُصَلِّي، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَكُلَّمَا تَقَدَّمَ بِيَ ٱلْعُمْرُ، تَعَلَّمْتُ ٱلْمَزِيدَ مِنَ ٱلْمَسْجِدِ، وَمِنْ وَسَائِلِ ٱلْإِعْلَامِ، وَمِنَ ٱلْكُتُبِ، وَمِنَ ٱلْمُجْتَمَعِ، وَغَيْرِهَا. لَكِنْ جَاءَ وَقْتٌ أَدْرَكْتُ فِيهِ أَنَّ مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ لَمْ يَعُدْ كَافِيًا.


لَنْ يَكُونَ ٱلْأَئِمَّةُ وَٱلْوُعَّاظُ مَعِي فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ. إِنَّمَا قَلْبِي وَضَمِيرِي هُمَا ٱللَّذَانِ سَيَكُونَانِ مَعِي حَيْثُمَا كُنْتُ وَكُلَّمَا كُنْتُ. لِذَا، عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ عَلَى قَلْبِي. لَكِنْ كَيْفَ؟ عِنْدَمَا أَتَحَيَّرُ لِأَنِّي لَا أَدْرِي مَا يَجِبُ فِعْلُهُ، فَذَلِكَ يَعْنِي أَنِّي أَحْتَرِمُ ٱللَّهَ. ذَلِكَ نَابِعٌ مِنْ حُبِّي لِرَبِّي. وَهَذَا شَيْءٌ حَسَنٌ. وَٱللَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌۭ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِۦ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۢا﴾ [الأحزاب: ٥]. وَيَقُولُ: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وَيَقُولُ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾ [النساء: ١١٠]. إِنَّمَا ٱلْمُشْكِلَةُ هِيَ ٱلتَّحَدِّي. حَتَّى بَيْنَنَا نَحْنُ ٱلْبَشَرَ، لَيْسَ مِنَ ٱلصَّوَابِ أَنْ نَتَحَدَّى شَخْصًۭا نَرْغَبُ فِي أَنْ يَكُونَ مُحْسِنًا إِلَيْنَا. ٱلنُّقْطَةُ ٱلْأَسَاسِيَّةُ هِيَ أَنَّ هُنَاكَ حُدُودًۭا يَجِبُ عَلَى ٱلْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِهَا. كُلُّ هَذَا يُمَثِّلُ مَجْمُوعَةً مِنَ "ٱلْعَمَلِيَّاتِ"، أَوْ سَيْرُورَةً، إِنْ شِئْتَ، تَحْدُثُ فِي ٱلْقَلْبِ. إِنَّ ٱلتَّحَدِّيَ يَنْبُعُ مِنَ ٱلْقَلْبِ أَوَّلًا. لِذَا، يَجِبُ مُعَالَجَتُهُ فِي ٱلْقَلْبِ أَوَّلًا. بِبَسَاطَةٍ، يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَبْذُلَ قُصَارَى جَهْدِي لِإِرْضَاءِ ٱللَّهِ، لَا لِتَحَدِّيهِ. يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَبْذُلَ مَا ٱسْتَطَعْتُ، لَا ٱلْمُسْتَحِيلَ. قَالَ ٱلنَّبِيُّ (صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». لِذَا، يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ مَا أَسْتَطِيعُ. إِنِ ٱسْتَطَعْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّاسُ نِيَامٌ، فَهَذَا عَظِيمٌ، تِلْكَ أَعْلَى مَرْتَبَةٍ لِمُؤْمِنٍ. وَإِنِ ٱسْتَطَعْتُ أَنْ أَصُومَ كَثِيرًا، فَهَذَا عَظِيمٌ أَيْضًا. لَكِنَّ ٱلْإِسْلَامَ لَا يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أُكَلِّفَ نَفْسِي مَا لَا طَاقَةَ لِي بِهِ. يُمْكِنُنِي أَنْ أُعَبِّرَ عَنْ شُكْرِي لِلَّهِ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. قَالَ ٱلنَّبِيُّ (صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». وَقَالَ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». وَقَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا». يَقُولُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَوَرَاءَهُ. وَيَقُولُ ٱلْقُرْآنُ: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. إِنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِي رَاغِبًۭا فِي ٱلْعَطَاءِ هُوَ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ شَاكِرًا لِلَّهِ. يَقُولُ ٱلْقُرْآنُ: ﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا﴾ [النساء: ١٤٧]. هَذِهِ ٱلرَّغْبَةُ فِي ٱلْعَطَاءِ، فِي أَنْ تَكُونَ صَالِحًا، لَيْسَتْ قَصْرًا عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ بِٱللَّهِ. هَذِهِ ٱلرَّغْبَةُ بَشَرِيَّةٌ لِأَنَّهَا تَأْتِي مِنَ ٱلْقَلْبِ، وَكُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ قَلْبٌ. حَتَّى ٱلْحَيَوَانَاتُ لَدَيْهَا هَذَا ٱلنَّوْعُ مِنَ ٱلْأَشْيَاءِ. كَمْ مِنْ أُنَاسٍ أَنْقَذَتْهُمْ حَيَوَانَاتُهُمُ ٱلْأَلِيفَةُ مِنَ ٱلْمَوْتِ.

ٱلْآنَ، لَدَيَّ ٱلرَّغْبَةُ فِي فِعْلِ ٱلْخَيْرِ. كَيْفَ يُمْكِنُنِي فِعْلُهُ؟ وَبِٱلْمُنَاسَبَةِ، هَلْ فِعْلُ ٱلْخَيْرِ سَهْلٌ دَائِمًا؟ فِي أَحَدِ ٱلْأَيَّامِ، كُنْتُ أَسْتَمِعُ إِلَى بَرْنَامَجٍ إِذَاعِيٍّ يَطْلُبُ فِيهِ ٱلْمُسْتَمِعُونَ نَصِيحَةَ مُسْتَمِعِينَ آخَرِينَ. قَالَ أَحَدُ ٱلْمُسْتَمِعِينَ: "أَنَا أَصْغَرُ ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ نَعِيشُ فِي بَلَدٍ أَجْنَبِيٍّ. مُشْكِلَتِي أَنِّي أَرَى أَحَدَ إِخْوَتِي يُوَاعِدُ زَوْجَةَ أَخِي ٱلْآخَرِ. أَنَا مُصْدُومٌ لِأَنِّي لَا أَدْرِي إِنْ كُنْتُ سَأُغْمِضُ عَيْنَيَّ فَأَعِيشُ فِي سَلَامٍ مَعَ أَخَوَيَّ كِلَيْهِمَا، أَمْ سَأُخْبِرُ أَخِي ٱلْمِسْكِينَ ٱلَّذِي يَخُونُهُ كُلٌّ مِنْ زَوْجَتِهِ وَأَخِيهِ. أَرْجُوكُمْ سَاعِدُونِي. أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى نَصِيحَتِكُمْ." أَنَا آسِفٌ، لَا أَسْتَطِيعُ إِبْدَاءَ رَأْيِي فِي هَذَا. لَكِنْ فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَجَدْتُ سِيجَارَةً وَأَنَا أَمْشِي فِي ٱلْغَابَةِ. قُلْتُ لِنَفْسِي: هَلْ أَسْحَقُهَا لِأَنَّهَا لَنْ تَضُرَّ إِلَّا صِحَّةَ شَخْصٍ مَا؟ أَمْ تَرْكُهَا لِرَجُلٍ فَقِيرٍ لَا يَسْتَطِيعُ شِرَاءَ سِيجَارَةٍ؟ حَسَنًا، لَمْ أَسْحَقْهَا. أَحْيَانًا تَحْتَاجُ إِلَى ٱتِّخَاذِ إِجْرَاءٍ فَوْرِيٍّ.


إِسْتَمِعْ إِلَى هَذِهِ ٱلْقِصَّةِ ٱلْمُذْهِلَةِ ٱلَّتِي سَمِعْتُهَا فِي ٱلرَّادْيُو. سُئِلَ صَيّادٌ مُسِنٌّ ذُو خِبْرَةٍ عَنْ مُغَامَرَاتِهِ فِي ٱلصَّيْدِ. وَأَمَامَ أَعْضَاءِ قَبِيلَتِهِ ٱلَّذِينَ يَعْرِفُونَهُ جَيِّدًا، قَالَ إِنَّهُ ٱصْطَادَ ٱثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ذِئْبًۭا وَعِدَّاتٍ مِنَ ٱلثَّعَالِبِ، مِنْ بَيْنِ مَا صَادَ. لَقَدْ أَكَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ تِلْكَ ٱلذِّئَابَ وَٱلثَّعَالِبَ. "ذَاتَ مَرَّةٍ"، قَالَ ٱلرَّجُلُ، "كُنْتُ وَأَصْحَابِي نَكْمُنُ وَرَاءَ جِدَارٍ مُؤَقَّتٍ نَتَرَصَّدُ ٱلثَّعَالِبَ أَوِ ٱلذِّئَابَ أَوِ ٱلْأَرَانِبَ. ثُمَّ ظَهَرَ أَرْنَبٌ عَلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجَرْدَاءِ. صَوَّبْتُ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَسْبِقْ لِي قَطُّ أَنْ أَخْطَأْتُ صَيْدًا، وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَرَاقِبُهُ مِنْ خِلَالِ مَنْظَارِ بُنْدُقِيَّتِي، بَدَأَ ٱلْمُؤَذِّنُ يُنَادِي لِلصَّلَاةِ. تَوَقَّفَ ٱلْأَرْنَبُ فِي مَكَانِهِ فَوْرًا. ٱسْتَنَدَ عَلَى قَوَائِمِهِ ٱلْخَلْفِيَّةِ وَبَقِيَ بِلَا حَرَاكٍ. وَلَمَّا فَرَغَ ٱلْمُؤَذِّنُ مِنْ أَذَانِهِ، مَسَحَ ٱلْأَرْنَبُ وَجْهَهُ بِقَوَائِمِهِ ٱلْأَمَامِيَّةِ، كَمَنْ يَتَمَسَّحُ بَعْدَ ٱلصَّلَاةِ، ثُمَّ مَضَى. لَقَدْ تَأَثَّرْتُ جِدًّا لَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَتَرَكْتُهُ يَذْهَبُ."


هَلْ يَجِبُ أَنْ أُفَكِّرَ فِي ٱلْإِيمَانِ فَقَطْ مِنْ حَيْثُ ٱلِٱسْتِقَامَةِ: يَجِبُ أَنْ أَفْعَلَ هَذَا، لَا يَجِبُ أَنْ أَفْعَلَ ذَاكَ؟ أَلَا يَجِبُ أَنْ أَسْتَمْتِعَ بِحَيَاتِي كَإِنْسَانٍ؟

إِنَّ ٱلْقُرْآنَ يَدْعُونِي، كَمُؤْمِنٍ، لِأَنْ "أَسِيرَ فِي ٱلْأَرْضِ وَأَنْظُرَ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ" كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْـَٔاخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠]. هَذِهِ ٱلسِّيَاحَةُ فِي ٱلْأَرْضِ هِيَ رُوحِيَّةٌ وَمَادِّيَّةٌ مَعًا. عِنْدَمَا أُمَارِسُ هَذَا ٱلنَّوْعَ مِنَ ٱلسِّيَاحَةِ ٱلرُّوحِيَّةِ، لِأُرِيحَ قَلْبِي لِئَلَّا يُصَابَ بِٱلْعَمَى، فَإِنِّي فِي ٱلْوَاقِعِ أُمَارِسُ إِيمَانِي، كَمَا لَوْ كُنْتُ فِي صَلَاةٍ. يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍۢ ◌ وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ◌ تَبْصِرَةًۭ وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍۢ مُّنِيبٍۢ﴾ [ق: ٦-٨]. بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، إِنَّنِي أَسْتَمْتِعُ. أَنَا أَعِيشُ حَيَاتِيَ (ٱلدُّنْيَوِيَّةَ) مَعَ ٱلْحِفَاظِ عَلَى إِيمَانِي وَتَقْوِيَتِهِ.


قَدْ تَنْجَحُ ٱلْمُوَاجَهَةُ مَعَ ٱلرِّجَالِ أَحْيَانًا، لَكِنْ لَنْ تَنْجَحَ قَطُّ مَعَ ٱللَّهِ. إِذَا أَرَدْتُ ٱلسَّلَامَ مَعَ ٱللَّهِ، فَهُنَاكَ خِيَارٌ وَاحِدٌ لَا غَيْرُ: ٱلِٱسْتِغْفَارُ. عِنْدَمَا أَتَضَرَّعُ إِلَى ٱللَّهِ لِيَغْفِرَ لِي، فَإِنِّي فِي ٱلْوَاقِعِ أُؤَكِّدُ إِيمَانِي بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي، وَبِأَنَّهُ وَحْدَهُ مَنْ يَقْضِي بِقَضَائِي. أُؤَكِّدُ إِيمَانِي بِٱلْغَيْبِ. هَذَا مُهِمٌّ جِدًّا جِدًّا. إِنَّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلصَّادِقِينَ "يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" كَمَا فِي ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. وَهُمْ "ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ" [الأنبياء: ٤٩]. كُلَّمَا زَادَ عِلْمِي، زَادَ خَوْفِي مِنَ ٱلرَّبِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]. إِنَّ ٱلْعُلَمَاءَ ٱلَّذِينَ يُفَكِّرُونَ بِحُسْنِ نِيَّةٍ لَا يَزْدَادُونَ بِٱللَّهِ إِلَّا عِلْمًا وَخَوْفًا. لَكِنْ مَاذَا عَنْ شَخْصٍ مِثْلِي لَيْسَ مِنَ ٱلْعُلَمَاءِ؟ حَسَنًا، عَلَى ٱلْأَقَلِّ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَتَجَنَّبَ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ ٱلْمُوَاجَهَةِ مَعَ ٱللَّهِ. إِنْ فَهِمْتُ شَيْئًا، فَبِهَا وَنِعْمَتْ. وَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ فَهْمَ مَنْطِقِ حُكْمٍ مَا، عَلَى سَبِيلِ ٱلْمِثَالِ، يَجِبُ أَنْ أَحْتَرِمَ عِلْمَ ٱللَّهِ ٱلَّذِي وَضَعَ ذَلِكَ ٱلْحُكْمَ. يَجِبُ أَيْضًا أَنْ أُقَدِّمَ شَهَادَتِي ٱلْمُتَوَاضِعَةَ بِعَدْلِ ٱللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. ٱلْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِٱلْإِيمَانِ. إِنَّنِي أَثِقُ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَضَعْ ذَلِكَ ٱلْحُكْمَ ضِدَّ مَصْلَحَةِ ٱلْإِنْسَانِ. أَثِقُ بِأَنَّ هُنَاكَ بَعْضَ ٱلْخَيْرِ فِي ذَلِكَ ٱلْحُكْمِ حَتَّى لَوْ لَمْ أَرَهُ أَنَا بِنَفْسِي. إِنْ عَجَزْتُ عَنْ فَهْمِ ٱلْحِكْمَةِ ٱلْكَامِنَةِ وَرَاءَ بَعْضِ ٱلْأَحْكَامِ، يَجِبُ عَلَيَّ ٱلتَّقَيُّدُ بِهَا مَعَ ذَلِكَ، كَمَا كُنْتُ أَفْعَلُ مَعَ أَيِّ قَوَانِينَ تُسَنُّ لِلْمَصْلَحَةِ ٱلْعَامَّةِ. يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَتَقَبَّلَ ٱلْحُكْمَ أَوَّلًا، ثُمَّ أَتَنَظَّرَ فِي حِكْمَتِهِ. لِذَا، يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أُسَلِّمَ بِأَنَّ مَعْرِفَتِي مَحْدُودَةٌ مُقَارَنَةً بِعِلْمِ ٱللَّهِ. إِنِ ٱعْتَقَدْتُ أَنَّنِي أَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَاءِ، فَقَدْ يَبْقَى لَدَيَّ شُكُوكٌ بِشَأْنِ مَا هُوَ أَهَمُّ شَيْءٍ لَدَيَّ: مَصِيرُ رُوحِي بَعْدَ ٱلْمَوْتِ. يَقُولُ ٱللَّهُ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًۭا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍۢ جَدَلًۭا﴾ [الكهف: ٥٤]. وَقَالَ: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ ﴾ [النجم: ٢٣] (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِٱلنَّصِّ، فَٱلْمَعْنَى قَرِيبٌ وَمُسْتَفَادٌ مِنْ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّاۖ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا﴾ [يونس: ٣٦]). كَمُؤْمِنٍ، يُرِيدُ بِوُضُوحٍ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ ٱلْإِيمَانِ عِنْدَمَا يُفَكِّرُ فِي دِينِهِ، لَنْ أَطْلُبَ ٱلْمَعْرِفَةَ فِي ٱلْكُتُبِ وَٱلْمَدَارِسِ فَقَطْ. إِنَّنِي أَتَعَلَّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي مَدْرَسَةِ ٱلْحَيَاةِ أَيْضًا. إِنَّ تَجَارِبِي وَمِحَنِي تُعَلِّمُنِي عِلْمًۭا جَمًّۭا عَنْ نَفْسِي وَعَنِ ٱلْعَالَمِ. أَنَا أَعْلَمُ وَأُؤْمِنُ وَلَا أَجْعَلُ حَاجِزًۭا بَيْنَ ٱلشَّهَادَةِ وَٱلْغَيْبِ، بَيْنَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةِ. يُخْبِرُنِي ٱلْقُرْآنُ أَنَّ ٱلْمُؤْمِنَ ٱلصَّالِحَ سَيَقُولُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ: ﴿هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]. أَمَّا ٱلْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا﴾ [الإسراء: ١٤]. إِنَّهَا لَيْسَتْ رِحْلَةَ ذَهَابٍ وَإِيَابٍ، لَا أَحَدَ سَيُعْطَى فُرْصَةً أُخْرَىٰ لِيُفَكِّرَ أَوْ يَقْرُرَ. إِنْ كُنْتُ لَا أُرِيدُ أَنْ آخُذَ بِٱلْغَيْبِ ٱلْآنَ، فَقَدْ أَنْدَمَ عَلَىٰ ذَلِكَ حِينَئِذٍ. يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وَيَقُولُ: ﴿هَـٰذَا بَلَـٰغٌۭ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [إبراهيم: ٥٢].

لَيْسَ ٱلْإِيمَانُ بِٱلْغَيْبِ أَمْرًۭا سَهْلًۭا. فِي سُورَةِ يُوسُفَ نَقْرَأُ: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. عِنْدَمَا أُخْتَبَرُ، فَإِنَّ ٱخْتِبَارَاتِي إِمَّا أَنْ تُقَوِّيَ إِيمَانِي وَإِمَّا أَنْ تُضْعِفَهُ. ٱلْعِلْمُ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، لَكِنَّهُ يُسَاعِدُ. يَصْرِفُ ٱلنَّاسُ أَمْوَالًۭا طَائِلَةً عَلَى ٱسْتِشَارَاتِ ٱلْأَطِبَّاءِ ٱلنَّفْسَانِيِّينَ. لَوِ ٱسْتَطَعْتُ ٱكْتِسَابَ ذَلِكَ ٱلنَّوْعِ مِنَ ٱلْمَعْرِفَةِ (مَعْرِفَةِ ٱلتَّجْرِبَةِ ٱلشَّخْصِيَّةِ، مِنْ خِلَالِ ٱخْتِبَارَاتِي، وَمِنْ خِلَالِ ٱلسِّيَاحَةِ ٱلرُّوحِيَّةِ) لَمَا ٱحْتَجْتُ إِلَى طَبِيبٍ نَفْسَانِيٍّ قَطُّ. عِنْدَمَا أَتَعَرَّضُ لِمُعَانَاةٍ وَأَتَضَرَّعُ إِلَى ٱللَّهِ لِنَجْدَتِي، فَيُنْجِدُنِي مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ، فَذَاكَ مِمَّا يُسَاعِدُنِي عَلَى تَقْوِيَةِ إِيمَانِي. أَتَعَلَّمُ مِنْ هَذِهِ ٱلتَّجْرِبَةِ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ. لِذَلِكَ، فَٱلسِّيَاحَةُ، كُلَّمَا أَمْكَنَتْ، مُهِمَّةٌ جِدًّا. مِنَ ٱلْمُهِمِّ جِدًّا لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَرَى ٱلْجَمَالَ فِي جَمِيعِ تَجَلِّيَاتِهِ.


لَكِنَّنَا نَحْنُ بَنِي آدَمَ، يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ جَمَالُ هَذَا ٱلْعَالَمِ مُجَرَّدَ طَعْمٍ أَوَّلِيٍّ لِلْجَمَالِ ٱلْحَقِيقِيِّ، أَلَا وَهُوَ جَمَالُ ٱلْجَنَّةِ. إِنَّ طِيبَةَ هَذَا ٱلْعَالَمِ لَيْسَتْ إِلَّا عَيِّنَةً مِنَ ٱلطِّيبَةِ ٱلْإِلَٰهِيَّةِ.


﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ كَيْفَ هِيَ ٱلْحَيَاةُ. هُوَ مَنْ خَلَقَ ٱلْعَالَمَ وَٱلْحَيَاةَ. ﴿تَبَـٰرَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ◌ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭاۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ﴾ [الملك: ١-٢]. ٱللَّهُ يُدَبِّرُ عَالَمَنَا كُلَّ يَوْمٍ، كُلَّ دَقِيقَةٍ، كُلَّ ثَانِيَةٍ. ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍۢ﴾ [الرحمن: ٢٩]. إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَعْنِيهِ لِي أَنْ أَعْمَلَ، أَنْ أَتَزَوَّجَ، أَنْ يَكُونَ لِي سَقْفٌ، أَنْ أَنْجَبَ أَطْفَالًۭا، أَنْ آكُلَ جَيِّدًۭا، أَنْ أَنَامَ جَيِّدًۭا. إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا هُوَ ٱلسَّعَادَةُ. وَٱللَّهُ أَيْضًۭا يَعْلَمُ أَشْيَآءَ لَا أَعْلَمُهَا أَنَا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۭ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًۭاۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍۢ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ﴾ [لقمان: ٣٤]. إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَنْفَعُنِي وَمَا يَضُرُّنِي. ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ٱلْمُهِمُّ هُوَ نِيَّتِي، حُسْنُ ٱلْإِيمَانِ أَوْ سُوْؤُهُ. ٱلْمُهِمُّ هُوَ مَا فِي قَلْبِي. ٱلْحَيَاةُ هِيَ ٱلْحَيَاةُ. مُعْظَمُ ٱلنَّاسِ، مُؤْمِنِين وَغَيْرَ مُؤْمِنِينَ، يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَيَنَامُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيَبْنُونَ بُيُوتًۭا وَيَقُودُونَ سَيَّارَاتٍ، إِلَى آخِرِ ذَلِكَ. لَكِنَّ ٱلْغَالِبِيَّةَ ٱلْعُظْمَىٰ مِنَ ٱلنَّاسِ، عَلَى مَا يَبْدُو، يَعِيشُونَ لِلدُّنْيَا فَقَطْ. إِذَا كُنْتُ مُؤْمِنًۭا، فَإِنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ "أَبْتَغِيَ فِيمَا آتَانِيَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْآخِرَةَ" دُونَ أَنْ "أَنْسَىٰ نَصِيبِي مِنَ ٱلدُّنْيَا". كُلُّ مَا عَلَيَّ فِعْلُهُ هُوَ أَنْ "أُحْسِنَ كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيَّ". يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلْأَرْضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. لَا أَحَدَ يَطْلُبُ مِنِّي، كَمُؤْمِنٍ، أَنْ أَتَنَازَلَ عَنْ "نَصِيبِي مِنَ ٱلدُّنْيَا". عِنْدَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلصَّالِحِينَ، كُلُّ شَيْءٍ هُوَ عِبَادَةٌ، حَتَّىٰ مُعَاشَرَةُ ٱلزَّوْجَةِ عِبَادَةٌ. لَكِنْ حَتَّىٰ أُعْتَبَرَ مُؤْمِنًۭا صَالِحًۭا، يَجِبُ أَنْ أُخْتَبَرَ. أَنَا أُرِيدُ شَيْـًۭٔا مِنَ ٱللَّهِ؟ إِذَنْ يَجِبُ أَنْ أَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَأَصْبِرَ. يَجِبُ أَنْ أَكُونَ مِنَ "ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" [النحل: ٤٢]. فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَنْهَشَنِي ٱلنَّدَمُ، أَنَا أَخْتَارُ ٱلصَّبْرَ وَٱلرِّضَا وَٱلتَّوَكُّلَ عَلَى ٱللَّهِ. إِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَهَذَا وَعْدُ ٱللَّهِ لِي: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وَيَقُولُ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ◌ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًۭا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١]. "أَعْمَالِي" هِيَ كُلُّ مَا أَفْعَلُهُ فِي حَيَاتِي.


نَعَمْ، إِنَّ ٱلْقَوْلَ أَسْهَلُ مِنَ ٱلْفِعْلِ. لَكِنْ مَاذَا عَسَايَ فَاعِلٌ؟ هَلْ لِي خِيَارٌ آخَرُ؟ ٱلْحَيَاةُ ٱلطَّيِّبَةُ هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ. يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. وَقَالَ: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: ١٢٤]. لَوْ كُنْتُ شَخْصًۭا عَاقِلًۭا، لَمَا أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ لِي "مَعِيشَةٌ ضَنكٌ". لَكِنَّ ٱلضَّنَكَ لَا يَرْتَبِطُ دَائِمًۭا بِٱلْأُمُورِ ٱلْمَادِّيَّةِ. كَمَا قُلْتُ سَابِقًۭا، ٱلْحَيَاةُ هِيَ شُعُورٌ.


ٱللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ ٱلْوَسَآئِلَ ٱلْمَادِّيَّةَ فِي غَايَةِ ٱلْأَهَمِّيَّةِ. إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلصَّالِحِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ ٱلِٱسْتِغْنَاءَ عَنْ سَيَّارَةٍ، وَأَنَّ آخَرِينَ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى دَفْعِ ٱلْإِيجَارِ، وَأَنَّ آخَرِينَ مَرْضَىٰ وَبِحَاجَةٍ إِلَى دَوَآءٍ دَآئِمٍۢ، وَأَنَّ آخَرِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَحْلِقُونَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، وَلَا جَوَارِبَ، وَلَا أَحْذِيَةً... لَكِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرَىٰ فَقَطْ حِرْمَانِي. إِنَّهُ يَرَىٰ أَيْضًۭا ٱلثَّوَابَ ٱلَّذِي لَا أَسْتَطِيعُ رُؤْيَتَهُ بَعْدُ. إِنَّهُ يَرَىٰ ثَوَابِي فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلْآخِرَةِ. يَقُولُ تَعَالَىٰ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ﴾ [فاطر: ١٠]. وَقَالَ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا﴾ [النساء: ٤٠]. لِمَاذَا يَحْرِمُنِي ٱللَّهُ مِنْ أَشْيَآءَ يَعْلَمُ أَنَّهَا عَزِيزَةٌ عَلَيَّ إِلَى هَذَا ٱلْحَدِّ؟ أَلَيْسَ مِنَ ٱلْكَافِي أَنَّنِي مُؤْمِنٌ بِهِ فِعْلًۭا وَأَنَّنِي أَسْعَىٰ إِلَىٰ إِرْضَائِهِ؟ حَسَنًا، قَدْ لَا يَكُونُ هَذَا كَافِيًۭا. فَٱلْإِيمَانُ يَحْتَاجُ إِلَى يَقِينٍ مُطْلَقٍ. يَقُولُ ٱللَّهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُمۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ﴾ [البقرة: ٢١٤]. عِنْدَمَا أُقَادُ لِإِظْهَارِ ٱلصَّبْرِ وَٱلزُّهْدِ، سَيَقُولُ عَنِّي آخَرُونَ: هَذَا كَسْلَانُ، لَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ؛ هَذَا يُحِبُّ أَنْ يُطْعِمَهُ ٱلْآخَرُونَ. كُلُّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ مُصِيبَتِي. إِنَّهَا تَجْرِبَةٌ لِي لِأَكْتَسِبَ شَخْصِيَّةً قَوِيَّةً، لِأَثِقَ بِنَفْسِي أَكْثَرَ، لِأَعِيشَ لِمَبَادِئَ حَقِيقِيَّةٍ وَلَيْسَ فَقَطْ لِأَجْلِ ٱلْمَالِ. ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. إِنَّ ٱمْتِحَانَاتِي هِيَ مَا سَتَجْعَلُنِي "عَبْدًۭا شَكُورًۭا" [الإسراء: ٣]. سَيَكُونُ شَرَفًۭا عَظِيمًۭا لِي لَوِ ٱعْتَبَرَنِي ٱللَّهُ "عَبْدًۭا شَكُورًۭا". يَقُولُ ٱللَّهُ: ﴿وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. إِذَا كُنْتُ شَكُورًۭا، سَيَعْتَنِي بِي ٱللَّهُ بِأَفْضَلِ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ، فَهُوَ "يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ" [هود: ٣] (بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ لِسِيَاقِ ٱلْآيَةِ). مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ عَيْشِ حَيَاةٍ يُدَبِّرُهَا مِنْ فَوْقُ ٱلرَّبُّ ٱلَّذِي يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَيَقْدِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؟ أَنَا أُدِيرُ قَلْبِي، وَٱللَّهُ يُدِيرُ حَيَاتِي كَمَا لَا يَسْتَطِيعُ أَيُّ مُدِيرٍ.


مَاذَا عَنْ إِحْبَاطَاتِي لِعَدَمِ حُصُولِي عَلَى تِلْكَ ٱلْوَظِيفَةِ بِعَيْنِهَا، أَوْ شِرَاءِ ذَلِكَ ٱلْمَنْزِلِ، أَوِ ٱلزَّوَاجِ مِنْ ذَلِكَ ٱلشَّخْصِ بِعَيْنِهِ؟ يَقُولُ ٱللَّهُ لِي: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]. وَقَالَ: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ◌ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍۢ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢-٢٣]. بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، صَبْرِي وَرِضَايَ بِٱللَّهِ سَيَغْسِلَانِ جَمِيعَ إِحْبَاطَاتِي.

لَكِنَّ ٱلشَّيْطَانَ سَيَظَلُّ يَتَرَبَّصُ بِي. قَدْ لَا يَقْدِرُ ٱلشَّيْطَانُ عَلَى تَشْوِيشِي وَأَنَا وَحْدِي. ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. لَكِنْ مَا إِنْ أَصِيرُ بَيْنَ ٱلنَّاسِ حَتَّىٰ يَكُونَ ٱلشَّيْطَانُ هُنَاكَ أَيْضًۭا. سَيُوحِي إِلَيْهِمْ بِٱلْكَلِمَاتِ ٱلَّتِي تَجْعَلُنِي أَشْعُرُ بِٱلْإِحْبَاطِ بِسَبَبِ أَشْيَآءَ لَمْ أَسْتَطِعِ ٱلْحُصُولَ عَلَيْهَا فِي ٱلْمَاضِي، أَوْ أَتَطَلَّعُ إِلَىٰ أَشْيَآءَ قَدْ لَا أَقْدِرُ عَلَى تَحْقِيقِهَا فِي ٱلْمُسْتَقْبَلِ. وَبَيْنَمَا أَنَا أُخْتَبَرُ، سَيَصْنَعُ لِيَ ٱلشَّيْطَانُ مَشَاكِلَ مَعَ ٱلْأَصْدِقَآءِ، وَأَفْرَادِ ٱلْأُسْرَةِ، إِلَى آخِرِ ذَلِكَ. أُولَـٰئِكَ ٱلْأَصْدِقَآءُ وَٱلْجِيرَانُ وَأَفْرَادُ ٱلْأُسْرَةِ لَنْ يَفَكِّرُوا فِي ٱلشَّيْطَانِ. لَكِنَّهَا مَسْؤُولِيَّتِي أَنَا أَنْ أَعِيَ أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ سَيَسْتَخْدِمُ بَعْضَ أُولَـٰئِكَ ٱلنَّاسِ لِجَعْلِي تَعِسًۭا. يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًۭٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠]. وَمَعَ ذَلِكَ، أَثْنَاءَ ٱمْتِحَانَاتِي، سَيَبْعَثُ ٱللَّهُ لِي مَنْ يُسَاعِدُنِي حِينَ أَعْجَزُ عَنْ مُسَاعَدَةِ نَفْسِي. لَكِنَّ ٱللَّهَ لَنْ يُعْطِيَنِي كُلَّ مَا أُرِيدُ أَوْ كُلَّ مَا أَحْتَاجُ، حَتَّىٰ مِنْ خِلَالِ أَفْضَلِ نَفْسٍ فِي ٱلْعَالَمِ، حَتَّىٰ أَنْجَحَ فِي ٱلِٱخْتِبَارِ. وَإِلَّا، فَلِمَاذَا يُسَمَّى ٱخْتِبَارًۭا؟ يُمْكِنُ لِلَّهِ، عَلَى سَبِيلِ ٱلْمِثَالِ، أَنْ يَجْعَلَ أُسْرَتِي أَوْ جَمْعِيَّةً خَيْرِيَّةً تُسَاعِدُنِي بِٱلطَّعَامِ لَا بِٱلْمَالِ. لَنْ أَحْصُلَ عَلَى ٱلْمَالِ ٱلَّذِي أُرِيدُهُ حَتَّىٰ يَشَآءَ ٱللَّهُ.


إِذَا قُلْتُ لَا، هُنَاكَ ٱلدَّوْلَةُ ٱلَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَمْنَحَنِي دَخْلًۭا أَسَاسِيًّۭا عَالَمِيًّۭا، أَوْ إِعَانَةَ بَطَالَةٍ، أَوْ قُسَيْمَ وُقُودٍ، إِلَى آخِرِ ذَلِكَ، فَسَتُرِينِي ٱلْوَاقِعُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ كَافِيًۭا. لَقَدْ رَأَيْنَا آلَافَ ٱلْمُتَظَاهِرِينَ يُحَطِّمُونَ كُلَّ شَيْءٍ فِي طَرِيقِهِمْ لِأَنَّ رَوَاتِبَهُمْ لَمْ تَكْفِهِمْ. هَؤُلَآءِ ٱلنَّاسُ لَهُمْ عَمَلٌ وَرَاتِبٌ، لَكِنَّهُمْ يَشْتَكُونَ مِنْ عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى ٱلذَّهَابِ إِلَى مَطْعَمٍ أَوْ سِينَمَا، عَلَى سَبِيلِ ٱلْمِثَالِ. لَا يُمْكِنُنَا بِأَيِّ حَالٍ مِنَ ٱلْأَحْوَالِ أَنْ نُقِيمَ ٱلدَّوْلَةَ مَقَامَ ٱلْعِنَايَةِ ٱلْإِلَٰهِيَّةِ.


إِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ لِي أَنْ أَمُرَّ بِٱخْتِبَارٍ، فَلَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ. لِذَا، لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَلُومَ ٱلنَّاسَ عَلَى مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ مَنْحِي إِيَّاهُ. يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَـٰلٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]. (وَأَمَّا ٱلْآيَةُ ٱلَّتِي تُشِيرُ إِلَىٰ ٱلْقَوْلِ ٱلْأَلْطَفِ فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّۭا مُّبِينًۭا﴾ [الإسراء: ٥٣].) أُولَـٰئِكَ ٱلنَّاسُ ٱلَّذِينَ يُسِيٓـُٔونَ إِلَيَّ قَدْ يَكُونُونَ مُحْسِنِينَ إِلَىٰ آخَرِينَ. وَأُولَـٰئِكَ ٱلنَّاسُ قَدْ يُسِيٓـُٔونَ إِلَيَّ ٱلْآنَ لِأَنِّي أَسَأْتُ إِلَيْهِمْ فِي ٱلْمَاضِي. يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًۭا يَرَهُۥ ◌ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ شَرًّۭا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]. لِذَا، إِنِ ٱسْتَطَعْتُ فِعْلَ ٱلْخَيْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَهُ لِوَجْهِ ٱللَّهِ. يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وَقَالَ: ﴿قَوْلٌۭ مَّعْرُوفٌۭ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌۭ مِّن صَدَقَةٍۢ يَتْبَعُهَآ أَذًۭىۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌۭ ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وَقَالَ: ﴿وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. بِعِبَارَةٍ أُخْرَىٰ، يَنْبَغِي لِي أَنْ أَكُونَ صَالِحًۭا ثُمَّ أَفْعَلَ ٱلْخَيْرَ. يَنْبَغِي لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أَسْتَطِيعُ. لَسْتُ مُلْزَمًۭا بِفِعْلِ ٱلْخَيْرِ مَعَ شَخْصٍ لَنْ يَزِيدَنِي إِلَّا أَذًۭى. لِيَ ٱلْخِيَارُ. أَنَا وَحْدِي مَنْ يَعْلَمُ حُدُودَ صَبْرِي فِي هَذَا ٱلصَّدَدِ. ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. يَنْبَغِي لِي أَنْ أَتَقَبَّلَ ٱلْحَيَاةَ كَمَا تَأْتِي. أَنَا أُدِيرُ قَلْبِي، وَٱللَّهُ سَيُدِيرُ حَيَاتِي.


يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ◌ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ ◌ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢-٢٤]. تِلْكَ ثَمَرَةُ ٱلتَّرْبِيَةِ ٱلْإِسْلَامِيَّةِ. وَالِدَايَ، إِخْوَتِي، يُمْكِنُنَا جَمِيعًۭا أَنْ نَلْتَقِيَ هُنَاكَ، فِي ٱلْجَنَّةِ، كَمَا ٱلْتَقَيْنَا هُنَا عَلَى ٱلْأَرْضِ. إِنَّ حُسْنَ ٱلتَّرْبِيَةِ (أَوْ عَدَمَهَا) سَيَجْمَعُنَا أَوْ يُفَرِّقُنَا، إِلَى ٱلْأَبَدِ.

يُمْكِنُنَا جَمِيعًۭا أَنْ نَنْكَسِرَ نَفْسِيًّۭا فِي وَقْتٍ مَّا. لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْفَعَنَا مِنْ كَبْوَتِنَا إِلَّا ٱلْإِيمَانُ. فَٱلْإِيمَانُ نُورٌ. ٱلْإِيمَانُ حُرِّيَّةٌ. إِنَّهُ ٱلْحُرِّيَّةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا ٱلرَّبَّ. كَمُؤْمِنٍ، أَنَا أُحَرِّرُ نَفْسِي مِمَّا يَمْلَأُ قَلْبِي بِٱلْحِقْدِ وَٱلنَّدَمِ. أَنَا أُقَدِّرُ قِيمَتِي. وَإِذَا بَحَثْتُ عَنْ هَذِهِ ٱلْأَهَمِّيَّةِ فِي نَفْسِي، سَأَجِدُهَا فِي إِيمَانِي.


إِنَّ قُوَّةَ ٱلْمُجْتَمَعِ أَثْقَلُ مِنَ ٱلْجِبَالِ. حَتَّىٰ مَعَ ٱلْإِيمَانِ، يَتَطَلَّبُ ٱلْأَمْرُ جُهْدًۭا كَبِيرًۭا لِلتَّحَرُّرِ مِنْهَا دُونَ صَدْمِ ٱلْآخَرِينَ. إِذَنْ، مَاذَا يَقُولُ لِي ٱلْإِيمَانُ؟ فِي أَحَدِ ٱلْأَيَّامِ، رَأَى رَجُلٌ حَكِيمٌ رَجُلًۭا وَاقِفًۭا يُحَدِّقُ يَمِينًۭا وَشِمَالًۭا. فَقَالَ ٱلْحَكِيمُ: "مَاذَا تُرِيدُ، أَيُّهَا ٱلرَّجُلُ؟" قَالَ ٱلرَّجُلُ: "أَنَا أَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ نَظِيفٍ لِأُصَلِّيَ فِيهِ." فَقَالَ لَهُ ٱلْحَكِيمُ: "نَظِّفْ قَلْبَكَ وَصَلِّ حَيْثُ شِئْتَ!" إِنِ ٱسْتَطَعْتُ أَنْ أُنَظِّفَ قَلْبِي، كَمُؤْمِنٍ، فَإِنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَىٰ حَيْثُ أَشَاءُ، مَعَ مَنْ أَشَاءُ؛ أَنْ آكُلَ مَا أَشَاءُ أَيْنَمَا أَشَاءُ؛ أَنْ أَرْتَدِيَ مَا أَشَاءُ مِنَ ٱلثِّيَابِ أَيْنَمَا أَشَاءُ. قَلْبِي سَيَهْدِينِي. يَقُولُ ٱللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣].


أَتَرَى مَرَاتِبَ ٱلْإِيمَانِ؟ إِذَا أَخْطَأْتُ فِي ٱلْمَرَّةِ ٱلْأُولَىٰ، أَوِ ٱلثَّانِيَةِ، أَوِ ٱلْعَاشِرَةِ، فَسَأُعَاقَبُ، بِوَجْهٍ أَوْ بِآخَرَ، وَسَأَفْهَمُ أَنَّ هَذَا ٱلشَّيْءَ أَوْ ذَاكَ لَيْسَ جَيِّدًۭا لِي؛ سَيَتَّعِظُ قَلْبِي وَيَقُودُنِي حَيْثُ لَا أَوَدُّ أَنْ يَكُونَ لَدَيَّ أَيُّ مَشَاكِلَ مَعَ ٱللَّهِ أَوْ مَعَ ٱلنَّاسِ فِيمَا يَرْجُو. تِلْكَ هِيَ ٱلْحِكْمَةُ. هَكَذَا سَتُصْبِحُ ٱلْحُرِّيَّةُ، كَمَا أَرَاهَا كَمُؤْمِنٍ، طَبِيعَةً ثَانِيَةً لِي. أَنَا أُدِيرُ قَلْبِي، وَٱللَّهُ يُدِيرُ حَيَاتِي. قَلْبِي هُوَ أَغْلَى مَا فِيَّ. إِنْ حَافَظْتُ عَلَيْهِ نَقِيًّۭا، فَسَتَكُونُ حَيَاتِي نَقِيَّةً.


حُرِّيَّةٌ، نَعَمْ، لَكِنِّي أَيْضًۭا بِحَاجَةٍ إِلَى مَالٍ. ٱلْمَالُ أَسَاسِيٌّ. لَا عَجَبَ إِذَا قَرَأْنَا كِتَابًۭا مِثْلَ هَذَا وَأَرَدْنَا أَنْ نَعْرِفَ فَوْرًۭا مَاذَا سَيُعْطِينَا ٱللَّهُ. هَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ جِدًّۭا. لَقَدْ قُلْتُ تَوًّۭا إِنَّ قُوَّةَ ٱلْمُجْتَمَعِ أَثْقَلُ مِنَ ٱلْجِبَالِ. سَيُرِيدُ ٱلنَّاسُ أَنْ يَعْرِفُوا هَلْ لَكَ بَيْتُكَ ٱلْخَاصُّ، هَلْ أَنْتَ مُتَزَوِّجٌ... سَيَحْكُمُونَ عَلَيْكَ بِنَآءً عَلَى ذَلِكَ. قُلْ لِي مَاذَا تَمْلِكْ، أَقُلْ لَكَ مَنْ أَنْتَ.


وَحَتَّىٰ لَوْ لَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ عَلَى ٱلْإِطْلَاقِ، فَمَا زِلْتُ بِحَاجَةٍ إِلَى حَدٍّ أَدْنَى مِنَ ٱلْمَالِ. فِي سِنٍّ مُعَيَّنَةٍ، يَنْبَغِي أَنْ أَتَزَوَّجَ. يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ مُعْتَمِدًۭا عَلَى نَفْسِي، وَأَنْ لَا أَعْتَمِدَ عَلَى أُسْرَتِي، عَلَى سَبِيلِ ٱلْمِثَالِ. بِغَضِّ ٱلنَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ إِيمَانِي، لَا يُمْكِنُنِي إِلَّا أَنْ أَشْعُرَ بِضَغْطِ ٱلْمُجْتَمَعِ. إِنَّهُ أَمْرٌ صَعْبٌ جِدًّا جِدًّا. لَكِنْ عِنْدَمَا أُفَكِّرُ فِي ٱلْأَمْرِ بِمَوْضُوعِيَّةٍ، سَأَقُولُ لِنَفْسِي إِنَّ ٱللَّهَ لَدَيْهُ ٱلْكَثِيرُ لِيَمْنَحَنِي إِيَّاهُ، لَكِنَّنِي أَنَا، مَاذَا لَدَيَّ لِأَمْنَحَهُ لِلَّهِ؟ لَا يَطْلُبُ ٱللَّهُ رِزْقًۭا مِنِّي. يَقُولُ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ◌ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍۢ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ◌ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨]. ٱلَّذِي يَتَوَقَّعُهُ ٱللَّهُ مِنِّي هُوَ أَنْ أَمْنَحَهُ مَكَانًۭا خَاصًّۭا، جِدًّۭا خَاصًّۭا فِي قَلْبِي.


إِنْ كُنْتُ قَدِ ٱخْتَرْتُ لِصَلَوَاتِي أَجْمَلَ مَكَانٍ فِي بَيْتِي، فَيَنْبَغِي لِي أَنْ أَحْجِزَ لِلرَّبِّ أَجْمَلَ، وَأَنْظَفَ، وَأَحْمَىٰ مَكَانٍ فِي قَلْبِي. يَتَحَدَّثُ ٱلْقُرْآنُ عَنْ تِجَارَةٍ: إِنْ فَعَلْتَ هَذَا أُعْطِيكَ ذَاكَ. أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى ٱللَّهِ. أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى رَحْمَةِ ٱللَّهِ. أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى عَوْنِ ٱللَّهِ. لَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُتَاجِرَ مَعَ ٱللَّهِ، بِٱلْمَعْنَى ٱلْحَرْفِيِّ. لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَتَعَامَلَ مَعَ ٱللَّهِ عَلَى أَسَاسِ "آخُذُ وَأُعْطِي". يَجِبُ أَنْ أَرَىٰ فِيهِ صَدِيقًۭا، صَدِيقًۭا مُخْلِصًۭا وَمُوْثُوقًۭا إِلَى ٱلْأَبَدِ. لَا أُخْفِي عَنْهُ شَيْـًۭٔا، فَهُوَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. لَا أَتَصَنَّعُ، فَهُوَ يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِي. إِنْ حَرَمَنِي مِنْ شَيْءٍ أَوْ آخَرَ، أُحَادِثُهُ بِأَدَبٍ بَلِيغٍ. أَسْأَلُهُ مَا أُرِيدُ، أُخْبِرُهُ بِمُعَانَاتِي. أُرِيهِ دُمُوعِيَ ٱلَّتِي لَا أُرِيهَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ. أَقُولُ لَهُ أَفْضَلَ ٱلْكَلِمَاتِ، ٱلَّتِي لَا أَقُولُهَا لِأَحَدٍ. أُرِيهِ كَمْ أُحِبُّهُ، وَكَمْ يَشْرُفُنِي أَنْ يَكُونَ لِي إِلَٰهًۭا وَصَدِيقًۭا حَامِيًۭا. أُرِيهِ أَنَّنِي أُحِبُّهُ لِذَاتِهِ. أُرِيهِ كَمْ أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَإِلَى رَحْمَتِهِ، وَجَنَّتِهِ، وَوَجْهِهِ. أُرِيهِ، بِٱلْأَقْوَالِ وَٱلْأَفْعَالِ، أَنَّنِي لَا شَيْءَ بِدُونِهِ. سَيَجْعَلُنِي سَعِيدًۭا كَمَا أَنَا، سَعِيدًۭا بِمَا أَفْعَلُ. سَيَجْعَلُنِي لَا أَشْعُرُ بِٱلْوَحْدَةِ وَٱلِٱغْتِرَابِ بَعْدَ الْآنَ. سَيَجْعَلُنِي سَعِيدًۭا. سَيُعْطِينِي، إِنْ شَآءَ، أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ. ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. إِنْ لَطَّخْتُ قَلْبِي بِخَطِيئَةٍ، ذَرَفْتُ ٱلدُّمُوعَ، وَبَلَّلْتُ عَيْنَيَّ لِأَغْسِلَهُ. أَكْنُسُ قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ بِتَسْبِيحِ لِسَانِي. أَجْعَلُ مَكَانَ ٱللَّهِ فِي قَلْبِي أَنْظَفَ مِنْ ثِيَابِي، وَطَعَامِي، وَبَيْتِي. وَأَقُولُ: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّۭ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ [الإسراء: ١١١].

يَسْتَطِيعُ ٱلْمَالُ أَنْ يَشْتَرِيَ سَيَّارَةً جَمِيلَةً، وَمَنْزِلًۭا رَائِعًۭا، وَحُبَّ ٱمْرَأَةٍ ذَاتِ عَيْنَيْنِ سَاحِرَتَيْنِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْتَرِيَ رِضَا ٱللَّهِ.

  

14



مَا الْفَرْقُ بَيْنَ اللهِ وَالشَّيْطَانِ؟ حَسَنًا، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٨] ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يُوسُف: ٥] ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الْفُرْقَان: ٢٩] أَمَّا اللهُ، ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٣] ﴿... وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يُوسُف: ٦٤]

 

يَقُولُ الْقُرْآنُ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٢٨] وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يَقُولُ لِيَ اذْهَبْ وَأَذْنِبْ؛ بَلْ يَقُولُ إِنْ أَذْنَبْتَ فَكُنْ صَادِقًا وَقُلْ آسِفٌ. إِنْ أَطَعْتُ الشَّيْطَانَ لِلَحْظَةٍ وَارْتَكَبْتُ خَطِيئَةً، فَعَلَيَّ أَنْ أَتُوبَ، وَرُبَّمَا أُعَاقَبُ حَتَّى لَوْ تُبْتُ، لِكَيْلَا أُشَجَّعَ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ، طَرِيقِ الشَّيْطَانِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الْأَنْعَام: ١٢٠] اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُنْقِذَنِي. اللهُ يُرِيدُنِي أَنْ أَعِيشَ حَيَاةً نَظِيفَةً فِي مُجْتَمَعٍ نَظِيفٍ. إِنْ لَمْ أَكُنْ نَظِيفًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ أَتَوَقَّعَ أَنْ يَكُونَ مُجْتَمَعِي نَظِيفًا. إِذَا كَانَ الْمُجْتَمَعُ نَظِيفًا وَصِحِّيًّا، فَهَذَا لَيْسَ ضَمَانًا بِأَنِّي سَأَكُونُ نَظِيفًا أَيْضًا. عَلَيَّ أَنْ أُرَاقِبَ أَعْمَالِي أَنَا. لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُرَاقِبَ أَحَدًا. لَا أَسْتَطِيعُ دَائِمًا أَنْ أَثِقَ بِنَزَاهَةِ أَوِ اسْتِقَامَةِ شَخْصٍ مَا، لِأَنَّ أَيَّ شَخْصٍ يُمْكِنُ أَنْ يَخْدَعَنِي. التَّارِيخُ مَمْلُوءٌ بِقِصَصِ الْخِيَانَةِ. حَتَّى الْمُؤْمِنُونَ الْجَيِّدُونَ جِدًّا جِدًّا قَابِلُونَ لِلْخَطَأِ: إِنَّهُمْ عُرْضَةٌ لِارْتِكَابِ الْأَخْطَاءِ. لِذَلِكَ فَكَّرَ اللهُ فِي طَرِيقَةٍ لِتَقْلِيلِ هَذِهِ الْأَخْطَاءِ. يُسَمِّيهَا الْعُلَمَاءُ (سَدَّ الذَّرَائِعِ) أَوْ مَنْعِ مَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ. إِذَا تَرَكْتَ رَجُلًا مَعَ امْرَأَةٍ وَحْدَهُمَا فَهُمَا عُرْضَةٌ لِارْتِكَابِ خَطَأٍ، عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ لَدَيْهِمَا الرَّغْبَةُ فِي ذَلِكَ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. إِذَا تَرَكْتَ ابْنَكَ أَوْ أَخَاكَ الصَّغِيرَ يَذْهَبُ إِلَى مَكَانٍ يُقَدَّمُ فِيهِ الْخَمْرُ وَالْمُخَدِّرَاتُ بِحُرِّيَّةٍ، فَهُوَ عَلَى الْأَرْجَحِ سَيَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الْآخَرُونَ. فَمَاذَا تَفْعَلُ لِتُنْقِذَهُ؟ تَمْنَعُهُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى هُنَاكَ. إِنْ لَمْ يَسْتَمِعْ إِلَيْكَ، فَمَاذَا يَحْدُثُ؟ نَفْسُ الشَّيْءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقُرْآنِ. الْقُرْآنُ يُحَرِّمُ الزِّنَا لِأَنَّهُ، كَمَا تَعْلَمُ، قَدْ تَكُونُ لَهُ عَوَاقِبُ وَخِيمَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ. الْأَطْفَالُ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، لَهُمُ الْحَقُّ الْمَشْرُوعُ فِي مَعْرِفَةِ آبَائِهِمِ الْبِيُولُوجِيِّينَ، وَهَذَا لَيْسَ مُمْكِنًا دَائِمًا. هَلْ كُنْتَ لَتَرْضَى لَوْ عَلِمْتَ أَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي تُسَمِّيهِ ابْنَكَ، الطِّفْلَ الَّذِي أَطْعَمْتَهُ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ ابْنَ رَجُلٍ آخَرَ؟ إِنْ لَمْ يَحْدُثْ هَذَا لَكَ شَخْصِيًّا، حَسَنًا، لَقَدْ حَدَثَ لِعَدِيدٍ مِنَ الرِّجَالِ.

 

فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ يُمْكِنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ. بَعْضُ الرِّجَالِ سُعَدَاءُ بِهَذَا الْوَضْعِ لِأَنَّهُمْ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَنْ يُوصَمُوا بِالْعَارِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى إِنْجَابِ طِفْلٍ: وَلَكِنَّ هَذَا خِيَارٌ. يُمْكِنُ لِلْقَانُونِ أَنْ يَسْمَحَ بِالزَّوَاجِ لِلْجَمِيعِ، وَلَكِنْ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، كُلُّ فَرْدٍ حُرٌّ فِي اخْتِيَارِ طَرِيقِهِ؛ الْقُرْآنُ يُبَيِّنُ لَكَ طَرِيقَهُ وَالْأَمْرُ إِلَيْكَ فِي الِاخْتِيَارِ. اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُعَاشَرَةَ تَجْعَلُ الْمَرْءَ يَشْعُرُ بِشُعُورٍ رَائِعٍ، وَلَكِنْ لِكَمْ مِنَ الْوَقْتِ؟ اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْكُوكَايِينَ تَجْعَلُ الْمَرْءَ يَشْعُرُ بِشُعُورٍ رَائِعٍ، وَلَكِنْ لِكَمْ مِنَ الْوَقْتِ؟ إِذَا لَمْ أَسْتَطِعِ الزَّوَاجَ، لِأَسْبَابٍ مَادِّيَّةٍ مَثَلًا، وَارْتَكَبْتُ خَطَأً، فَعَلَى الْأَقَلِّ، يَنْبَغِي أَنْ أَقُولَ آسِفٌ. عَلَى الْأَقَلِّ يَنْبَغِي أَنْ أَعْتَبِرَ ذَلِكَ خَطِيئَةً. يَقُولُ اللهُ: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَة: ٧٤] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٣٥] إِذَنْ، يَنْبَغِي أَنْ أَطْلُبَ عَفْوَ اللهِ وَأَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ أَنْ يَرْزُقَنِي وَسَائِلَ الزَّوَاجِ. الْأَمْرُ لَيْسَ مَسْأَلَةَ إِكْرَاهٍ. لَيْسَ لِأَنَّ اللهَ يُرِيدُنِي أَنْ أُعَانِيَ مِنْ هَذا الْحِرْمَانِ. بَلْ لِأَنَّ اللهَ يُرِيدُنِي أَنْ أَرْتَقِيَ بِنَفْسِي مِنْ حَيَوَانٍ إِلَى إِنْسَانٍ كَرِيمٍ. خُلِقَ الْحُبُّ لِتَشْجِيعِ النَّاسِ عَلَى الزَّوَاجِ وَإِنْجَابِ الْأَطْفَالِ. بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالِ سَيَعْبُدُونَ اللهَ عَلَى أَمَلٍ. سَتُرِينِي التَّجْرِبَةُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحْيَانًا كَأَسَدٍ فِي قَفَصٍ، وَأَنَا الَّذِي سَأَذْهَبُ وَأُخْرِجُهُ مِنَ الْقَفَصِ. سَتُرِينِي التَّجْرِبَةُ أَنِّي لَنْ أَرْتَكِبَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَخْطَاءِ إِلَّا إِذَا كُنْتُ ضَعِيفًا. أَحْيَانًا سَأَفْعَلُهَا بُعَيْدَ أَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْ مُعَانَاةٍ طَوِيلَةٍ! يَقُولُ اللهُ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ [يُونُس: ١٢] مَاذَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُ مِنَ اللهِ أَنْ يَفْعَلَ بِي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؟ إِذَنْ، عِنْدَمَا يُعَاقِبُنِي اللهُ عَلَى أَخْطَائِي، فَلِأَنَّهُ يُرِيدُنِي أَنْ أَكُونَ شَخْصًا أَمِينًا كَرِيمًا. اللهُ لَا يُرِيدُ لِي إِلَّا الْخَيْرَ. هُوَ يُرِيدُنِي أَنْ أَكُونَ سَعِيدًا. اللهُ يُحِبُّنِي قَبْلَ أَنْ أُحِبَّهُ. يَقُولُ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [الْمَائِدَة: ٥٤] حِينَ أُذْنِبُ وَأُعَاقَبُ، يُرِيدُنِي اللهُ أَنْ أَشْعُرَ بِالْحَرَجِ، بِالْخَجَلِ مِنْ نَفْسِي، لِكَيْ أَقُولَ آسِفٌ. يَقُولُ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الِانْفِطَار: ٦-٨].

 

وَالْآنَ، لِمَاذَا أُذْنِبُ؟ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ يَكُونُ إِمَّا لِأَنِّي مُتَشَائِمٌ (وَأَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَنْ يُسَاعِدَنِي فِي الْقَرِيبِ الْعَاجِلِ) أَوْ لِأَنِّي أَشْعُرُ بِالِاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ وَأَظُنُّ أَنَّ حَتَّى عِقَابَ اللهِ لَنْ يُؤَثِّرَ فِي حَيَاتِي فِي الْقَرِيبِ الْعَاجِلِ. وَلَكِنْ لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَتَوَقَّعَ مِنَ اللهِ أَنْ يُسَاعِدَنِي؟ كَمُؤْمِنٍ، هَلْ أُرِيدُ أَنْ أَخْدُمَ اللهَ أَمْ أُرِيدُ أَنْ يَخْدُمَنِي اللهُ؟ مَاذَا لَوْ أَعْطَانِي اللهُ كُلَّ مَا أَرَدْتُ؟ هَلْ كُنْتُ سَأَهْتَمُّ أَصْلًا بِالِارْتِقَاءِ مِنْ مُسْتَوَى الْإِسْلَامِ إِلَى مُسْتَوَى الْإِيمَانِ؟ اللهُ أَوَّلًا أَعْطَانِي فُرْصَةً لِأَكُونَ مُسْلِمًا، وَالْآنَ يُعْطِينِي فُرْصَةً لِأَصِيرَ مُؤْمِنًا. هَذِهِ دَرَجَةٌ أَعْلَى، عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ بِجِدٍّ لِأَصِلَ إِلَى هُنَاكَ. عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ بِجِدٍّ نَفْسِيًّا وَفِكْرِيًّا. فَإِذَا وَضَعَنِي اللهُ فِي مَوْقِفٍ يُثِيرُ الشَّفَقَةَ، بِسَبَبِ خَطَايَايَ أَنَا، فَتِلْكَ فُرْصَتِي لِخَلْقِ انْسِجَامٍ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمَادِّيَّةِ الَّتِي أَفْعَلُهَا كَمُسْلِمٍ (الصَّلَاةِ، الصِّيَامِ...) وَالْإِطَارِ الرُّوحِيِّ الَّذِي أَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي نِطَاقِهِ. بِفِعْلِي هَذَا، أُعْطِي مَعْنًى لِصَلَاتِي، لِصِيَامِي... لَسْتُ فَقَطْ أُقَلِّدُ النَّاسَ الْآخَرِينَ؛ أَنَا أُتَرْجِمُ لُغَةَ قَلْبِي وَعَقْلِي إِلَى أَفْعَالٍ جَسَدِيَّةٍ. هَذَا لَنْ يَحْدُثَ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا: إِنَّهُ يَأْتِي شَيْئًا فَشَيْئًا. اللهُ يَعْلَمُ مَا أُرِيدُ. اللهُ يَعْلَمُ مَا أَحْتَاجُ. اللهُ يَعْلَمُ حُدُودَ صَبْرِي أَكْثَرَ مِمَّا أَعْلَمُ أَنَا. اللهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ عَنِّي، حَتَّى قَبْلَ أَنْ أُولَدَ. مَا يَهُمُّ الْآنَ هُوَ نِيَّتِي، هُوَ مَا فِي قَلْبِي. هَلْ أُرِيدُ أَنْ أَخْدُمَ اللهَ أَمْ أُرِيدُ أَنْ يَخْدُمَنِي اللهُ؟ إِذَا أَرَدْتُ فَقَطْ أَنْ يَخْدُمَنِي اللهُ، سَأَبْقَى لَا أَكْثَرَ مِنْ مُسْلِمٍ، وَهَذَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ شَيْءٌ عَظِيمٌ.

 

الِابْتِلَاءُ بِالْمِحْنَةِ مُؤْلِمٌ. وَلَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا يَمُرُّونَ بِتَجَارِبَ مُؤْلِمَةٍ. إِنَّهَا نِيَّتِي، إِنَّهُ قَلْبِي، الَّذِي يُحَوِّلُ تَجْرِبَتِي الْمُؤْلِمَةَ إِلَى دَرَجَاتٍ فِي سُلَّمِ الْإِيمَانِ، إِذَا كُنْتُ أَهْتَمُّ بِذَلِكَ أَصْلًا. إِنَّهَا صَعِيدٌ وَهَبُوطٌ.

 

وَالْآنَ، مَاذَا لَوْ فَشِلْتُ فِي اخْتِبَارٍ/مِحْنَةٍ؟ بِبَسَاطَةٍ شَدِيدَةٍ، سَأُعَاقَبُ. حِينَ أَشْعُرُ بِالاِرْتِيَاحِ، حَتَّى لَوْ كُنْتُ مُؤْمِنًا، قَدْ أَسْقُطُ فِي الْإِغْرَاءَاتِ، قَدْ أَنْسَى كُلَّ الْمُعَانَاةِ الَّتِي عَانَيْتُهَا خِلَالَ مِحْنَتِي الْأَخِيرَةِ. لِذَلِكَ يُذَكِّرُنِي اللهُ بِمِحْنَةٍ جَدِيدَةٍ. تِلْكَ الْوَظِيفَةُ الْجَيِّدَةُ الَّتِي مَنَحَتْنِي ذَلِكَ الشُّعُورَ الْقَوِيَّ بِالْأَمَانِ وَالِاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ، حَسَنًا، أَنَا أَخْسَرُهَا الْآنَ. شُعُورِي بِالْأَمَانِ يَتَحَوَّلُ إِلَى تَشَاؤُمٍ. مَاذَا أَفْعَلُ؟ حَسَنًا، إِمَّا أَنْ أُطْلِقَ الْعِنَانَ لِغَرَائِزِي الْحَيَوَانِيَّةِ، مَدْفُوعًا بِتَشَاؤُمِي السَّاحِقِ، أَوْ أَذْكُرَ رَبِّي وَأَهْرُبَ إِلَيْهِ طَلَبًا لِلْأَمَانِ. لِسُوءِ حَظِّي، قَدْ لَا يُزِيلُ اللهُ مِحْنَتِي عَنِّي فِي الْقَرِيبِ الْعَاجِلِ حَقًّا. قَدْ يَنْتَظِرُنِي لِأَتَعَلَّمَ دَرْسًا. قَدْ يَنْتَظِرُنِي لِأَطْرَحَ عَلَى نَفْسِي الْمَزِيدَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ، لِأَخْضَعَ لِلتَّحْلِيلِ الذَّاتِيِّ، لِأُفَكِّرَ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ مَوْضُوعِيَّةٍ فِي الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِي، فِي الْحَيَاةِ، فِي دَوْرِي فِي هَذَا الْعَالَمِ، فِي هَدَفِي فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ. اللهُ يَنْتَظِرُنِي لِأَكُونَ صَادِقًا مَعَ نَفْسِي. إِنْ فَعَلْتُ هَذَا سَأَزْدَادُ إِيمَانًا أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ.

 

يُمْكِنُنِي أَنَا أَيْضًا أَنْ أَقُولَ لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أُعَاقَبَ مِنَ الْأَصْلِ مَادَامَ اللهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الشَّيْطَانَ وَأَعْطَاهُ الْقُوَّةَ لِيُضِلَّنِي؟ اِفْتَرِضْ أَنَّ ابْنَكَ الْوَحِيدَ سَرَقَ سَيَّارَةً وَذَهَبَ إِلَى السِّجْنِ، هَلْ سَتَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ عَنْ ذَلِكَ؟ هَلْ سَتَقْبَلُ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى السِّجْنِ بَدَلًا مِنْهُ، لِأَنَّكَ أَنْتَ لَمْ تُرَبِّهِ التَّرْبِيَةَ الصَّحِيحَةَ؟ رُبَّمَا ابْنُكَ جَيِّدٌ وَلَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَبَدًا، وَلَكِنِ افْتَرِضْ أَنَّ سَيَّارَةَ زَوْجَتِكَ سُرِقَتْ مِنْ قِبَلِ ابْنِ أُمٍّ عَازِبَةٍ عَاشَرَتْ حَبِيبَهَا خِلَالَ رِحْلَةٍ مَدْرَسِيَّةٍ. هَلْ كَانَتْ زَوْجَتُكَ سَتَلْعَنُ الْفَتَاةَ الَّتِي سَرَقَتِ السَّيَّارَةَ أَمْ طَالِبَةَ الثَّانَوِيَّةِ السَّابِقَةَ الَّتِي وَلَدَتْهُ؟ إِذَا عَاشَرْتَ أَنْتَ (الرَّجُلُ) فَتَاةً صَادَفْتَهَا فِي الشَّارِعِ وَأَصَبْتَ بِالْإِيدْزِ، مَنْ سَتَلُومُ عَلَى ذَلِكَ؟ الْفَتَاةَ، وَالِدَيْهَا، نَفْسَكَ، الْمُجْتَمَعَ؟ إِذَا أُصِبْتَ بِمَرَضٍ خَبِيثٍ بِسَبَبِ الْوَجَبَاتِ السَّرِيعَةِ الَّتِي تَأْكُلُهَا كُلَّ يَوْمٍ، هَلْ سَتُعَاقِبُ شَرِكَاتِ الْأَغْذِيَةِ الْكُبْرَى أَمْ أَسَالِيبَ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ أَمِ الْمُجْتَمَعَ، أَمْ مَنْ؟ هَلْ سَتَلُومُ سِلْسِلَةَ الْأَغْذِيَةِ بِأَكْمَلِهَا؟ إِذَنْ، الْقُرْآنُ يُحَسِّسُ الْمُؤْمِنَ وَيُمَكِّنُهُ. الْقُرْآنُ يَتَحَدَّثُ عَنِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ وَالنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ. الْأَمْرُ إِلَيَّ، كَمُؤْمِنٍ، فِي إِدَارَةِ نَفْسِي، بِمَعُونَةِ اللهِ، الَّذِي يَقُولُ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْس: ٧-١٠] ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الْفَجْر: ٢٧-٣٠]

 

يَسْتَطِيعُ أَيُّ شَخْصٍ أَنْ يَعْرِفَ مُبَاشَرَةً مِنَ الْقُرْآنِ كَيْفِيَّةَ شُكْرِ اللهِ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [لُقْمَان: ٢٠] وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِمُعَالَجَةِ عَلَاقَاتِنَا الْمُعَقَّدَةِ دَاخِلَ الْمُجْتَمَعِ نَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةٍ جَادَّةٍ مُسْتَلْهَمَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ. عُلَمَاؤُنَا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ الْمَعْرِفَةَ، هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُونَنَا كَيْفَ يُمْكِنُنَا إِنْجَازُ مَهَمَّتِنَا كَخُلَفَاءِ اللهِ فِي الْأَرْضِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْل: ٤٣] ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٩] ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هُود: ١١٦] الْحَيَاةُ فِي الْمُجْتَمَعِ تَحْتَاجُ إِلَى تَنْظِيمٍ. النَّاسُ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ حُقُوقِهِمْ وَوَاجِبَاتِهِمْ؛ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، حَدِّ الْحُرِّيَّةِ الْمَسْمُوحِ بِهَا لَهُمْ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَلَكِنَّ النَّاسَ أَيْضًا يَحْتَاجُونَ إِلَى فَهْمِ لِمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الِامْتِنَاعُ عَنْ فِعْلِ أَشْيَاءَ يَفْعَلُهَا آخَرُونَ، فِي نَفْسِ الْمُجْتَمَعِ، دُونَ حَرَجٍ. حَتَّى الشَّخْصُ الْمُفَكِّرُ حَقًّا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ الْأَمْرُ إِلَى طَاعَةِ أَوَامِرِ اللهِ وَنَوَاهِيهِ دُونَ احْتِجَاجٍ. تِلْكَ عِبَادَةٌ. وَلَكِنَّ هُنَاكَ عِبَادَةً وَمَعْرِفَةً. أَنَا أَجْتَهِدُ، فِي نِطَاقِ الْإِيمَانِ، لِأَفْهَمَ، لِأَعْرِفَ الْغَايَةَ الَّتِي كَانَ اللهُ "يَقْصِدُهَا" حِينَ أَمَرَ بِهَذَا أَوْ نَهَى عَنْ ذَاكَ. يَقُولُ اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [الْبَقَرَة: ٢١٩]. كَمُؤْمِنٍ، أَفْهَمُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ بِلَا سَبَبٍ: "وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا". أَيْ لِأَسْبَابٍ عَمَلِيَّةٍ. خُذْ عَلَاقَاتِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ. مِنْ نَظْرَةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ، قَدْ لَا يَكُونُ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ فِي أَنْ تَسْتَقْبِلَ امْرَأَةٌ عَاقِلَةٌ أَمِينَةٌ مُؤْمِنَةٌ صَدِيقَهَا الذَّكَرَ فِي مَكْتَبِهَا أَوْ حَتَّى فِي خَيْمَتِهَا أَوْ غُرْفَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ. وَلَكِنْ لِأَنَّ التَّجْرِبَةَ الْبَشَرِيَّةَ أَظْهَرَتْ دَائِمًا أَنَّ النَّاسَ لَا يَتَصَرَّفُونَ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ وَأَنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا، أَرَادَ الدِّينُ أَنْ يَضَعَ قَوَاعِدَ وَأَنْظِمَةً. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَقُل ... لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النُّور: ٣١]. يَتَحَدَّثُ اللهُ هُنَا بِالتَّفْصِيلِ لِأَنَّهُ، كَمَا تَعْلَمُ، حَتَّى فِي الْقَانُونِ الْوَضْعِيِّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَمِيلُونَ إِلَى الْبَحْثِ عَنِ الثُّغَرَاتِ وَالِاسْتِثْنَاءَاتِ لِكَيْ يَحْصُلُوا عَلَى مَا لَيْسَ لَهُمْ، لِكَيْ يَلْتَفُّوا حَوْلَ الْقَانُونِ.

 

الْحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ مَسْؤُولِيَّةً فَرْدِيَّةً فَقَطْ. بَلْ هِيَ أَيْضًا مَسْؤُولِيَّةٌ جَمَاعِيَّةٌ. إِذَا حَظَرَتِ الْمَدِينَةُ (الدَّوْلَةُ، السُّلْطَةُ) اسْتِخْدَامَ الْمُخَدِّرَاتِ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، فَالْهَدَفُ نَبِيلٌ؛ الْهَدَفُ هُوَ إِنْقَاذُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْإِدْمَانِ، مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْجَنَاحِ. إِنَّهَا أَمَانَةٌ؛ إِنَّهَا مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ. إِذَا كُنْتُ مُؤْمِنًا، فَالْقُرْآنُ يُرِينِي كَيْفَ أَتَصَرَّفُ فِي الْمُجْتَمَعِ كَكُلٍّ. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْقَصَص: ٧٧] الْقُرْآنُ يُرِيدُكَ أَنْتَ وَإِيَّايَ أَنْ نَكُونَ أَشْخَاصًا مَسْؤُولِينَ. حَتَّى عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالِانْتِخَابَاتِ، عَلَيَّ أَنْ أُصَوِّتَ -إِذَا كُنْتُ أُصَوِّتُ أَصْلًا- لِلشَّخْصِ الَّذِي أَظُنُّهُ الْأَفْضَلَ -حَتَّى لَوْ لَمْ أَكُنْ فِي حَاجَةٍ حَقًّا إِلَى أَيِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ أَوْ حِزْبِهِ/حِزْبِهَا. سَوَاءٌ ذَهَبْتُ وَصَوَّتُّ أَوْ بَقِيتُ فِي الْبَيْتِ يَوْمَ الِانْتِخَابِ، فَمَسْؤُولِيَّتِي لَنْ تَنْتَهِيَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَدِّ. أَنَا مَسْؤُولٌ كُلَّ يَوْمٍ: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الْقَصَص: ٧٧] هَذَا كُلَّ يَوْمٍ! عَلَى الْأَقَلِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا أُسَاهِمَ فِي الْفَسَادِ. لِأَنَّ الْفَسَادَ إِذَا اسْتَشْرَى، انْتَشَرَ، سَيُعَانِي الْجَمِيعُ، حَتَّى الْمُؤْمِنُونَ الصَّالِحُونَ. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الْأَنْفَال: ٢٥] إِذَا جَاءَ وَبَاءٌ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، سَيُؤَثِّرُ فِي الْجَمِيعِ.

 

لِذَلِكَ أَرَادَ الْقُرْآنُ أَنْ يُنَظِّمَ حَيَاتَنَا، فَرْدِيَّةً وَجَمَاعِيَّةً، بِحَيْثُ يَسْتَمْتِعُ الْجَمِيعُ بِجَمَالِ الْعَالَمِ بِطَرِيقَةٍ لَائِقَةٍ مَشْرُوعَةٍ لَا تَضُرُّ أَحَدًا: الْحَيَاةُ هِبَةٌ ثَمِينَةٌ. اللهُ يُرِيدُ الْحَيَاةَ لَنَا، لَا الْمَوْتَ. يَقُولُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٩]

 

يُذْكَرُ سُلَيْمَانُ فِي الْقُرْآنِ قَائِلًا: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٥-٣٩] لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانَ، بِالطَّبْعِ. لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا -حَتَّى فِي أَمْرِيكَا وَالصِّينِ. مُنْذُ الْبِدَايَةِ قَامَتِ الْحَيَاةُ عَلَى الثُّنَائِيَّاتِ، مِثْلَ الْعَالَمِ كُلِّهِ. ذَكَرٌ وَأُنْثَىٰ، لَيْلٌ وَنَهَارٌ، خَيْرٌ وَشَرٌّ، غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ، إِيمَانٌ وَكُفْرٌ. كُلٌّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتَعَامَلُونَ مَعَ الْحَيَاةِ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ. حَتَّى الْمُؤْمِنُونَ لَا يَتَعَامَلُونَ مَعَ الْحَيَاةِ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ كُلَّ الْوَقْتِ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الْهِدَايَةِ. اللهُ يُرِينِي الطَّرِيقَ، وَلَكِنَّهُ لَنْ يَدْفَعَنِي دَائِمًا لِفِعْلِ شَيْءٍ أَوْ يَمْنَعَنِي مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ. يَقُولُ اللهُ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الْحَدِيد: ٢٥] يُمْكِنُكَ أَنْ تَفْعَلَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً بِسِكِّينٍ، بِمَالِكَ أَوْ بِجَسَدِكَ. كَمَا أَنَّ لِي بَصْمَةَ إِصْبَعٍ أَوْ عَيْنٍ فَرِيدَةً، يُمْكِنُنِي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لِي نَفْسِيَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ، مَصِيرٌ مُخْتَلِفٌ عَنْ غَيْرِي. وَلَكِنِّي لَسْتُ سَيِّدَ مَصِيرِي تَمَامًا. حَتَّى عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِذِكْرِ اللهِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ ۚ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الْإِنْسَان: ٢٩-٣٠] ﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ [الْمُدَّثِّر: ٥٥-٥٦] ﴿... وَلَٰكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الْحُجُرَات: ٧] اللهُ حَتَّى ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الْأَنْفَال: ٢٤] وَلَكِنَّ تَدَخُّلَ اللهِ فِي حَيَاتِي سَيَخْتَلِفُ عَادَةً بِحَسَبِ أَمْرَيْنِ: ١) إِيمَانِي (دَرَجَةُ إِيمَانِي بِاللهِ)؛ ٢) نَوْعُ الْخَيْرِ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ أَنْ يَمْنَحَنِي إِيَّاهُ عَاجِلًا أَمْ آجِلًا. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هُود: ٩٠] وَلَكِنْ حِينَ أُغَادِرُ مَكَانَ عَمَلِي لِآخِرِ مَرَّةٍ، دُونَ أَنْ يَكُونَ لِي بَدِيلٌ فِي الْأُفُقِ، رُبَّمَا لَا أَهْتَمُّ حَتَّى بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْجَيِّدِ الَّذِي قَدْ يَحْفَظُهُ اللهُ لِي. لَا أُرِيدُ أَنْ أُعَانِيَ. لَا أُرِيدُ لَيَالِيَ سَاهِرَةً. لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ تَعْلِيقَاتٍ أَوْ أَرَى نَظَرَاتٍ تَجْعَلُنِي أَشْعُرُ بِالصِّغَرِ. أُرِيدُ السَّعَادَةَ الْآنَ، وَإِلَى الْأَبَدِ. لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَرَّحَنِي بَشَرٌ مِثْلِي؟ لِمَاذَا يَنْبَغِي لِآخَرِينَ أَنْ يَسْتَمِرُّوا فِي الذَّهَابِ إِلَى الْعَمَلِ؟ لِمَاذَا يَنْبَغِي لِآخَرِينَ أَنْ يَعِيشُوا حَيَاةً طَبِيعِيَّةً؟ نَفْسُ الْأَسْئِلَةِ، لَطَالَمَا طَرَحَهَا الْمُؤْمِنُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. الْعَقْلُ وَحْدَهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِجَابَةَ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ. نَحْنُ فَقَطْ نُحَاوِلُ أَنْ نَتَنَظَّرَ الْأُمُورَ، كَمَا أَفْعَلُ فِي كِتَابِي. لِأَنَّنَا نَعْرِفُ مَا فِي الْقُرْآنِ، نَعْرِفُ مَا يَحْدُثُ فِي الْحَيَاةِ مِنْ حَوْلِنَا، وَلَكِنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءَ لَا نَعْرِفُهَا. وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا نَعْرِفُهَا هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْكَ وَعَلَيَّ فَهْمُ أَيِّ شَيْءٍ أَحْيَانًا.

 

إِذَا كُنْتُ مُؤْمِنًا، يُعْطِينِي اللهُ فِي الْقُرْآنِ مِثَالًا مُشَوِّقًا عَنْ كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أُسِيءَ فَهْمَ أَفْعَالِ اللهِ. قِصَّةُ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ (فِي سُورَةِ الْكَهْفِ) تُرِينِي أَنَّ حَتَّى النَّبِيَّ لَا يَسْتَطِيعُ دَائِمًا أَنْ يَفْهَمَ "سُلُوكَ" اللهِ. تُظْهِرُ هَذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّهُ مِنَ الطَّبِيعِيِّ جِدًّا (إِنَّهَا الطَّبِيعَةُ الْبَشَرِيَّةُ) إِذَا لَمْ أَسْتَطِعْ فَهْمَ مَا يَحْدُثُ لِي، لِأَنِّي أَسْتَخْدِمُ الْمَنْطِقَ الْبَشَرِيَّ/الْعَقْلَ لِلتَّفْكِيرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ. الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الْعَقْلِ مَعَ ذَلِكَ. الْمُشْكِلَةُ أَنَّنَا نَحْنُ الْبَشَرَ نَبْنِي اسْتِدْلَالاَتِنَا عَلَى بَيَانَاتٍ قَدْ لَا تَكُونُ كَامِلَةً. اللهُ لَدَيْهِ جَمِيعُ الْبَيَانَاتِ، هَذَا هُوَ الْفَرْقُ. الْأَمْرُ كَأَنَّ اللهَ يُدِيرُ مِيرَاثَكَ دُونَ عِلْمِكَ وَلَكِنْ بِحِكْمَةٍ، لِمَصْلَحَتِكَ الْأَفْضَلِ. مَا يَأْخُذُهُ اللهُ بِيَدٍ يُعَوِّضُهُ بِالْأُخْرَىٰ. فِي الْقُرْآنِ يَقُولُ: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢١٦] عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، يَتَحَدَّثُ اللهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي تَرَكَ يَتِيمَيْنِ. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الْكَهْف: ٨٢] لَا نَعْلَمُ عُمْرَ هَذَا الرَّجُلِ عِنْدَ مَوْتِهِ. وَلَكِنْ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ عُمْرِهِ، هَكَذَا، هَذَا الرَّجُلُ أَنْجَزَ مَهَمَّتَهُ، يُمْكِنُهُ أَنْ يَذْهَبَ لِلرَّاحَةِ. اللهُ سَيَعْتَنِي بِأَوْلَادِهِ وَأَرْمَلَتِهِ. يَنْبَغِي أَنْ يُنِيرَنِي هَذَا شَخْصِيًّا بِأَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَكْسِرَ هَذَا الْحَاجِزَ النَّفْسِيَّ الَّذِي يَقُولُ لِي إِنَّهُ عِنْدَ عُمْرٍ مُعَيَّنٍ لَا بُدَّ وَأَنْ أَكُونَ قَدْ حَقَّقْتُ كَذَا أَوْ كَذَا، وَإِلَّا فَأَنَا فِي حَالَةِ فَشَلٍ شَخْصِيٍّ أَوْ أُعْتَبَرُ كَذَلِكَ. إِنَّهُ هَذَا الْحَاجِزُ النَّفْسِيُّ الَّذِي يُعَذِّبُنَا، يُصِيبُنَا بِالصَّدْمَةِ، يُجْنِنُنَا، يُعْمِينَا. وَنَظَلُّ نَتَسَاءَلُ لِمَاذَا هَذَا أَوْ لِمَاذَا ذَاكَ. لِأَنَّنَا لَا نَمْلِكُ جَمِيعَ الْبَيَانَاتِ، لَا نَهْتَمُّ حَقًّا بِمَا قَدْ يَحْدُثُ بَعْدُ.

 

وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ (وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ. اللهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ».

 

كُنْتُ أَمُرُّ بِجَانِبِ مَقْبَرَةٍ كَبِيرَةٍ، فِيهَا قُبُورٌ كَثِيرَةٌ، حِينَ جَلَبَ الْجَمَالُ الرِّيفِيُّ لِلْوَادِي ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً عَلَى وَجْهِي. سَرِيعًا نَسِيتُ كُلَّ شَيْءٍ عَنِ الْمَقْبَرَةِ وَاسْتَمْتَعْتُ بِالْمَشْيِ بِجَانِبِ الشَّلَّالَاتِ. تِلْكَ هِيَ قُوَّةُ الْإِغْرَاءِ! وَلَكِنْ هَلَ مِنَ الْمُخَالِفِ لِلْإِسْلَامِ أَنْ أَشْعُرَ وَأَسْتَمْتِعَ بِجَمَالِ الْعَالَمِ؟ هَلَ مِنَ الْمُخَالِفِ لِلْإِسْلَامِ أَنْ أَعِيشَ فِي قَصْرٍ جَمِيلٍ فِي وَسَطِ الْخُضْرَةِ؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الْأَعْرَاف: ٣٠] هَذَا الْجَمَالُ خُلِقَ لَنَا، وَلَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَنْقَلِبَ عَلَيْنَا. إِنَّهُ مِثْلُ السِّكِّينِ، تَعْلَمُ. يَقُولُ اللهُ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٤] إِذَنْ، لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَلَذَّاتِ فِي الْأَصْلِ؟ لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِثْلُ هَذَا الْجَمَالِ؟ حَسَنًا، إِنَّهُ نَفْسُ الْمَكَانِ الْجَمِيلِ لِلنَّاسِ الَّذِينَ عَاشُوا هُنَاكَ قَبْلًا وَلِلَّذِينَ يَعِيشُونَ هُنَاكَ الْآنَ. نَفْسُ الْجَمَالِ، نَفْسُ الْإِغْرَاءَاتِ، نَفْسُ الْمَقْبَرَةِ. وَلَكِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقِ الْجَمَالَ فَقَطْ. بَلْ سَمَحَ أَيْضًا بِأَنْ تَكُونَ هُنَاكَ أَشْيَاءُ بَشِعَةٌ -لِنَتَفَكَّرَ.

 

حَتَّى الْجُنُودُ الَّذِينَ خَدَمُوا السُّلُطَاتِ الِاسْتِعْمَارِيَّةَ الْفِرَنْسِيَّةَ لَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ فِرَنْسِيِّينَ. كَثِيرُونَ جَاءُوا مِنْ مُسْتَعْمَرَاتٍ فِرَنْسِيَّةٍ أُخْرَىٰ. وَالْأَجَانِبُ الَّذِينَ كَانُوا حِينَئِذٍ فِي مُدُنِنَا وَقُرَانَا لَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ فِرَنْسِيِّينَ. أَيْضًا كَانَ هُنَاكَ مُتَعَاوِنُونَ مَحَلِّيُّونَ. تَعَلَّمْنَا كُلَّ هَذَا فِي الْمَدْرَسَةِ. السُّؤَالُ هُوَ، هَلْ يَخْتَارُ الْمَرْءُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْطِنًا فِي بَلَدٍ مُسْتَعْمَرٍ أَوْ مُتَعَاوِنًا؟ الْمُسْتَوْطِنُ أَوِ الْمُتَعَاوِنُ الْمَحَلِّيُّ قَدْ يَكُونُ لَهُ عَائِلَةٌ وَأَطْفَالٌ لِيُطْعِمَهُمْ. هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالُ قَدْ لَا يَعْرِفُونَ بِالضَّرُورَةِ كَيْفَ حَصَلَ أَبُوهُمْ عَلَى الْمَالِ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ طَعَامًا جَيِّدًا أَوْ مَلَابِسَ جَيِّدَةً أَوْ لِيَبْنِيَ لَهُمْ بَيْتًا جَيِّدًا. سُؤَالٌ آخَرُ هُوَ، مَا الْفَرْقُ بَيْنَ بَيْتٍ بُنِيَ بِمَالٍ جُنِيَ مِنَ الْمُتَعَاوَنَةِ (أَوْ الْفَسَادِ، لِذَلِكَ) وَبَيْتٍ بُنِيَ بِمَالٍ جُنِيَ مِنْ تِجَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ؟ لِلْغَرِيبِ، مَا يَهُمُّ هُوَ نَظْرَةُ الْبَيْتِ: هَلْ هُوَ جَمِيلٌ أَمْ لَا؟ سَوْفَ يُبْهَرُ بِجَمَالِ الْبَيْتِ، السَّيَّارَةِ، الْمَصْنَعِ، الْأَطْفَالِ... حَتَّى لَوْ عَرَفَ أَصْلَ الْمَالِ. ذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْمَنْظَرِ، لَا إِلَى الْأَصْلِ. إِذَا كَانَ هَذَا الْغَرِيبُ فَقِيرًا أَوْ عَازِبًا أَوْ بِلَا مَأْوَىٰ، مَنْ كَانَ لِيَهْتَمَّ بِهِ؟

 

اللهُ يَعْلَمُ كُلَّ ذَلِكَ! إِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ قَلِيلِينَ فَقَطْ سَيَهْتَمُّونَ أَبَدًا. إِنَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النَّحْل: ١٣] إِنَّهُ لِأُولَئِكَ النَّاسِ الَّذِينَ "يَذَّكَّرُونَ" الَّذِينَ خُلِقَ لَهُمْ ذَلِكَ الْجَمَالُ. إِذَا قَالَ اللهُ لِأُولَئِكَ النَّاسِ: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ [النَّحْل: ١٧]، فَسَيَقُولُونَ بِلَا شَكٍّ: لَا! يَقُولُ اللهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (...) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [سَبَأ: ٩] ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: ٨] هَذَا الْعَبْدُ الْمُنِيبُ سَيَكُونُ حَسَّاسًا لِكُلِّ جَمَالٍ: سَوَاءٌ كَانَ جَمَالًا بَرِّيًّا فِي الْغَابَاتِ أَوْ جَمَالًا مَنْ صُنْعِ الْبَشَرِ مِثْلَ تِلْكَ السَّيَّارَةِ الرَّائِعَةِ الْمَرْكُونَةِ أَمَامَ الْمَدْرَسَةِ. وَلَكِنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْمُنِيبَ لَنْ يَنْبَهِرَ كَثِيرًا بِالْجَمَالِ الْمَنْ صُنْعِ الْبَشَرِ حِينَ يَعْرِفُ الْأَصْلَ. سَيَهْتَمُّ بِالْمَنْظَرِ بِقَدْرِ مَا يَهْتَمُّ بِالْأَصْلِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [الْمَائِدَة: ١٠٠] هَذَا الْعَبْدُ الْمُنِيبُ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ ابْتِلَاءٌ. يَقُولُ اللهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٣٥] وَلَكِنْ هَا هُوَ الْمُشْكِلُ! إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ مَا أُؤْمِنُ بِهِ حَقًّا، حَسَنًا، سَأُخْتَبَرُ. لَا يُمْكِنُنِي التَّظَاهُرُ. يَقُولُ اللهُ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوت: ٢-٣] إِذَا اجْتَزْتُ الِاخْتِبَارَ الْأَوَّلَ، فَعَلَيَّ أَنْ أَسْتَعِدَّ لِلتَّالِي. الْقَاعِدَةُ هِيَ: كُلَّمَا ارْتَقَيْتُ فِي إِيمَانِي، كُلَّمَا اشْتَدَّ ابْتِلَائِي. وَسَأُبْتَلَى بِالنَّاسِ مِنْ حَوْلِي، بِأُنَاسٍ لَدَيْهِمْ سَيَّارَاتٌ رَائِعَةٌ، بُيُوتٌ جَمِيلَةٌ، وَظَائِفُ جَيِّدَةٌ، أَطْفَالٌ مَحْبُوبُونَ... حَتَّى بِأُنَاسٍ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا عَلَى الْإِطْلَاقِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۚ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الْفُرْقَان: ٢٠] سَأَكُونُ كَبَحَّارٍ وَحِيدٍ فِي بَحْرٍ لَا يَرْحَمُ، وَحِيدًا إِلَّا مِنَ اللهِ. كُلَّمَا تَجَاوَزْتُ مَوْجَةً فِي هَذَا الْبَحْرِ الْهَائِلِ مِنَ الْإِغْرَاءَاتِ قُلْتُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْح: ٥-٦] حَتَّى أَصِلَ إِلَى الشَّاطِئِ بِأَقَلِّ الْأَضْرَارِ. إِنَّهَا تَجْرِبَةٌ رَائِعَةٌ.

 

لَكِنْ، سَيَقُولُ أَحَدُهُمْ، أَنَا لَسْتُ مُسْلِمًا وَخَدَمْتُ دَوْلَتَكُمُ الْمُسْلِمَةَ. هَلَ مِنَ الْخَطَأِ أَنْ أُدْفَعَ ثَمَنَ ذَلِكَ؟ هَلَ مِنَ الْخَطَأِ أَنْ تَتَعَاوَنَ مَعَ دَوْلَتِي غَيْرِ الْمُسْلِمَةِ وَالصَّوَابُ أَنْ أَتَعَاوَنَ مَعَ دَوْلَتِكُمُ الْمُسْلِمَةِ؟ مِيزَانَانِ وَمِقْيَاسَانِ؟ هَذَا سُؤَالٌ صَعْبٌ. وَلَكِنَّنَا نَقْرَأُ فِي الْحَدِيثِ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يَعْنِي فِي سَرِيَّةٍ- وَعَلَيْنَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَشُدَّ عَلَى كُرَاعِ الْغَنَمِ، فَخَرَجْنَا فِي تِلْكَ السَّرِيَّةِ، فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَأَمَّرَ عَلَيْنَا الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَكُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا صَلَاةَ الْعَصْرِ قُلْنَا: لَعَلَّنَا نُصِيبُ غَنِيمَةً. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ رَفَعَ لَنَا شَخْصٌ عَلَى بَعِيرٍ، فَإِذَا هُوَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ كِتَابًا، وَأَنَّهُ يَسِيرُ إِلَيْهِمْ، فَأَقْبَلْنَا سِرَاعًا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ» هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ لَهُ صِلَةٌ. وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ قِصَّةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» فَأَنْزَلَ اللهُ سُورَةَ الْمُمْتَحَنَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ...﴾ [الْمُمْتَحَنَة: ١] أَيْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَسْأَلَةُ مُبَادِئَ وَقَنَاعَاتٍ.

 

بَعْضُ النَّاسِ يَتَفَوَّقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمُمَارَسَةِ بَعْضِ الرِّيَاضَاتِ أَوْ بِخَوْضِ بَعْضِ الْمُغَامَرَاتِ. الْعَبْدُ الْمُنِيبُ يَتَفَوَّقُ عَلَى نَفْسِهِ بِمُمَارَسَةِ إِيمَانِهِ، عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ. فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ، إِذَا كُنْتُ مُؤْمِنًا، فَإِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ لِخَيْرِ نَفْسِي. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوت: ٦] الْعَالَمُ مَمْلُوءٌ بِالنَّاسِ، وَلَكِنَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَقَطْ يَعْنُونَ لَكَ. عَائِلَتُكَ وَأَصْدِقَاؤُكَ يَعْنُونَ لَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ. نَفْسُ الشَّيْءِ بِالنِّسْبَةِ لِلَّهِ. فِي الْقُرْآنِ نَقْرَأُ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [الْمُدَّثِّر: ١١-١٥] كَيْفَ يُمْكِنُ لِشَخْصٍ مِثْلِ هَذَا أَنْ يَعْنِيَ شَيْئًا لِلَّهِ؟ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَعْنِيَ شَيْئًا لِشَخْصٍ مَا، أَفْعَلُ شَيْئًا لِإِرْضَائِهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَعْنِيَ شَيْئًا لِلَّهِ، أَفْعَلُ شَيْئًا لِإِرْضَائِهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلَكِنْ إِذَا كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى النَّاسِ، إِذَا كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَظَاهَرَ أَمَامَ النَّاسِ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوت: ٣]

 

كُلُّ الْإِغْرَاءَاتِ، كُلُّ الْبَرِيقِ، كُلُّ الْجَمَالِ فِي الْعَالَمِ خُلِقَتْ لِهَذَا الْغَرَضِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٥٤] وَكَمَا نُظْهِرُ لِلَّهِ أَنَّنَا صَادِقُونَ حَقًّا، فَإِنَّهُ يُظْهِرُ لَنَا، مِنْ خِلَالِ اخْتِبَارَاتِنَا، أَنَّهُ حِينَ يَخْذُلُنَا الْجَمِيعُ، يَبْقَى هُوَ وَحْدَهُ بِجَانِبِنَا لِيَدْعَمَنَا وَيُنْقِذَنَا. كَمَا نَعْرِفُ اللهَ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ نَنْتَهِي إِلَى حُبِّهِ.

 

بِخَلْقِهِ لَنَا، أَرَادَ اللهُ أَنْ يُرِيَنَا جَمَالَهُ وَفَضْلَهُ. لَمْ يَكُنِ اللهُ مُحْتَاجًا إِلَيْنَا. أَرَادَ فَقَطْ أَنْ يَمْنَحَنَا فُرْصَةً لِخَوْضِ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ الْأَرْضِيَّةِ. عَلِمَ اللهُ أَنَّ الْأَرْضَ لَنْ تَكُونَ جَنَّةً لَنَا. وَعَدَنَا بِجَنَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ دُونَ أَنْ نَسْتَحِقَّهَا، زِيَادَةً عَلَى الْخُلُودِ. وَلَكِنَّنَا، نَحْنُ، وَأَنَا أَوَّلُهُمْ، نُرِيدُ الْجَنَّةَ هُنَا وَالْآنَ. لِذَلِكَ يَمْنَحُنَا اللهُ الْوَقْتَ: لِنُفَكِّرَ، لِنُقَارِنَ، لِنَتَذَكَّرَ. لِلَّهِ الْحَمْدُ، إِنَّ اللهَ لَا يُعَاقِبُنَا عَلَى الْفَوْرِ. وَلَا يُعَاقِبُنَا عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِنَا. حَتَّى فِرْعَوْنَ، لَمْ يُعَاقِبْهُ عَلَى الْفَوْرِ. لِأَنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّنَا حِينَ نَمْنَحُ أَنْفُسَنَا الْوَقْتَ لِنُفَكِّرَ (بِإِخْلَاصٍ وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ) فَسَتَنْتَجُ لَنَا طَبِيعِيًّا فُرْصَةُ رُؤْيَةِ حِكْمتِه وَعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ. 

 15

 

هَلْ كَانَتْ أَمِيرَةٌ أَوِ ابْنَةُ مِلْيَارْدِيرٍ لَتُقَدِّرُ الْحَيَاةَ فِي قَصْرٍ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تُقَدِّرُهَا بِهَا فَتَاةٌ نَشَأَتْ فِي الْأَحْيَاءِ الْفَقِيرَةِ ثُمَّ أَصْبَحَتْ زَوْجَةَ رَئِيسٍ أَوْ مِلْيَارْدِيرٍ؟ إِحْدَاهُمَا أَوِ الْأُخْرَى قَدْ تَعْتَبِرُ مِثْلَ هَذِهِ الْحَيَاةَ أَمْرًا مُسَلَّمًا بِهِ. نَفْسُ الشَّيْءِ بِالنِّسْبَةِ لَنَا جَمِيعًا. لَرُبَّمَا كُنَّا لَنَعْتَبِرُ الْحَيَاةَ فِي الْجَنَّةِ أَمْرًا مُسَلَّمًا بِهِ. لَرُبَّمَا كُنَّا لَنَظُنُّ أَنَّنَا نَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الشَّيْطَانُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٠] أَطَاعَ آدَمُ وَحَوَّاءُ الشَّيْطَانَ وَأَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ لِأَنَّهُمَا طَمَحَا فَجْأَةً إِلَى شَيْءٍ اعْتَبَرَاهُ أَثْمَنَ مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي كَانَا فِيهَا. وَلَكِنَّ اللهَ، الْجَمِيلَ، الْوَاسِعَ الْفَضْلِ، أَرَادَ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ أَجْمَلَ مِنَ الْجَنَّةِ، لِأَنَّهَا ﴿نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٩٨] إِذَا كُنْتَ مُضِيفًا وَاسْتَقْبَلْتَ ضُيُوفًا تُحِبُّهُمْ، لَاسْتَقْبَلْتَهُمْ فِي أَفْضَلِ مَكَانٍ مُمْكِنٍ وَأَعْطَيْتَهُمْ أَفْضَلَ اسْتِقْبَالٍ مُمْكِنٍ. اللهُ لَنْ يَدْفَعَ ثَمَنَ الْجَنَّةِ. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الشُّورَىٰ: ٤٩] إِلَهٌ مِثْلُ هَذَا لَنْ يَبْخَلَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. اللهُ يُرِيدُنَا أَنْ نَعْرِفَ فَضْلَهُ، أَنْ نُقَدِّرَهُ، أَنْ نُقَدِّرَ كَرَمَهُ وَلُطْفَهُ. إِذَا جَعَلَنَا اللهُ نُعَانِي فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَلِكَيْ نَرَى الْفَرْقَ بَيْنَ هُنَا وَهُنَاكَ، بَيْنَ السَّعَادَةِ الَّتِي نُرِيدُ تَحْقِيقَهَا بِأَنْفُسِنَا (وَلَهَا نِهَايَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ) وَالسَّعَادَةِ الَّتِي يُرِيدُنَا اللهُ أَنْ نَشْعُرَ بِهَا إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ فِي الْجَنَّةِ. بِعِبَارَةٍ أُخْرَىٰ، يُرِيدُنَا اللهُ أَنْ نَشْكُرَهُ مُسْبَقًا عَلَى تِلْكَ الْهِبَةِ الَّتِي لَمْ نَكُنْ نَرْجُوهَا. يُرِيدُنَا أَنْ نَشْكُرَهُ هُنَا -رَغْمَ أَيِّ حِرْمَانٍ- لِأَنَّ شُكْرَنَا هُنَا فَقَطْ هُوَ الَّذِي يَعْتَدُّ بِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّاسَ الَّذِينَ قَضَوْا حَيَاتَهُمْ يَشْكُرُونَ اللهَ فِي هَذَا الْعَالَمِ سَيَشْكُرُونَهُ أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ. سَيَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزُّمَر: ٧٤]

 

وَالْآنَ، هَلِ اللهُ يَسْتَحِقُّ أَوْ هَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَنْ يُشْكَرَ مُسْبَقًا؟ هُنَا يَفْتَرِقُ النَّاسُ: بَعْضُهُمْ يَقُولُ نَعَمْ (هُوَ يَسْتَحِقُّ لَا يَحْتَاجُ)، وَآخَرُونَ لَنْ يَهْتَمُّوا بِأَمْرٍ أَوْ بِآخَرَ. هُنَا حَيْثُ لِيَ الْخِيَارُ: أَنَا أَخْتَارُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَعَدَمِ الْإِيمَانِ. حِينَ أُؤْمِنُ، أُدْرِكُ أَنَّهُ، فِي الْوَاقِعِ، لَا يَتَوَفَّرُ لِي أَيُّ خِيَارٍ آخَرَ. لِأَنَّنِي كُلَّمَا زِدْتُ إِيمَانًا، كُلَّمَا شَعَرْتُ بِأَنِّي مَدِينٌ جِدًّا لِلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. إِنَّهُ، بِطَرِيقَةٍ مَا، كَالِاخْتِيَارِ بَيْنَ التَّدْخِينِ وَعَدَمِهِ. لَنْ يَمْنَعَنِي أَحَدٌ مِنَ التَّدْخِينِ، وَلَكِنْ إِذَا دَخَّنْتُ أَعْرِفُ الْعَوَاقِبَ. لِذَلِكَ يَقُولُ اللهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦] إِذَا شَكَرْتُ اللهَ، فَأَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ لِأُنْقِذَ نَفْسِي أَوَّلًا، وَثُمَّ أَنَا فَقَطْ أَفْعَلُ الصَّوَابَ. أَنَا أُعَبِّرُ عَنِ الامْتِنَانِ لِرَبِّي لِمَنْحِهِ إِيَّايَ فُرْصَةَ الْعَيْشِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَفُرْصَةَ الْعَمَلِ لِأَجْلِ مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ، حَيْثُ يُمْكِنُنِي رُؤْيَةُ (أَوِ امْتِلَاكُ) جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْكَامِلَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُنِي رُؤْيَتُهَا (أَوِ امْتِلَاكُهَا) فِي هَذَا الْعَالَمِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَاقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السَّجْدَة: ١٧]» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]

 

فِي بَرْنَامَجٍ إِذَاعِيٍّ، سُئِلَ رَجُلٌ قَدِيمٌ رِيفِيٌّ: "هَلْ تَذْكُرُ مَجَاعَةَ عَامِ ١٩٨١؟" قَالَ: "أُوه، هَذِهِ لَا شَيْءَ مُقَارَنَةً بِمَجَاعَةِ عَامِ ١٩٤٥، حِينَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَأْخُذُ طِفْلَهَا/رَضِيعَهَا بَعِيدًا عَنْ مَنْزِلِهَا وَتَتْرُكُهُ بِجَانِبِ بَيْتِ شَخْصٍ آخَرَ أَوْ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ كَانَتْ تَلْتَفِتُ بِحُزْنٍ وَتَتَوَقَّفُ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ تُوَاصِلَ طَرِيقَهَا إِلَى بَيْتِهَا." قَالَ الْمُقَابِلُ: "لَا بُدَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُؤْلِمًا. هَلْ تَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ النِّسَاءَ كُنَّ بِهَذَا الْقَلْبِ الْقَاسِي حَتَّى يَهْجُرْنَ أَطْفَالَهُنَّ هَكَذَا؟" قَالَ الرَّجُلُ الرِّيفِيُّ: "وَلَكِنَّ تِلْكَ مَجَاعَةٌ يَا صَدِيقِي. الْجُوعُ يُعْمِي الْبَصَرَ."

 

ذَلِكَ عَمَى الْبَصَرِ. فَمَا بَالُ عَمَى الْقَلْبِ؟ حِينَ أَسْتَمِعُ إِلَى بَعْضِ الْبَرَامِجِ الْإِذَاعِيَّةِ، لَيْسَ فَقَطْ مِنْ بِلَادِي، بَلْ أَسْتَمِعُ أَيْضًا إِلَى مَحَطَّاتٍ إِذَاعِيَّةٍ دَوْلِيَّةٍ، أَحْصُلُ أَحْيَانًا عَلَى انْطِبَاعٍ بِأَنَّ الْعَالَمَ مَمْلُوءٌ بِالْبُؤْسِ. لَقَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ فِي الرَّادِيُو لِلشِّكَايَةِ مِنْ مُشْكِلَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. حَتَّى الْمُشَاهِيرُ يَشْتَكُونَ مِنْ أَسًى قُلُوبِهِمْ، مِنْ تَجَارِبِهِمِ الْمُرَوِّعَةِ مَعَ شُرَكَائِهِمْ، آبَائِهِمْ، أَطْفَالِهِمْ... بَعْضُهُمْ يَذْهَبُونَ لِلظُّهُورِ مُبَاشَرَةً عَلَى شَاشَةِ التِّلْفَازِ لِيَتَحَدَّثُوا عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، لَيْلًا وَنَهَارًا، أَسْمَعُ فِي الرَّادِيُو كَثِيرًا مِنَ الضَّحِكِ، كَثِيرًا مِنَ الْمُوسِيقَى الْمَرِحَةِ، كَثِيرًا مِنَ الرِّيَاضَةِ، كَثِيرًا مِنْ فُنُونِ الطَّبْخِ، كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُعْطِينِي انْطِبَاعًا بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ شَخْصٌ وَاحِدٌ تَعِسٌ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ! لَقَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَسْتَخْدِمُونَ عِبَارَاتِ "شُكْرًا لَكَ يَا رَبِّ"، "دْيُو مَرْسِي"، "الْحَمْدُ لِلَّهِ" لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الامْتِنَانِ لِلَّهِ. وَلَكِنِّي سَمِعْتُ أَيْضًا كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَشْتَكُونَ مِنَ اللهِ، أَوْ بِالْأَحْرَى مِنَ الْقَدَرِ. سُؤَالٌ وَاحِدٌ يَطْرَحُهُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ النَّاسِ: "كَيْفَ يُعْقَلُ أَنَّ اللهَ، هَذَا الْخَالِقَ الْقَدِيرَ الَّذِي يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، الَّذِي هُوَ قَوِيٌّ، رَحِيمٌ، كَيْفَ يُعْقَلُ أَنَّهُ يَعْلَمُ حَالَتِيَ الْمُثِيرَةَ لِلشَّفَقَةِ، يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ مُعَانَاتِي، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِتَغْيِيرِ حَالَتِي؟" هَذَا سُؤَالٌ صَعْبٌ. نَعَمْ، ﴿هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الرُّوم: ٥٤] ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْمُلْك: ١]، وَلَكِنِّي قَدِ ارْتَكَبْتُ ذُنُوبًا، وَرَبِّي ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦] ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الْأَنْعَام: ١١٥] وَحَتَّى لَوْ كَانَتْ ذُنُوبِي كُلُّهَا قَابِلَةً لِلْغُفْرَانِ، فَقَدْ يَكُونُ لَدَيَّ شُكُوكٌ بِشَأْنِ إِيمَانِي. فَرُبَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يَخْتَبِرَ إِيمَانِي بِحِرْمَانِي مِنْ أَشْيَاءَ أُحِبُّهَا. اللهُ ﴿لِيَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سَبَأ: ٢١] حَتَّى الْيَقِينُ قَدْ يَخْتَلِفُ مِنْ شَخْصٍ إِلَى آخَرَ، مِنْ حَالَةٍ إِلَى أُخْرَىٰ. بَعْضُ النَّاسِ قَدْ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْخَوْضِ فِي تَجَارِبَ شَخْصِيَّةٍ، نَوْعٍ مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْقَلْبِيَّةِ، لِكَيْ يُقَوُّوا إِيمَانَهُمْ. إِنَّهَا مِثْلُ هَذِهِ التَّجَارِبِ الَّتِي سَتَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ يَتَعَامَلُ مَعَ اللهِ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ. مِثْلُ هَذِهِ التَّجَارِبِ سَتَجْعَلُنِي أَقُولُ: نَعَمْ، أَنَا أَعْلَمُ، كَمُؤْمِنٍ، أَنَّ اللهَ ﴿الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الرُّوم: ٥٤] وَأَنَّهُ ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هُود: ٩٠]، وَلَكِنَّ اللهَ أَيْضًا ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٧]؛ وَأَنَا أَخْطَأْتُ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ نَوْعِ خَطَايَايَ. فَلِذَلِكَ عِنْدَمَا أُواجِهُ مُشْكِلَةً، فَإِنِّي ﴿أَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٦] أَنَا أَدْعُو اللهَ ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٩٠] أَنَا أَدْعُو اللهَ خَوْفًا لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ يُعَاقِبُنِي عَلَى ذُنُوبِي. أَدْعُوهُ طَمَعًا لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هُود: ٩٠] وَأَنَّهُ ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْمُلْك: ١] لَيْسَ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النَّحْل: ٤٠] يَجِبُ أَنْ أَتَوَقَّعَ مِنْهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِدُعَائِي فَوْرًا. الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ أَتَوَقَّعَهُ هُوَ أَنَّ اللهَ يَسْتَطِيعُ -عِنْدَمَا يَشَاءُ- أَنْ يَسْتَجِيبَ لِدُعَائِي. هَذَا هُوَ الْمُهِمُّ لِي. حِينَ أَكُونُ فِي وَضْعٍ صَعْبٍ، سَيَكُونُ بَعْضُ النَّاسِ ذَوِي الْقُلُوبِ الطَّيِّبَةِ رَاغِبِينَ فِي مُسَاعَدَتِي وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ. مَاذَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَفْعَلَ حِينَ تَرَى طِفْلًا يَحْتَرِقُ وَرَاءَ نَوَافِذِ شَقَّةٍ فِي بُرْجٍ سَكَنِيٍّ مُشْتَعِلٍ؟ مَاذَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَفْعَلَ حِينَ تَرَى أُنَاسًا يَنْجَرِفُونَ بِسَيَّارَتِهِمْ فِي فَيَضَانٍ مُفَاجِئٍ؟ يَكْفِينِي كَمُؤْمِنٍ أَنَّ اللهَ يَسْتَطِيعُ مُسَاعَدَتِي عِنْدَمَا يَشَاءُ. مِنْ جِهَتِي، عَلَيَّ أَنْ أُحَاوِلَ بِقَدْرِ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَجَنَّبَ كُلَّ مَا قَدْ يُغْضِبُ اللهَ وَيَجْعَلُهُ يُعَاقِبُنِي فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ. يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ قَدْرَ مَا أَسْتَطِيعُ مِنَ الْخَيْرِ -إِذَا اسْتَطَعْتُ- ثُمَّ أَأْمَلُ الْأَفْضَلَ. لَا أَحَدَ سَيَأْمُرُ اللهَ بِمَا يَفْعَلُ. إِذَا كَانَ لَدَيَّ أَسْئِلَةٌ، فَاللهُ أَيْضًا سَيَكُونُ لَدَيْهِ أَسْئِلَةٌ لِيَسْأَلَنِي إِيَّاهَا: هَلْ شَكَرْتَنِي عَلَى الْوَظِيفَةِ الَّتِي سَاعَدْتُكَ فِي الْعُثُورِ عَلَيْهَا؟ أَمْ بَدَأَ ذَلِكَ بِالْإِثْمِ؟ هَلْ تَرْضَى أَنْ يَكُونَ النَّاسُ الْآخَرُونَ نَاكِرِي الْجَمِيلِ نَحْوَكَ؟ فَمَنْ تَلُومُ عَلَى هَذَا الدَّيْنِ الَّذِي لَا تَسْتَطِيعُ سَدَادَهُ الْآنَ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْتَ عَاطِلًا عَنِ الْعَمَلِ؟ لَيْسَ اللهُ الَّذِي سَيَقُولُ لِي هَذَا. إِذَا كُنْتُ مُؤْمِنًا جَيِّدًا، فَإِنَّ نَفْسِي اللَّوَّامَةَ [الْقِيَامَة: ٢] هِيَ الَّتِي سَتُخْضِعُنِي لِمِثْلِ هَذَا التَّحْلِيلِ الذَّاتِيِّ. هَذَا يَعْنِي أَنَّنِي إِذَا تَصَرَّفْتُ بِشَكْلٍ خَاطِئٍ، فَعَلَيَّ أَنْ أَتَحَمَّلَ الْمَسْؤُولِيَّةَ عَنْ ذَلِكَ. عَلَيَّ أَنْ أُصْلِحَ الضَّرَرَ. يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِي عَلَى الْأَقَلِّ بَعْضُ الْوَقَارِ نَحْوَ رَبِّي، الَّذِي يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرَّعْد: ١١] بِعِبَارَةٍ أُخْرَىٰ، لَا يَنْبَغِي أَنْ أَتَوَقَّعَ مِنَ اللهِ أَنْ يُعْطِيَنِي شَيْئًا لَمْ أَفْعَلْ فِي مُقَابِلِهِ شَيْئًا جَيِّدًا. يَقُولُ اللهُ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قُرَيْش: ١-٤] الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ أَدْعُوَ بِهِ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ الْهِدَايَةُ. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الْفَاتِحَة: ٦-٧] عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، يَنْبَغِي أَنْ أَدْعُوَ بِالْخَشْيَةِ. لِأَنَّنِي بِدُونِ هِدَايَةٍ وَخَشْيَةٍ يُمْكِنُنِي بِسُهُولَةٍ أَنْ أَضِلَّ. الْهِدَايَةُ هِيَ جَوَازُ سَفَرِي. الْخَشْيَةُ هِيَ تَأْشِيرَتِي.

 

فِي الْقُرْآنِ نَقْرَأُ: ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الْبَقَرَة: ٢١٢] وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُخْرَىٰ: "يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ". وَقَوْلُهُ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٣٧] ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [الْمَائِدَة: ٦٤] هَذَا يَعْنِي أَنَّ اللهَ يُعْطِي حَتَّى لِمَنْ لَنْ يَدْعُوَ بِشَيْءٍ، وَلَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فِي سَبِيلِهِ. هَذَا هُوَ مَصْيَدَتِي. هَذَا هُوَ مَا سَيَجْعَلُنِي أَقُولُ: مَادَامَ اللهُ يُعْطِي أُولَئِكَ النَّاسِ، فَلِمَاذَا لَا يُعْطِينِي أَنَا أَيْضًا، أَنَا الَّذِي أُؤْمِنُ بِهِ وَأَسْعَى لِإِرْضَائِهِ؟ هَذِهِ مَصْيَدَةٌ! مَاذَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ لِأَتَجَنَّبَ الْوُقُوعَ فِي الْمَصْيَدَةِ، إِذَا لَمْ أَكُنْ قَدْ وَقَعْتُ فِيهَا بَعْدُ؟ حَسَنًا، عَلَيَّ فَقَطْ أَنْ أَتَعَلَّمَ دَرْسًا مِنْ تَجَارِبِيَ الشَّخْصِيَّةِ. تَجَارِبِيَ الشَّخْصِيَّةُ يَنْبَغِي أَنْ تُعَلِّمَنِي، مِنْ خِلَالِ الْحَقَائِقِ، أَنَّهُ ﴿إِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَام: ١٧-١٨] مَتَى تَعَلَّمْتُ هَذَا يُمْكِنُنِي فَهْمُ لِمَاذَا حَرَمَنِي اللهُ مِنْ شَيْءٍ أَحْبَبْتُهُ. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشُّورَىٰ: ٢٧] إِذَا كُنْتُ صَادِقًا مَعَ نَفْسِي، عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلَ نَفْسِي: هَلْ أَصْبَحْتُ شَخْصًا أَفْضَلَ حِينَ أَعْطَانِي اللهُ آخِرَ مَرَّةٍ كَذَا أَوْ كَذَا؟ هَلْ شَكَرْتُ اللهَ عَلَى هِبَتِهِ أَمْ بَدَأْتُ ذَلِكَ بِالْإِثْمِ؟

 

يَقُولُ اللهُ: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ١٤] مَاذَا يَقُولُ لِي هَذِهِ الْآيَةُ؟ حَسَنًا، إِنَّهَا تَقُولُ لِي: قِفْ! إِلَى أَيْنَ أَنْتَ ذَاهِبٌ؟ مَاذَا تُرِيدُ؟ هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَخْدُمَ اللهَ أَمْ تُرِيدُ أَنْ يَخْدُمَكَ اللهُ؟

تِلْكَ أَسْئِلَةٌ مَشْرُوعَةٌ. يَنْبَغِي أَنْ أُجِيبَ عَلَيْهَا، إِذَا كُنْتُ مُؤْمِنًا جَيِّدًا. يَنْبَغِي أَنْ أَضَعَ جَمِيعَ طِلْبَاتِي وَدَعَوَاتِي جَانِبًا لِلَحْظَةٍ وَأَبْدَأَ بِسُؤَالِ نَفْسِي عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي حَصَلْتُ عَلَيْهَا فِعْلًا. فِي الْأَخْبَارِ نَسْمَعُ شَيْئًا مِثْلَ: "إِنَّهُ أَسْوَأُ إِعْصَارٍ مُنْذُ ٣٠ عَامًا. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ." هَذَا صَعْبٌ حَتَّى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ. لَيْسَ سَهْلًا عَلَى أَيِّ شَخْصٍ أَنْ يَفْقِدَ كُلَّ شَيْءٍ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا. وَلَكِنْ حِينَ أَرَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا تَحْدُثُ لِأُمَمٍ أَوْ بُلْدَانٍ مُعَيَّنَةٍ فَقَطْ، عَلَيَّ أَنْ أَطْرَحَ الْأَسْئِلَةَ. الْجَفَافُ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، ضَرَبَ النَّاسَ حَتَّى فِي زَمَنِ الْأَنْبِيَاءِ. حَدَثَ لِأَتْبَاعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَيَاتِهِ. حَدَثَ لِأَتْبَاعِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ، لِصَحَابَةِ النَّبِيِّ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَادَةٍ آخَرِينَ صَالِحِينَ. مَاذَا سَأَفَكِّرُ فِيهِ حِينَ أَطْرَحُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ؟ حَسَنًا، سَأَفَكِّرُ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ (الْأَكْثَرِ أَوِ الْأَقَلِّ سَعَادَةً/سَلَامًا/طَبِيعِيَّةً...) الثَّمَانِي وَالْعِشْرِينَ بَيْنَ الْإِعْصَارِ/الْجَفَافِ/حَرِيقِ الْغَابَاتِ/الْحَرْبِ الْمُدَمِّرِ الْحَالِيِّ وَالسَّابِقِ. سَأَفَكِّرُ، عَلَى أَمَلٍ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ لَدَيَّ فِيهِ الْمَاءُ وَالْكَهْرَبَاءُ طُولَ الْيَوْمِ طُولَ السَّنَةِ... قَبْلَ انْقِطَاعَاتِ الْكَهْرَبَاءِ الْيَوْمِيَّةِ الْمُحْبِطَةِ. يَنْبَغِي أَنْ أَفَكِّرَ فِي هِبَاتِ اللهِ وَكَرَمِهِ وَصَبْرِهِ طَوَالَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ أَكُنْ فِيهِ أُقَدِّرُ تِلْكَ الْهِبَاتِ حَقَّ التَّقْدِيرِ.

وَالْآنَ، لِنَفْتَرِضْ أَنَّنِي مُتَأَكِّدٌ أَنَّ شَخْصًا مَا يُحِبُّنِي كَثِيرًا وَيَهْتَمُّ بِحُبِّي كَثِيرًا، كَيْفَ تَظُنُّ أَنِّي سَأَتَفَاعَلُ؟ حَسَنًا، إِذَا كُنْتُ شَكُورًا، فَسَأُحَاوِلُ عَلَى الْأَقَلِّ أَنْ لَا أُؤْذِيَهُ أَوْ أَصْدِمَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي مَشَاعِرُ خَاصَّةٌ نَحْوَ ذَلِكَ الشَّخْصِ. إِذَا كُنْتُ نَاكِرًا لِلْجَمِيلِ، قَدْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الطَّبِيعِيِّ فَقَطْ أَنْ يُحِبَّنِي هَذَا الشَّخْصُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ يَفْعَلَ الْمُسْتَحِيلَ لِإِرْضَائِي. فَلَنْ أَهْتَمَّ، سَأُظْهِرُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ أَنَّنِي لَا أُحِبُّهُ، إِلَخ. مَاذَا يَحْدُثُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؟ حَسَنًا، رُبَّمَا يَوْمًا مَا سَأَنْدَمُ عَلَى فُقْدَانِ حُبِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ. هَذِهِ هِيَ نَتِيجَةُ الْغُرُورِ. اللهُ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزُّخْرُف: ٥٥]

إِذَنْ، مِثْلُ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ الرَّهِيبَةِ الَّتِي سَتَجْعَلُنِي أَطْرَحُ أَسْئِلَةً وُجُودِيَّةً يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَذْكِرَةً لِي. يَنْبَغِي أَنْ أَتَذَكَّرَ أَنَّ اللهَ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ، أَقْوَى مِنَ الدُّوَلِ، أَقْوَى مِنَ الْإِمْبِرَاطُورِيَّاتِ. لِمَاذَا جَعَلَ اللهُ النَّاسَ يُعَانُونَ مِنَ الْجَفَافِ بَيْنَمَا كَانُوا لَا يَزَالُونَ يَتَلَقَّوْنَ وَحْيَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ؟ الْإِجَابَةُ وَاضِحَةٌ وَبَسِيطَةٌ: اللهُ يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ ﴿مَّا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ [فَاطِر: ٢-٣] لَيْسَتِ الْحُكُومَةُ هِيَ الَّتِي تَخْلُقُ الْوَظَائِفَ؛ بَلِ اللهُ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ الظُّرُوفَ لِلنُّمُوِّ الِاقْتِصَادِيِّ حَيْثُمَا يَشَاءُ وَمَتَى يَشَاءُ. حُكُومَةٌ لَا تَسْتَطِيعُ دَرْءَ أَزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ كُبْرَى لَا تَسْتَطِيعُ، بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا، أَنْ تَخْلُقَ مَلَايِينَ الْوَظَائِفِ! اللهُ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. الدَّوْلَةُ/الْحُكُومَةُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَبْنِيَ قَدْرَ مَا تَسْتَطِيعُ مِنَ الْجُسُورِ وَالطُّرُقَاتِ. اللهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسْقِطَ كُلَّ ذَلِكَ فِي بِضْعِ سَاعَاتٍ. فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، حِينَ تُدَمِّرُ الدَّوْلَةُ، بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، الْبِيئَةَ بِالتَّلَوُّثِ الشَّنِيعِ وَتُسَبِّبُ الْجَفَافَ وَالْفَيَضَانَاتِ، يَبْقَى اللهُ هُوَ الْمَلْجَأُ الْأَخِيرَ لِإِنْهَاءِ الْجَفَافِ أَوِ السَّيْطَرَةِ عَلَى الْفَيَضَانَاتِ.

تَذَكَّرْ، فِي ثَمَانِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، كَانَ نِصْفُ الْبَشَرِيَّةِ يَعِيشُ تَحْتَ خَطِّ الْفَقْرِ. لَسْتُ بِحَاجَةٍ لِتَسْمِيَةِ أَيِّ بَلَدٍ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ. أَنْتَ تَعْرِفُهُمْ. هَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ السِّيَاسِيِّينَ الَّذِينَ حَكَمُوا الْعَالَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانُوا جَمِيعًا أَغْبِيَاءَ؟ ثُمَّ كَثِيرٌ مِنَ الْبُلْدَانِ الَّتِي تَمَتَّعَتْ بِبَعْضِ النُّمُوِّ الِاقْتِصَادِيِّ الْمُذْهِلِ لِبَعْضِ الْوَقْتِ أَصْبَحَتْ فِيمَا بَعْدُ ضَحَايَا تَضَخُّمٍ جَنُونِيٍّ وَدُيُونٍ خَارِجِيَّةٍ لَا تُسَدَّدُ؟ أَهُوَ إِذَنِ الدَّوْلَةُ أَمِ اللهُ الَّذِي يَخْلُقُ الظُّرُوفَ لِلنُّمُوِّ الِاقْتِصَادِيِّ حَيْثُمَا يَشَاءُ وَمَتَى يَشَاءُ؟ أَحْيَانًا تَكُونُ هُنَاكَ وَظَائِفُ كَثِيرَةٌ جِدًّا حَتَّى أَنَّ الْحُكُومَةَ لَا تَسْتَطِيعُ مُعَالَجَتَهَا دُونَ تَغْيِيرِ قَوَانِينِ الْهِجْرَةِ.

حِينَ أُفَكِّرُ فِي كُلِّ ذَلِكَ، يَنْبَغِي أَنْ أَنْدَهِشَ مِنْ أَنَّ اللهَ، الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُدِيرَ الْعَالَمَ، الْعَالَمَ كُلَّهُ بِجَمِيعِ مُشْكِلَاتِهِ وَتَعْقِيدَاتِهِ، يَسْتَطِيعُ أَنْ "يَجِدَ بَعْضَ الْوَقْتِ" لِيَفْكِرَ فِيَّ أَنَا أَيْضًا. ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ﴾ [طه: ٥٢] هَذَا الشُّعُورُ بِأَنَّ إِلَهِي هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ أَفْضَلُ تَأْمِينٍ لِي. حِينَ أَشْكُرُ اللهَ -عَلَى مَا أَعْطَانِي إِيَّاهُ سَلَفًا- أَنَا أَكْسِرُ الْحَوَاجِزَ النَّفْسِيَّةَ الْوَاهِمَةَ الَّتِي تَفْصِلُنِي عَنْهُ؛ أَنَا أُطَهِّرُ قَلْبِي مِنْ جَمِيعِ عُقَدِهِ. بِالْمُصَالَحَةِ مَعَ إِلَهِي، مِنْ خِلَالِ التَّوْبَةِ، أَنَا أُعَالِجُ قَلْبِي مِنْ أَنَانِيَّتِي السَّطْحِيَّةِ. بِفِعْلِي كُلَّ ذَلِكَ أَنَا أَضَعُ نَفْسِي بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ الْحَقِيقِيِّ. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يُوسُف: ٢١] ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يُونُس: ٦٥] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٦] ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الْحَج: ٧٤] ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الْحِجْر: ٢١] ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هُود: ٦] ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الْعَنْكَبُوت: ٦٠] فَلَا يُمْكِنُنِي إِلَّا أَنْ أَسْجُدَ طَوْعًا، عَنْ قَنَاعَةٍ، بِكُلِّ خَلِيَّةٍ فِي جَسَدِي، بِكُلِّ ذَرَّةٍ فِي رُوحِي، لِلَّهِ، رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

هَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الدَّوْلَةَ لَا فَائِدَةَ مِنْهَا، أَنَّ الْحُكُومَةَ لَا لُزُومَ لَهَا؟ لَا، لَيْسَ أَبَدًا. حِينَ يُسَاعِدُنِي رَجُلٌ فِي السُّلْطَةِ، فَذَاكَ أَمْرٌ جَيِّدٌ مِنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ أَشْكُرَهُ عَلَى ذَلِكَ -حَتَّى لَوْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَطْ لِأَنْ يُعَادَ انْتِخَابُهُ أَوْ لِتَعْزِيزِ مَبِيعَاتِ مُذَكِّرَاتِهِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ. يَنْبَغِي أَنْ أَشْكُرَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ].

 

وَالْآنَ، هَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَقْبَلَ الْمُسَاعَدَةَ مِنَ النَّاسِ؟ وَلِمَ لَا؟ لَا يَنْبَغِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى هَذِهِ كَمُسَاعَدَةٍ لِشَخْصِي، بَلْ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي فِيَّ. حِينَ أَذْهَبُ لِلْعَمَلِ وَأَقْضِي سَاعَاتٍ فِيهِ، مَعَ كُلِّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ عَوَاقِبَ بَعِيدَةِ الْمَدَى عَلَى صِحَّتِي، لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ لِخَيْرِ نَفْسِي فَقَطْ. أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْمُجْتَمَعِ كَكُلٍّ. حِينَ تَقْضِي سِنِينَ وَسِنِينَ فِي تَرْبِيَةِ طِفْلٍ، فَأَنْتَ لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ لِمُتْعَتِكَ الشَّخْصِيَّةِ فَقَطْ. بَلْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِخَيْرِ الْأُمَّةِ وَمَصْلَحَتِهَا أَيْضًا. هَذَا الطِّفْلُ قَدْ يُصْبِحُ جُنْدِيًّا يُدَافِعُ عَنِ الْوَطَنِ، أَوْ مُدَرِّسًا يُعَلِّمُ الْأَجْيَالَ الْقَادِمَةَ، أَوْ طَبِيبًا يُعَالِجُ الْمَرْضَى الْمُسْتَقْبَلِينَ فِي هَذَا الْبَلَدِ. لِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ أَشْعُرَ بِالْخَجَلِ مِنْ تَلَقِّي الْمُسَاعَدَةِ -سَوَاءٌ كَانَتْ أَمْوَالًا ضَرِيبِيَّةً مِنْ دَافِعِي الضَّرَائِبِ أَوْ تَبَرُّعَاتٍ خَاصَّةً- حِينَ لَا أَسْتَطِيعُ مُسَاعَدَةَ نَفْسِي. الْيَوْمَ أَنَا الْمُحْتَاجُ لِلْمُسَاعَدَةِ، وَغَدًا قَدْ أَكُونُ أَنَا مَنْ يُقَدِّمُ الْمُسَاعَدَةَ لِشَخْصٍ آخَرَ. هَذَا هُوَ التَّضَامُنُ. اللهُ يُرِيدُ أَمْرَيْنِ: الشُّكْرَ لَهُ وَالتَّضَامُنَ بَيْنَ الْبَشَرِ. حِينَ يُعْطِينِي شَخْصٌ مَا شَيْئًا (بَعْضَ الْمُسَاعَدَةِ)، فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُشْكَرَ أَوْ فَقَطْ لِيُحَقِّقَ الْجَانِبَ الْإِنْسَانِيَّ فِيهِ -لِيَشْعُرَ بِأَنَّهُ شَخْصٌ كَرِيمٌ نَافِعٌ. حِينَ يُعْطِينِي اللهُ شَيْئًا جَيِّدًا، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِي: أَنْتَ، هَذَا فَقَطْ لِتُذَكِّرَكَ بِالْجَنَّةِ. يَقُولُ اللهُ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ): ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوت: ٢٧] حِينَ يُعَرِّضُنِي اللهُ لِشَيْءٍ مُؤْلِمٍ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِي: أَنْتَ، هَذَا فَقَطْ لِتُذَكِّرَكَ بِالنَّارِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التَّوْبَة: ١٢٦] بِعِبَارَةٍ أُخْرَىٰ، اللهُ يَهْتَمُّ بِي. لَا يُرِيدُنِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى النَّارِ. يُرِيدُنِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الْجَنَّةِ. حَتَّى الْقُرْآنُ يَصِفُ الْمَوْتَ بِأَنَّهُ "مُصِيبَةٌ". [التَّوْبَة: ١٠٦] كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْتَمِدَ عَلَى شَيْءٍ سَيَنْتَهِي فِي أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ بِمُصِيبَةٍ؟ هَذَا أَكْثَرُ رُعْبًا مِنْ فُقْدَانِ الْمَنْزِلِ!

 

عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، حِينَ تَحْدُثُ مُصِيبَةٌ، كَارِثَةٌ طَبِيعِيَّةٌ، لَا تَشْعُرُ حَقًّا بِفَرْقٍ كَبِيرٍ جِدًا بَيْنَ بَلَدٍ غَنِيٍّ وَبَلَدٍ فَقِيرٍ. الْمُعَانَاةُ مُعَانَاةٌ. يُمْكِنُكَ إِنْقَاذُ النَّاسِ هُنَا بِاسْتِخْدَامِ طَائِرَاتِ الْهِلِيكُوبْتَرِ وَهُنَاكَ بِاسْتِخْدَامِ قَوَارِبَ صَغِيرَةٍ أَوْ حَيَوَانَاتٍ. وَتِيرَةُ إِعَادَةِ الْإِعْمَارِ قَدْ تَخْتَلِفُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْمَرْءُ إِلَّا أَنْ يَنْدَهِشَ لِمُلَاحَظَةِ أَنَّهُ رَغْمَ الْكَوَارِثِ الطَّبِيعِيَّةِ الْمُدَمِّرَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ (الرِّيَاحُ الْمُوسِمِيَّةُ فِي جَنُوبِ شَرْقِ آسِيَا، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ) فَإِنَّ الْحَيَاةَ تَسْتَمِرُّ كَالْعَادَةِ. قَدْ يَتَغَيَّرُ هَذَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَا أَدْرِي. وَلَكِنْ، عَلَى الْأَقَلِّ حَتَّى الْآنَ، كُلَّ عَامٍ تَهُبُّ رِيَاحٌ مُوسِمِيَّةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُنَاكَ حَيْثُ تَجِدُ أَكْبَرَ تَجَمُّعٍ سُكَّانِيٍّ فِي الْعَالَمِ. يُعَادُ بِنَاءُ الْمَنَازِلِ، يُعَادُ بِنَاءُ الْقُرَى، يُعَادُ بِنَاءُ الْمُدُنِ، وَيَعُودُ السُّيَّاحُ إِلَيْهَا. رَغْمَ الرِّيَاحِ الْمُوسِمِيَّةِ يَلْعَبُ النَّاسُ الْكْرِيكِتْ كُلَّ عَامٍ. رَغْمَ الْإِعْصَارِ يَذْهَبُ النَّاسُ إِلَى الْحَفَلَاتِ الْمُوسِيقِيَّةِ وَالْمَلَاعِبِ الرِّيَاضِيَّةِ وَمَلَاعِبِ الْغُولْفِ كُلَّ عَامٍ. الْمُهِمُّ هُوَ أَنَّهُ، كَمُؤْمِنٍ، يَنْبَغِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ الرَّهِيبَةِ كَرَسَائِلَ، كَتَذْكِرَةٍ. يَنْبَغِي أَنْ أُذَكِّرَ نَفْسِي بِأَنَّنِي، كَإِنْسَانٍ، ضَعِيفٌ. قُوَّتِي لَهَا حُدُودٌ. لَسْتُ "فِي بَيْتِي": أَنَا فَقَطْ ضَيْفٌ فِي هَذَا الْعَالَمِ. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَانُوا هُنَا يَوْمًا مَا. سَأَذْهَبُ أَنَا أَيْضًا يَوْمًا مَا. قَدْ تُعْطِينِي الطَّائِرَةُ أَفْضَلَ رَاحَةٍ، فِي أَفْضَلِ دَرَجَةِ رِفَاهِيَةٍ فِي الْعَالَمِ، وَلَكِنَّنِي فَقَطْ رَاكِبٌ. قَدْ أَسْكُنُ بَيْتًا كَالْفَنَادِقِ الْخَمْسَةِ النُّجُومِ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ مَوْتِي سَيَزُولُ عَنْ مِلْكِي. يَقُولُ اللهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مَرْيَم: ٤٠] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمَٰن: ٢٦-٢٧] ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الْعَنْكَبُوت: ٢٢] ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٢]

 

أَيَّامِي مَعْدُودَةٌ كُلَّ يَوْمٍ. أَنَا فَقَطْ عَابِرُ سَبِيلٍ. أَنَا كَكُرَةِ تِنِسٍ تُقْذَفُ ذَهَابًا وَإِيَابًا بَيْنَ الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ. الشُّرُوقُ يَرْمِينِي إِلَى الْغُرُوبِ وَالْغُرُوبُ يَقْذِفُنِي إِلَى الشُّرُوقِ: لَا أَسْتَطِيعُ إِيقَافَ الزَّمَنِ. وَيَوْمًا مَا سَأُدْرِكُ كَمْ أَنَا سَرِيعُ الشَّيْخُوخَةِ. الْقُرْآنُ يَقُولُ لِي: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٣] إِذَنْ، مَاذَا يُمْكِنُنِي فِعْلُهُ بِدْءًا مِنَ الْبَحْثِ عَنْ عَلَاقَةٍ سِلْمِيَّةٍ بَيْنِي وَبَيْنَ رَبِّي عِوَضًا عَنْ عَلَاقَةٍ مَوَاجِهَةٍ؟ حِينَ أُقِرُّ بِضَعْفِي تُجَاهَ اللهِ، فَهُوَ أَيْضًا يَقُولُ لِي: ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٢٨] لِذَلِكَ، حِينَ أُرْتكِبُ خَطَأً، سَيَأْخُذُ اللهُ ضَعْفِي فِي الِاعْتِبَارِ. لِأَنَّهُ ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هُود: ٩٠] ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [الْبُرُوج: ١٤] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النَّجْم: ٣٢] حِينَ يَعْلَمُ اللهُ أَنَّنِي لَا أُرِيدُ حَرْبًا مَعَهُ، أَنَّنِي لَا أَسْعَى لِمُعَادَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَحُولُ ضَعْفِي إِلَى قُوَّةٍ.

مَاذَا يَعْنِي لِي أَنْ أُقِرَّ بِأَنَّنِي ضَعِيفٌ تُجَاهَ اللهِ؟ يَعْنِي أَنَّنِي لَا أُرِيدُ لِلَّهِ أَنْ يَنْدَمَ عَلَى خَلْقِهِ لِي. أُرِيدُهُ أَنْ يَفْتَخِرَ بِي. كَيْفَ؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٢] كَمَا قُلْتُ، أَنَا فَقَطْ ضَيْفٌ فِي هَذَا الْعَالَمِ. نَعَمْ، يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْمَلَ وَأَحْصُلَ عَلَى الْمَالِ. وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ لِأَجْعَلَ حَيَاتِي سَلْسَةً. لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَصْنَعَ مَلَابِسِي بِنَفْسِي. لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَصْنَعَ دَرَّاجَتِي بِنَفْسِي. أَحْتَاجُ إِلَى تِلْفَازٍ؛ أَحْتَاجُ أَنْ أَتَابِعَ الْأَخْبَارَ. أَحْتَاجُ إِلَى خُضْرَوَاتٍ وَفَوَاكِهَ. أَحْتَاجُ إِلَى كَهْرَبَاءَ وَمَاءٍ فِي الْبَيْتِ. مَاذَا كُنْتُ سَأَفْعَلُ بِمَالِي لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَاسٌ آخَرُونَ لِيَصْنَعُوا لِي كُلَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ قَدْ أَكُونُ مُسْتَقِلًّا مَالِيًّا، وَلَكِنْ لَسْتُ مُكْتَفِيًا بِذَاتِي أَبَدًا. أَنَا أَيْضًا بِحَاجَةٍ إِلَى هَوَاءٍ نَظِيفٍ. أَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ. أَحْتَاجُ إِلَى النَّوْمِ. أَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةٍ جَيِّدَةٍ. إِذَنْ، فَكَّرَ اللهُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنَا. يَقُولُ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٣٢] لِذَلِكَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٣٢]

وَالْآنَ، بَدَلَ أَنْ أَسْأَلَ لِمَاذَا يُعْطِي اللهُ أُولَئِكَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، يَنْبَغِي أَنْ أَسْأَلَ: لِمَاذَا لَا أَطْلُبُ أَنَا عَوْنَ اللهِ بَيْنَمَا أُرِيدُ خِدْمَتَهُ؟ لِمَاذَا لَا أَحْتَرِمُ قَرَارَاتِ اللهِ؟ إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعْطِيَ فُلَانًا، فَلْيَكُنْ! مَا يَهُمُّ لِي هُوَ أَنَّ اللهَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعْطِيَنِي أَنَا أَيْضًا. وَلَكِنْ عَلَيَّ أَوَّلًا أَنْ أُعِدَّ نَفْسِي لِتَلَقِّي هِبَةِ اللهِ. هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ مَا أَعْطَانِي اللهُ إِيَّاهُ سَلَفًا -دُونَ أَنْ أَسْتَحِقَّ مَا أَعْطَانِي- وَبَيْنَ إِعْطَائِي شَيْئًا الْآنَ أَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَجَزَاءٍ عَلَى شَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِإِرْضَائِهِ. الْجَزَاءُ لَيْسَ كَالْهَدِيَّةِ. لَنْ أَحْصُلَ عَلَى أَيِّ نَوْعٍ مِنَ الْجَزَاءِ دُونَ أَنْ أُقَدِّمَ تَضْحِيَاتٍ. حِينَ يَأْتِينِي ذَلِكَ الْجَزَاءُ، أَنْظُرُ إِلَيْهِ كَرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ. كَمَا أَنَّهُ حِينَ يُسَاعِدُنِي شَخْصٌ مَا (بِسَبَبِ الْحُبِّ) أَوْ يَفْعَلُ لِي شَيْئًا (بِسَبَبِ الْمَالِ) فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا كَرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ. لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُسَاعِدَنِي أَوْ يَفْعَلَ لِي شَيْئًا "إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ"، عَلَى أَيِّ حَالٍ. تَفَكَّرْ فِي شَخْصٍ غَنِيٍّ حِينَ يَمْرَضُ. هَلْ يَسْتَطِيعُ مَالُهُ أَنْ يُعِيدَ لَهُ صِحَّتَهُ "إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ"؟ إِذَنْ، أَنْظُرُ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ كَعَلَامَةٍ عَلَى عَظَمَةِ اللهِ. وَلَكِنْ بِمَا أَنِّي أُدْرِكُ كَمْ هُوَ عَظِيمٌ اللهُ، كَمْ هُوَ قَدِيرٌ اللهُ، فَلَا يُمْكِنُنِي إِلَّا أَنْ أَشْعُرَ بِنَوْعٍ مِنَ الْخَوْفِ مِنْهُ. سَأُدْرِكُ أَنَّ حَتَّى خَوْفَ اللهِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَحْمَةٌ. لِذَلِكَ يَتَضَرَّعُ الْمُؤْمِنُونَ الصَّالِحُونَ إِلَى اللهِ أَنْ يَمْنَحَهُمُ الْخَشْيَةَ. الْخَشْيَةُ هِيَ نَوْعٌ مِنَ التَّطْعِيمِ الرُّوحِيِّ. أَنَا مُؤْمِنٌ، وَلَكِنِّي بَشَرٌ فِي آخِرِ الْمَطَافِ. يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ ضَعِيفًا أَحْيَانًا لِأَنَّ لِي نَفْسَ الْغَرَائِزِ، نَفْسَ الرَّغَبَاتِ، نَفْسَ الْمَخَاوِفِ كَأَيِّ شَخْصٍ آخَرَ. الْحَيَاةُ غَيْرُ مُتَوَقَّعَةٍ. لَا أَعْرِفُ مَا قَدْ يَحْدُثُ لِي غَدًا. قَدْ أَكُونُ ذَكِيًّا، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُنِي مَعْرِفَةُ مَا فِي أَذْهَانِ النَّاسِ الْآخَرِينَ. قَدْ أُخَانُ، قَدْ أُخْدَعُ، قَدْ أُخْذَلُ، قَدْ أُذَلُّ، قَدْ أَفْقِدُ أَشْيَاءَ أَصْبَحَتِ الْآنَ ضَرُورِيَّةً لِي. لِذَلِكَ إِذَا اعْتَمَدْتُ عَلَى قُدْرَاتِي السُّلُوكِيَّةِ، عَلَى مَهَارَاتِي فِي التَّوَاصُلِ، عَلَى فِطْنَتِي الِاسْتِثْنَائِيَّةِ (بِاخْتِصَارٍ، عَلَى مَهَارَاتِي النَّاعِمَةِ)، فَقَدْ أَجِد نَفسي مُضْطَرا إِلَى التَّعَامُلِ مَعَ أُنَاسٍ قُساةٍ خَاصَّةٍ لَا يَرْحَمُونَنِي. لَقَدْ رَأَيْنَا عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ حَتَّى مُلُوكًا وَأَبَاطِرَةً يُخَانُونَ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ خَشْيَةِ اللهِ. إِذَا خَشِيتُ اللهَ، سَأَبْذُلُ قُصَارَى جَهْدِي لِأَتَجَنَّبَ الشَّرَّ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنِّي يُمْكِنُنِي مَعَ ذَلِكَ أَنْ أَقَعَ فِي أَوْقَاتِ الضَّعْفِ. إِذَا حَدَثَ لِي شَيْءٌ سَيِّئٌ (كَعِقَابٍ إِلَهِيٍّ عَلَى ذُنُوبِي الْمَاضِيَةِ أَوِ الْحَاضِرَةِ)، فَأَنَا الضَّحِيَّةُ، لَسْتُ الْمُعْتَدِيَ. إِذَا كُنْتُ الضَّحِيَّةَ وَكُنْتُ مُؤْمِنًا جَيِّدًا، فَاللهُ يُسَاعِدُنِي رَغْمَ ذُنُوبِي الْمَاضِيَةِ. يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الْحَج: ٣٨] إِذَا كُنْتُ أَنَا الْمُعْتَدِيَ، فَإِنَّ ﴿اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٠] فَقَدْ لَا يُسَاعِدُنِي. وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْنِي، مَعَ ذَلِكَ، أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَقِفَ مَكْتُوفَ الْأَيْدِي حِينَ أُهَاجَمُ. لَدَيَّ الْخِيَارُ فِي أَنْ أَرُدَّ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُنَاسِبُنِي أَكْثَرَ. يَقُولُ اللهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٤] حِينَ أُحَاوِلُ تَجَنُّبَ الشَّرِّ، فَأَنَا أَخْشَى اللهَ، لَا النَّاسَ. هَذِهِ هِيَ التَّقْوَى. التَّقْوَى تَعْنِي أَنَّنِي أَنَا مُرَاقِبُ سُلُوكِيَ الذَّاتِيِّ. أَنَا أُرَاقِبُ أَفْعَالِي. وَهَذَا مَعْقُولٌ. هَذَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ الشَّخْصُ الْعَاقِلُ. وَاللهُ يُخَاطِبُ الْعُقَلَاءَ، الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ فِي الْقُرْآنِ "أُولِي الْأَلْبَابِ". يَقُولُ اللهُ: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الْمَائِدَة: ١٠٠]

 

حِينَ أُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ أُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ جَيِّدٌ لِي. لِمَاذَا أَعْبُدُ اللهَ فِي آخِرِ الْمَطَافِ؟ حَسَنًا، يَقُولُ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢١] ﴿وَلِتَتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٢٣] أَنَا أَعْبُدُ اللهَ أَوَّلًا كَيْ أَتَّقِيَ الشَّرَّ، أَيْ لِأَحْفَظَ تَقْوَى اللهِ، كَعَلَامَةِ امْتِنَانٍ وَتَبْجِيلٍ لَهُ. هَكَذَا أُحَرِّرُ نَفْسِي مِنْ خَوْفِ النَّاسِ وَأَصِيرُ لَطِيفًا، بِقَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ، مَعَ خَلْقِ اللهِ. بِفِعْلِي هَذَا أَتَجَنَّبُ كَثِيرًا مِنَ الْمَشَاكِلِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. بِكَوْنِي جَيِّدًا، سَيُعَانِي أَقَلُّ وَأَقَلُّ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَفْعَالِي أَوْ يَشْتَكُونَ مِنِّي أَوْ يُفَكِّرُونَ فِي إِيذَائِي، خَاصَّةً عِنْدَمَا أَكُونُ مُسْتَقِلًّا (مَالِيًّا، إِلَخ). أَحْيَانًا، يُؤْخَذُ اللُّطْفُ لِلْأَسَفِ كَعَلَامَةِ ضَعْفٍ حَتَّى مِنْ قِبَلِ الْأَقَارِبِ. وَمَعَ ذَلِكَ، بِاتِّبَاعِي هَذَا الطَّرِيقَ السِّلْمِيَّ، أَجِدُ نَفْسِي أَعِيشُ حَيَاةً سِلْمِيَّةً إِلَى حَدٍّ مَا (رَغْمَ أَذِيَّةٍ عَارِضَةٍ مِنْ بَعْضِ أَتْبَاعِ الشَّيْطَانِ خِلَالَ ابْتِلَاءَاتِي أَوْ كَعُقُوبَةٍ عَلَى ذُنُوبِي). لِذَلِكَ أَرَى فَائِدَةَ إِيمَانِي. أَرَى أَنَّ الدِّينَ جَيِّدٌ لِي. أَشْعُرُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلَامٍ، أَوْ غَسْلِ دِمَاغٍ؛ بَلْ لَهُ آثَارٌ إِيجَابِيَّةٌ مَادِّيَّةٌ عَلَى حَيَاتِي الْيَوْمِيَّةِ. فَأَشْكُرُ اللهَ عَلَى ذَلِكَ: أَنَا أَرَى، مِنْ خِلَالِ هَذَا، عَظَمَةَ اللهِ وَحِكْمَتَهُ.

 

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] هَلْ هَذَا دُعَاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الْمَائِدَة: ٩٤] هَذَا فَقَطْ مِثَالٌ عَلَى الظُّرُوفِ الَّتِي يَخْلُقُهَا اللهُ لَكَ، لِي، لِكَيْ أَقَعَ. الْقَرَارُ الْأَخِيرُ يَبْقَى بِيَدِي.

 

مِثَالٌ آخَرُ: أَنَا أَمَامَ شَيْءٍ أُحِبُّ أَنْ أَمْتَلِكَهُ لِنَفْسِي. يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْرِقَهُ دُونَ أَنْ يُلَاحَظَ ذَلِكَ أَبَدًا. الْإِغْرَاءُ قَوِيٌّ. إِذَا قَاوَمْتُ، نَجَوْتُ. إِذَا اسْتَسْلَمْتُ، أُعَرِّضُ نَفْسِي لِعِقَابِ اللهِ، لَا لِعِقَابِ أَيِّ إِنْسَانٍ. فِي الْقُرْآنِ نَقْرَأُ: ﴿... وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ...﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٢]

 

إِذَنْ، إِذَا فَشِلْتُ فِي الِاخْتِبَارِ وَأَذْنَبْتُ فَسَأُعَاقَبُ. عُقُوبَتِي سَتَقُودُنِي عَلَى أَمَلٍ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى طَرِيقِ اللهِ. بِذَلِكَ يَبْقَى اللهُ فِي بَالِي دَائِمًا. بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ يَخْشَوْنَ مِثْلَ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ. لَا يُرِيدُونَ أَنْ يُذْنِبُوا أَبَدًا. لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَرْتَكِبُوا أَفْعَالًا شَنِيعَةً. وَلَكِنْ هُنَاكَ أُنَاسٌ آخَرُونَ يَخْشَوْنَ الْخَطَرَاتِ، لَا الْعَثَرَاتِ فَقَطْ؛ لَا يُرِيدُونَ حَتَّى أَنْ يُفَكِّرُوا فِي ارْتِكَابِ أَدْنَى ذَنْبٍ! هَذِهِ هِيَ دَرَجَةُ الْوِلَايَةِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الْكَهْف: ٤٤] ذَلِكَ هُوَ رَأْسُ الْهَرَمِ، إِذَا شِئْتَ. يَقُولُ اللهُ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٧٤] أُولَئِكَ هُمُ النَّاسُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْدُمُوا اللهَ عِوَضًا عَنِ انْتِظَارِ أَنْ يَخْدُمَهُمُ اللهُ. لِذَلِكَ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ دَرَجَةً خَاصَّةً فِي الْجَنَّةِ. يَقُولُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الْوَاقِعَة: ١٠-١٢] ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرَّحْمَٰن: ٦٠]

 

هَلْ تِلْكَ "مَجْمُوعَةٌ مُغْلَقَةٌ"؟ يَقُولُ الْقُرْآنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الْوَاقِعَة: ١٠-١٤] يَقُولُ اللهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأ: ١٣] كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ شَكُورًا، "عَبْدًا شَكُورًا" [الْإِسْرَاء: ٣]؟ هُنَاكَ مِثَالٌ وَاضِحٌ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٣] وَلَكِنَّ ذَاكَ نَبِيٌّ. أَنَا لَسْتُ نَبِيًّا. كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ مِثْلَهُ؟ يَقُولُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلِتَتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٢٣] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الْفُرْقَان: ٦٢] ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٨] ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَان: ٢-٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٢٠٠] كَمْ مِنَ النَّاسِ مُسْتَعِدٌّ لِفِعْلِ ذَلِكَ؟ لَا عَجَبَ أَنْ يَقُولَ اللهُ: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأ: ١٣] ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الْمُلْك: ٢٣]

 

إِذَا لَمْ أَسْتَطِعِ الصَّبْرَ حِينَ أَفْقِدُ شَيْئًا وَاحِدًا، كَيْفَ يُمْكِنُنِي شُكْرُ اللهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا سَلَفًا؟ إِنَّهَا مَسْأَلَةُ إِيمَانٍ (بِاللَّهِ) وَعَقِيدَةٍ (نِيَّةٍ). يَقُولُ اللهُ: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٧] ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٨] لِذَلِكَ يَقُولُ اللهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لُقْمَان: ٣١] هَؤُلَاءِ النَّاسُ الصَّابِرُونَ الشَّكُورُونَ لَا يَشْكُونَ الْقَدَرَ. لَا يُرِيدُونَ حَيَاةً سَهْلَةً مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ. هُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِلِابْتِلَاءَاتِ وَالتَّضْحِيَاتِ. وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي، مَعَ ذَلِكَ، أَنَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ أَنْ يَمَسَّهُمْ بِالضُّرِّ وَالشِّدَّةِ. هُمْ فَقَطْ سَيَصْبِرُونَ وَيَشْكُرُونَ بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَحْدُثُ لَهُمْ.

 

يُذْكَرُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْقُرْآنِ قَائِلًا: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النَّمْل: ٤٠] إِذَا كُنْتُ مُؤْمِنًا جَيِّدًا، يَنْبَغِي أَنْ أَعْرِفَ أَنَّهُ مِنَ الطَّبِيعِيِّ فَقَطْ أَنْ أَشْكُرَ اللهَ. وَإِلَّا فَلِمَاذَا أُؤْمِنُ بِهِ؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النَّحْل: ١١٤] وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ. وَأَيْضًا: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزُّمَر: ٧] الشُّكْرُ فَضِيلَةٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ اللهُ يُرِيدُنَا أَنْ نَتَحَلَّى بِالْفَضَائِلِ، لَا بِالرَّذَائِلِ. حِينَ يَقُولُ اللهُ: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣] فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لِمَاذَا تُؤْمِنُونَ إِذَا كُنْتُمْ لَا تَشْكُرُونَنِي؟

 

مَرَّةً أُخْرَى وَمَرَّةً أُخْرَى، إِنَّهَا مَسْأَلَةُ إِيمَانٍ (نِيَّةٍ). لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُؤْمِنَ بِاللهِ "إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ". وَلَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ خَيْرًا "إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ". يَقُولُ اللهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ ۚ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الْإِنْسَان: ٣٠] لَيْتَ لِي حُسْنَ الظَّنِّ فَقَطْ! يَقُولُ اللهُ لِي: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٨] فَلْنَقُلْ إِذَنْ نَعَمْ. وَبَعْدَ ذَلِكَ يُسَاعِدُنِي اللهُ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَفِعْلِ الْخَيْرِ فِي سَبِيلِهِ، وَشُكْرِهِ... يَقُولُ اللهُ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فَاطِر: ٣٢] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النُّور: ٢١] لِذَلِكَ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ الصَّالِحُونَ (كَمَا فِي الْحَدِيثِ): «اللهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]

 

كَمَا قُلْتُ سَلَفًا، اللهُ يُخَاطِبُ "أُولِي الْأَلْبَابِ" [الْمَائِدَة: ١٠٠]، النَّاسَ (رِجَالًا وَنِسَاءً) الَّذِينَ يَسْتَخْدِمُونَ عُقُولَهُمْ لِيَرَوْا مَا هُوَ جَيِّدٌ لَهُمْ. اللهُ لَا يَحْتَاجُ شُكْرِي. هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُشْكَرَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ. إِذَا كُنْتُ شَكُورًا لِلَّهِ، فَهُوَ أَيْضًا شَكُورٌ. يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٧] وَ ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التَّوْبَة: ١٠٤]، وَفِي مَعْنَى الشُّكْرِ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [الْبُرُوج: ١٤] وَفِي مَعْنَى الْمُجَازَاةِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الْأَنْعَام: ١٦٥] وَلَكِنِ الْآيَةُ الَّتِي تَذْكُرُ الْمُقَابَلَةَ صَرَاحَةً هِيَ: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٧] إِنَّهَا عَلَاقَةُ "حُبٍّ" مُتَبَادَلَةٌ. أَنَا أَهْتَمُّ بِاللهِ، يَهْتَمُّ بِي. لَيْسَ لِي مَا أُعْطِيهِ لِلَّهِ، لَدَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ لِيُعْطِيَنِي إِيَّاهَا.

 

لِتَبْسِيطِ الْأُمُورِ، لِنَتَخَيَّلْ صَدَاقَةً بَيْنَ إِمْبِرَاطُورٍ عَظِيمٍ وَبُسْتَانِيِّهِ. الْإِمْبِرَاطُورُ يُظْهِرُ حَنَانًا وَكَرَمًا تُجَاهَ الْبُسْتَانِيِّ. يَحْمِيهِ وَيَمْنَحُهُ بَعْضَ الطُّمَأْنِينَةِ. الْبُسْتَانِيُّ، مِنْ جِهَتِهِ، يُظْهِرُ احْتِرَامًا كَامِلًا، وَوَلَاءً ثَابِتًا، وَحَتَّى حُبًّا رَاسِخًا لِسَيِّدِهِ. هَذِهِ الصُّورَةُ مُبَسَّطَةٌ جِدًّا حَتَّى تُبَسِّطَ قَلِيلًا وَلَوْ قَلِيلًا الْعَلَاقَةَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَاللهِ. وَلَكِنَّ لَهَا عَلَى الْأَقَلِّ فَضْلَ مُسَاعَدَتِنَا عَلَى فَهْمِ أَنَّ الْإِمْبِرَاطُورَ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُوَفِّرَ الْحِمَايَةَ وَأَنَّ الْبُسْتَانِيَّ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرَ مُحْتَرِمٍ نَحْوَ سَيِّدِهِ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ. مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي أُقِرُّ فِيهَا بِأَنَّ اللهَ سَيِّدِي، الرَّبُّ، وَأَنَّنِي أَخْضَعُ لَهُ، بِكُلِّ الِاحْتِرَامِ الْوَاجِبِ لَهُ، فَأَنَا مُؤَهَّلٌ لِلطُّمُوحِ إِلَى حِمَايَتِهِ. حَتَّى الْقُرْآنُ يَتَحَدَّثُ عَنْ "تِجَارَةٍ" بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالرَّبِّ. أَنَا أُوَفِّي بِجَانِبِي مِنَ الْعَهْدِ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ لِي، لِلْجَمِيعِ: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٤٠] ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التَّوْبَة: ١١١]

 

بِالْخُضُوعِ لِمَشِيئَةِ اللهِ، سَأُقَدِّمُ حَتْمًا تَضْحِيَاتٍ، وَالَّتِي يَنْبَغِي، مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأ، أَنْ تُكَافَأَ وَعِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ بِجَزَاءٍ عَادِلٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَيْسَ لِأَنِّي فَعَلْتُ مَا طَلَبَهُ اللهُ مِنِّي أَنِّي أَسْتَحِقُّ هَذَا الْجَزَاءَ. لَقَدْ أَعْطَانِي كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ سَلَفًا! الْحَيَاةُ الَّتِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ. عَيْنٌ وَاحِدَةٌ أَوْ ذِرَاعٌ وَاحِدَةٌ أَوْ سَاقٌ وَاحِدَةٌ أَعْطَانِي إِيَّاهَا لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ. لَقَدْ أَعْطَانِي كُلَّ هَذَا وَأَكْثَرَ دُونَ أَنْ أَطْلُبَ مِنْهُ. وَعَلَى قِمَّةِ ذَلِكَ هُنَاكَ بُونُصٌ: الْجَنَّةُ. كُلُّ شَخْصٍ سَيَكُونُ مُؤَهَّلًا طَبِيعِيًّا لِلْجَنَّةِ لَوْلَا أَنَّ هُنَاكَ نَوْعًا مِنَ الْمُنَافَسَةِ. أَنَا أُرِيدُ الْجَنَّةَ؟ حَسَنًا، أَبْذُلُ جَهْدًا لِأَجْلِهَا!

 

إِذَنْ، بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الشُّكْرِ هُوَ تَعْبِيرٌ عَنِ الْحُبِّ، كَمَا أَنَّ مُسَاعَدَةَ الْآخَرِينَ هِيَ مَنْحُهُمْ فُرْصَةً لِيُحِبُّوا اللهَ هُمْ أَيْضًا. اللهُ لَا يُرِيدُنِي أَنْ أُؤْمِنَ بِهِ مُجَرَّدَ طِيبَةٍ. يُرِيدُنِي أَنْ أُؤْمِنَ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ. يُرِيدُنِي أَنْ أُؤْمِنَ بِهِ لِأَسْتَعِدَّ لِلِقَائِهِ، لِأَسْتَعِدَّ "لِعَوْدَتِي" إِلَى الْجَنَّةِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الْكَهْف: ١١٠]

 

مَا الْبَدِيلُ، أَتَسَاءَلُ؟ إِمَّا اللهُ وَإِمَّا الشَّيْطَانُ. عَلَيَّ أَنْ أَخْتَارَ. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ [النِّسَاء: ١١٩] نَعَمْ، لَا يُمْكِنُنِي رُؤْيَةُ الشَّيْطَانِ فِي الشَّارِعِ. وَلَكِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٧] اللهُ (الَّذِي خَلَقَ الشَّيْطَانَ) يَقُولُ أَيْضًا: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الْكَهْف: ٥٠] هَلْ سَأَخْتَارُ عَدُوًّا صَدِيقًا؟ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ. اللهُ حَتَّى يَتَحَدَّثُ عَنْ "شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا" [الْأَنْعَام: ١١٢] كَيْفَ يُمْكِنُنِي مَعْرِفَةُ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ "مَلَكٌ" وَهَذَا "شَيْطَانٌ"؟ أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى نُورٍ خَاصٍّ لِأُمَيِّزَ هَذَا مِنْ ذَاكَ. يَقُولُ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الْحَدِيد: ٢٨] ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النِّسَاء: ١١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١٤-١٥] كَيْفَ يُمْكِنُنِي "أَنْ أَحْذَرَهُمْ" أَوْ أَحْذَرَ أَيَّ شَخْصٍ آخَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ هَذَا "النُّورُ الْخَاصُّ" مِنَ اللهِ؟ كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا جَيِّدًا إِذَا لَمْ يُسَاعِدْنِي اللهُ عَلَى رُؤْيَةِ ذَلِكَ النُّورِ؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النُّور: ٤٠] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ٨٣] كَمُؤْمِنٍ، أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى فَضْلِ اللهِ ذَلِكَ. وَبَعْدَ ذَلِكَ، كُلُّ عَمَلِي -كَمُؤْمِنٍ مَرَّةً أُخْرَى- لَنْ يَسَاوِي شَيْئًا إِذَا لَمْ يَقْبَلْهُ اللهُ. ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الْمَائِدَة: ٢٧] ﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٧٦]

  

16

.

اَللّٰهُ ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الْجِنّ: ٣] اَللّٰهُ لَيْسَ لَهُ أُسْرَةٌ. هُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِمْ. وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ تُحِبَّهُ زَوْجَةٌ أَوْ يُعِينَهُ ابْنٌ. وَإِلَّا لَمَا كَانَ إِلَهًا. إِنَّ أَفْضَلَ زَوْجَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُقَهَا لِنَفْسِهِ، أَوْ أَفْضَلَ وَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِنَفْسِهِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إِمَّا بِمِثْلِ كَمَالِهِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ. وَلَكِنْ لِمَاذَا يَكُونُ لِلَّهِ في حَضْرَتِهِ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ؟ مَا الفائِدة مِن ذٰلِكَ؟ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِثْلُ اللهِ أَوْ أَفْضَلُ مِنَ اللهِ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَقَلَّ كَمَالًا مِنَ اللهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورَىٰ: ١١] وَانْتَهَىٰ الْأَمْرُ. لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إِلَّا اللهُ، مِنْ جِهَةٍ، وَمَلَكُوتُ اللهِ، مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىٰ. وَبَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [الْقَصَص: ٦٨] لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩١] ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٤٢] اُنْظُرْ إِلَى مَا فَعَلَهُ الْإِنْسَانُ، هَذَا الْمَخْلُوقُ الضَّعِيفُ الْفَانِي، ضِدَّ اللهِ فِي الْأَرْضِ؛ فَمَا بَالُكَ لَوْ أَحَاطَ اللهُ نَفْسَهُ بِآلِهَةٍ أُخْرَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ؟ هَلْ كَانَ أَيُّ مَلِكٍ عَاقِلٍ لِيَقْبَلَ أَنْ يَكُونَ حَوْلَهُ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ أَوْ يَنْقُضَ مَا يَنْقُضُ؟ لَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ حَكِيمٍ مِنْهُ. لَقَدْ رَأَيْنَا مَا حَدَثَ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ بَيْنَ الْمُلُوكِ وَآبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ. يَقُولُ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشُّورَىٰ: ٥١] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ۗ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الْفُرْقَان: ٥٥] اللهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ كُلَّ عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الْحَجّ: ٦٤] إِذَنْ، مَلَكُوتُ اللهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْكُمَهُ إِلَّا اللهُ. وَلَكِنَّ اللهَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْقُوَّةِ فَقَطْ. مَعَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْقُوَّةَ سَيَسْتَخْدِمُ اللهُ الْقُوَّةَ لِأَنَّهُ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٦] لِلَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْحُبَّ سَيُخَصِّصُ اللهُ الْحُبَّ لِأَنَّهُ ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هُود: ٩٠] قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "قُدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى، إِذْ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ، فَأَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] نَحْنُ جَمِيعًا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَطَرَ، وَهُوَ هِبَةٌ مِنَ اللهِ، لَا يَسْقُطُ حَيْثُ يُعْبَدُ اللهُ فَقَطْ. يَقُولُ اللهُ: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٢٠] ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٧] هَذَا "الْبَلَدُ الْمَيِّتُ" يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي أَيِّ مَكَانٍ فِي الْعَالَمِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٣] نَحْنُ نَعْلَمُ الْآنَ أَنَّهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ تَقْرِيبًا فِي الْعَالَمِ يُوجَدُ عَلَى الْأَقَلِّ شَخْصٌ أَوِ اثْنَانِ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، اللهُ مُسْتَعِدٌّ أَنْ يَرْزُقَ جَمِيعَ النَّاسِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ حَيْثُ يَسْكُنُ. لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ سَيَحْتَاجُ أَنْ يَأْكُلَ، وَيَلْبَسَ ثِيَابًا، وَيَسْتَخْدِمَ وَسَائِلَ النَّقْلِ، وَيَمْتَلِكَ مَنْزِلًا، إِلَخ، وَكُلُّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بِهِ وَحْدَهُ. سَيَحْتَاجُ إِلَى أُنَاسٍ يَزْرَعُونَ لَهُ، أُنَاسٍ يَصْنَعُونَ لَهُ الْمَلَابِسَ، أُنَاسٍ يَبْنُونَ لَهُ مَنْزِلًا، إِلَخ، إِلَخ. جَمِيعُ النَّاسِ سَيَأْكُلُونَ نَفْسَ الْأَشْيَاءِ تَقْرِيبًا، وَيَسْتَخْدِمُونَ نَفْسَ وَسَائِلِ النَّقْلِ، وَيَسْكُنُونَ نَفْسَ نَوْعِ الْمَنَازِلِ تَقْرِيبًا، إِلَخ، وَلَكِنْ فِي هَذَا الْعَالَمِ فَقَطْ. فِي الْآخِرَةِ لَنْ يَمْتَلِكَ الْأَشْيَاءَ الْجَيِّدَةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ. لِذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُخَالِفِ لِلْإِسْلَامِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ الْمُسْلِمُ الْجَيِّدُ بِالْأَشْيَاءِ الْجَيِّدَةِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ. يَقُولُ اللهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٣٢] لِذَلِكَ رَزَقَ اللهُ آبَاءَنَا الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. رَزَقَهُمُ الطَّعَامَ، وَالسَّكَنَ، وَكُلَّ شَيْءٍ. جَعَلَ الْحُبَّ يَجْعَلُهُمْ يَشْعُرُونَ بِشُعُورٍ رَائِعٍ لِتَشْجِيعِهِمْ عَلَى الزَّوَاجِ، وَإِعَالَةِ الْعَائِلَةِ، وَتَحْضِيرِ الْأَجْيَالِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. لِذَلِكَ حِينَ قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ، لَوْ شَاءَ، يَسْتَطِيعُ اللهُ أَنْ يُهْلِكَ أَهْلَ الطَّائِفِ، الَّذِينَ أَسَاءُوا مُعَامَلَتَهُ، قَالَ: «لَا، بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ] هَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَفْعَلُ كُلَّ هَذَا وَيَتَحَمَّلُ كُلَّ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُعْبَدَ، إِلَى أَنْ يُحَبَّ؟ حَسَنًا، لَقَدْ مَضَى عَلَى وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، وَلَا تَزَالُ رِسَالَتُهُ يُشَارِكُهَا النَّاسُ بِكَثِيرٍ مِنَ اللُّغَاتِ، يُشَارِكُهَا أُنَاسٌ ذَاقُوا حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أُنَاسٌ يُحِبُّونَ اللهَ.

 

بَيْنَمَا أَعِيشُ يَوْمًا جَدِيدًا، أَكْسَبُ شَيْئًا وَأَخْسَرُ شَيْئًا آخَرَ، أَقَلُّهَا أَيَّامِيَ الْمَاضِيَةُ الَّتِي ذَهَبَتْ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ وَلَنْ تَعُودَ أَبَدًا. حَيْثُمَا أَنْظُرُ أَرَى عَلَامَاتٍ عَلَى أَنِّي سَأُغَادِرُ هَذَا الْعَالَمَ يَوْمًا مَا. أَرَى أَطْفَالًا رُضَّعًا سَيَكُونُونَ فِي سِنِّي حِينَ أَكُونُ قَدْ رَحَلْتُ. أَرَى شَبَابًا يُذَكِّرُونَنِي بِأَنِّي كُنْتُ فِي شَبَابِهِمْ وَلَسْتُ كَذَلِكَ الْآنَ. أَرَى شُيُوخًا كِبَارًا فِي السِّنِّ وَلَسْتُ مُتَأَكِّدًا أَنِّي سَأَعِيشُ كَمَا عَاشُوا. أَرَى نَبَاتَاتٍ تَدُومُ بِضْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَشْجَارًا عُمْرُهَا أَكْثَرُ مِنْ ١٠٠ عَامٍ. كُلُّ هَذَا يُذَكِّرُنِي بِأَنِّي سَأَرْحَلُ عَاجِلًا أَمْ آجِلًا. فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، حِينَ أُؤَدِّي صَلَوَاتِي خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَأَقْرَأُ بَعْضَ الْقُرْآنِ، وَأَفْعَلُ بَعْضَ الْخَيْرِ، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، أَشْعُرُ بِأَنَّنِي نَوْعًا مَا أَسْتَثْمِرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْمَارَ يَنْبَغِي أَنْ يُثْمِرَ عِنْدَ مَوْتِي. أَشْعُرُ أَنَّ حَيَاتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خَالِدَةٌ مُنْذُ أَنْ خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي. يَقُولُ اللهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ﴾ [الدُّخَان: ٥٦] هَذَا يَمْنَحُنِي الْأَمَلَ.

 

فِي الْقُرْآنِ أَقْرَأُ: ﴿... يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [الْمَائِدَة: ٥٤] مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ حَسَنًا، إِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ، لِمَ لَا، يُمْكِنُ لِلَّهِ أَنْ يُحِبَّنِي أَنَا أَيْضًا. وَهَذَا شَيْءٌ كُنْتُ لَأُحِبَّهُ كَثِيرًا. وَلَكِنْ كَيْفَ أَعْرِفُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّنِي؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الْفَجْر: ١٥-١٦] لَرُبَّمَا أَفْتَرِضُ أَنَّهُ إِذَا أَعْطَانِي اللهُ كُلَّ مَا أُرِيدُ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ يُحِبُّنِي. وَلَكِنْ مَا الْعَلَامَةُ عَلَى أَنِّي أَنَا أُحِبُّهُ؟ لِمَاذَا يُحِبُّنِي اللهُ إِذَا لَمْ أُحِبَّهُ أَنَا فِي الْمُقَابِلِ؟ هَلْ أَنَا "أَحْسَنُ عَمَلًا"؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الْحُجُرَات: ١٣] وَيَقُولُ اللهُ أَيْضًا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التِّين: ٤] ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لُقْمَان: ٢٠] ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٨] إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَنْطَبِقُ عَلَيَّ أَنَا أَيْضًا، فَمَاذَا أَعْطَيْتُ اللهَ فِي الْمُقَابِلِ؟ حِينَ يُعْطِينِي شَخْصٌ مَا شَيْئًا، أَقُولُ شُكْرًا. هَلْ شَكَرْتُ اللهَ عَلَى جَمِيعِ هِبَاتِهِ؟ كَيْفَ؟ هَلْ لِي عَلَاقَةٌ خَاصَّةٌ مَعَ اللهِ، عَلَاقَةٌ أَفْضَلُ، أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ عَلَاقَتِي مَعَ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٥] ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [الزُّمَر: ٢٣] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الْأَنْفَال: ٢-٤] ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٠٠] هَلْ أَنَا بَيْنَ الَّذِينَ يَعْنِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتُ؟ حِينَ أُرِيدُ أَنْ أُذْنِبَ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، هَلْ أَخْفَى عَنِ اللهِ أَمْ عَنِ النَّاسِ؟ هَلْ أَخْشَى اللهَ أَمْ أَخْشَى النَّاسَ؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿... فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النِّسَاء: ٧٧] ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ [النِّسَاء: ١٠٨] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فَاطِر: ٢٨] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ ۚ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٠٧] هَلْ أَهْتَمُّ حَقًّا "بِمَرْضَاةِ اللهِ"؟ هَلْ أَخْشَى اللهَ حَقًّا؟ هَلْ أُحِبُّ اللهَ حَقًّا؟ يَقُولُ اللهُ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٣١] هَلْ أَتَّبِعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ هَلْ أَسْأَلُ نَفْسِي مِثْلَ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ حِينَ أَكُونُ بِخَيْرٍ أَمْ فَقَطْ حِينَ أَكُونُ بَائِسًا؟ مَاذَا أَفْعَلُ حِينَ أَكُونُ بَائِسًا؟ هَلْ أَلْجَأُ إِلَى اللهِ أَمْ أَعْرِضُ عَنْهُ؟ هَلْ أَتَضَرَّعُ إِلَى اللهِ أَنْ يَغْفِرَ لِي وَيُسَاعِدَنِي أَمْ أُحَاوِلُ بِكُلِّ السُّبُلِ أَنْ أُغَيِّرَ قَدَرِي؟ وَقَبْلَ كُلِّ هَذَا وَذَاكَ، هَلْ أَنَا مُؤْمِنٌ جَيِّدٌ؟ هَلْ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ» -أَوْ قَالَ «لِجَارِهِ»- «مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]

 

مَاذَا أُحِبُّ لِنَفْسِي؟ النَّاسُ الْبَالِغُونَ يَطْمَحُونَ عُمُومًا إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الِاسْتِقْلَالُ الْمَالِيُّ، وَالزَّوَاجُ، وَالصِّحَّةُ الْجَيِّدَةُ. مَاذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ؟ مَاذَا لَوْ كُنْتُ عَاطِلًا عَنِ الْعَمَلِ، أَعْزَبًا، وَمَرِيضًا؟ مَاذَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ؟ لَيْسَ كَثِيرًا عَلَى مَا يَبْدُو. كُلُّ مَا يُمْكِنُنِي فِعْلُهُ هُوَ أَنْ أَعِيشَ مَعَ ذَلِكَ وَأَتَقَبَّلَهُ وَأَنْتَظِرَ الْخَلَاصَ -مِثْلَ شَخْصٍ بِلَا مَأْوَىٰ لَا يَسْتَطِيعُ الْعُثُورَ عَلَى مَلْجَإٍ. "إِذَا عَمِلْتَ بِجِدٍّ سَتَنْجَحُ" لَا تَنْجَحُ دَائِمًا. وَإِلَّا لَكَانَ جَمِيعُ الْمُشَرَّدِينَ، جَمِيعُ الْعَاطِلِينَ عَنِ الْعَمَلِ... كُسَالَى. وَلَكِنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. قَدْ يُعَانِي الْمَرْءُ حَوَادِثَ عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ. لِنَفْتَرِضْ أَنِّي كُنْتُ مُتَزَوِّجًا وَلِي وَلَدَانِ رَائِعَانِ وَزَوْجٌ مُحِبٌّ، هَلْ كُنْتُ سَأَعْرِفُ مَا قَدْ يَحْدُثُ لِي أَوْ لَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْقَرِيبِ؟ وَالْآنَ، هَذِهِ حِكَايَةٌ. إِنَّهَا فِي الْقُرْآنِ. ﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾ [الْكَهْف: ٧٤-٧٦] كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبِيًّا وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرَى الْجَدْوَى مِنْ قَتْلِ "غُلَامٍ زَكِيٍّ". كُنْتَ أَنْتَ وَأَنَا لَيَكُونُ لَنَا نَفْسُ رَدِّ الْفِعْلِ. حَتَّى بَعْدَ قِرَاءَةِ تَبْرِيرِ قَتْلِ الْغُلَامِ سَيَظَلُّ الْمَرْءُ يَتَسَاءَلُ: لِمَاذَا لَمْ يُعْطِ اللهُ ذَيْنِكَ الْوَالِدَيْنِ الصَّالِحَيْنِ الطِّفْلَ الصَّالِحَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟ حَسَنًا، لَرُبَّمَا كَانَا لَيَعْتَبِرَانِ ذَلِكَ أَمْرًا مُسَلَّمًا بِهِ، مِثْلَمَا أَعْتَبِرُ أَنَا الْأَمْرَ مُسَلَّمًا بِهِ حِينَ أَرْكَبُ الْقِطَارَ، حِينَ أَشْعِلُ الضَّوْءَ، حِينَ أُشَغِّلُ التِّلْفَازَ، حِينَ أَذْهَبُ إِلَى الْعَمَلِ، حِينَ أَتَلَقَّى مُكَالَمَةً مِنْ شَخْصٍ عَزِيزٍ... هَلْ أَشْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الرَّاحَةِ؟ مَاذَا لَوْ خَسِرْتُ هَذِهِ الرَّاحَةَ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا؟ مَاذَا لَوْ خَسِرْتُ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ عَزِيزًا جِدًّا عَلَيَّ؟

 

لَعَلَّ تِلْكَ الْخَسَارَةَ الْكَبِيرَةَ -أَقُولُ: لَعَلَّ - تُقَرِّبُنِي إِلَى رَبِّي، حَتَّى أُفَكِّرَ بِجِدٍّ أَكْبَرَ لَا فِي رَاحَتِي الْمَادِّيَّةِ، وَلَا فِي رِعَايَتِي الصِّحِّيَّةِ، وَلَا فِي يُسْرِي الْمَالِيِّ فِي هٰذِهِ الدُّنْيَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا فِي خَلَاصِي. مَاذَا تُفَضِّلُ: أَنْ تَجِدَ عَمَلًا بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْبَطَالَةِ، أَمْ أَنْ تَصِلَكَ رِسَالَةٌ لَطِيفَةٌ مِنْ شَخْصٍ كُنْتَ تُحِبُّهُ كَثِيرًا وَظَنَنْتَ أَنَّهُ قَدْ نَسِيَكَ تَمَامًا؟ كَيْفَ سَتَشْعُرُ عِنْدَمَا تَقْرَأُ تِلْكَ الرِّسَالَةَ غَيْرَ الْمُتَوَقَّعَةِ، أَوْ عِنْدَمَا تَتَلَقَّى مُكَالَمَةً مُفَاجِئَةً مِنْ ذٰلِكَ الشَّخْصِ الْعَزِيزِ؟ إِذَا فَكَّرْنَا فِي الْأَمْرِ، فَهٰذَا لَيْسَ شَيْئًا يُذْكَرُ مُقَارَنَةً بِمَا يَحْدُثُ عِنْدَمَا يُنْزِلُ اللَّهُ الْمَطَرَ بَعْدَ جَفَافٍ شَدِيدٍ، أَوْ عِنْدَمَا يُطْفِئُ نَارَ حَرْبٍ مُهْلِكَةٍ، أَوْ عِنْدَمَا يُعِينُ إِنْسَانًا عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَرِيبًا جِدًّا مِنَ السِّجْنِ. تِلْكَ فُرْصَتُنَا لِنَشْعُرَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ. تِلْكَ فُرْصَتُنَا لِنَتَلَذَّذَ وَنُقَدِّرَ تِلْكَ الْمَحَبَّةَ مِنْ رَبِّنَا، رَبِّ الْعَالَمِينَ. النَّاسُ يَفْتَخِرُونَ بِالْتِقَاطِ صُوَرِ «السِّيلْفِي» مَعَ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ، فَمَاذَا عَنْ مَحَبَّةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟

 

هٰذِهِ تَجَارِبُ شَخْصِيَّةٌ. مَا يَحْدُثُ لِي يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لِغَيْرِي بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَأَنَا أَيْضًا أَحْتَاجُ إِلَى فَهْمِ أُمُورٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَهَا الْعَقْلُ وَحْدَهُ. لِذٰلِكَ أَحْتَاجُ إِلَى التَّجْرِبَةِ الشَّخْصِيَّةِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ تَجَارِبِ النَّاسِ الْآخَرِينَ أَيْضًا.

 

رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ شَاةً فَوَزَّعَ أَكْثَرَ لَحْمِهَا، ثُمَّ قَالَ: مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ فَقُلْتُ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا. فَقَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا إِلَّا كَتِفَهَا». كَيْفَ يُمْكِنُ لَكَ وَلِيَ أَنْ نَفْهَمَ هٰذَا بِمَنْطِقِنَا؟ لَقَدْ أَكَلَ الْفُقَرَاءُ الشَّاةَ، وَلَمْ يَبْقَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ إِلَّا ذٰلِكَ الْكَتِفُ: هٰذَا هُوَ الْمَنْطِقُ، هٰذَا هُوَ الْعَقْلُ. وَلٰكِنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَنْطِقًا آخَرَ؛ فَقَدْ كَانَ يَرَى مَنْطِقَ اللَّهِ. نَحْنُ الْبَشَرَ، عِنْدَمَا نَفْقِدُ شَيْئًا، يَصْعُبُ عَلَيْنَا أَنْ نُفَكِّرَ فِي بَدَلٍ أَوْ تَعْوِيضٍ لَا نَرَاهُ بِأَعْيُنِنَا.

 

نَحْنُ الْبَشَرَ سَنَظَلُّ نَطْرَحُ أَسْئِلَةً عَقْلِيَّةً مِثْلَ: لِمَاذَا أَعْطَى اللَّهُ النَّبِيَّيْنِ نُوحًا وَلُوطًا زَوْجَتَيْنِ سَيِّئَتَيْنِ، وَأَعْطَى الطَّاغِيَ فِرْعَوْنَ زَوْجَةً صَالِحَةً لَمْ يَسْتَحِقَّهَا؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي زَوْجَةِ فِرْعَوْنَ زَوْجَةً لَهُ، وَلٰكِنْ أَيْضًا أُمًّا مُتَبَنِّيَةً لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقْتَلَ لَوْلَا ذٰلِكَ؟

 

يُخْبِرُنَا الْقُرْآنُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَدًا حَتَّى بَلَغَ سِنًّا كَبِيرَةً. ثُمَّ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُ وَلَدًا وَكَبِرَ قَلِيلًا، أَمَرَهُ اللَّهُ فِي رُؤْيَا أَنْ يُضَحِّيَ بِهِ. مَنْ لَا يَمْلِكُ إِيمَانًا فِي قَلْبِهِ قَدْ لَا يَرَى فِي ذٰلِكَ إِلَّا نَوْعًا مِنَ الْقَسْوَةِ. وَلٰكِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَابْنَهُ نَسِيَا كُلَّ مَا عَانَيَاهُ مِنْ أَلَمٍ عِنْدَمَا رَأَيَا الْهَدِيَّةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا الْمَلَائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. هُوَ كَمَا لَوْ صَفَعْتَ ابْنَكَ الصَّغِيرَ أَوْ أَخَاكَ الصَّغِيرَ لِسَبَبٍ مَا، ثُمَّ أَعْطَيْتَهُ هَدِيَّةً مُفَاجِئَةً: الصَّفْعَةُ مُؤْلِمَةٌ، وَلٰكِنَّ الْهَدِيَّةَ تَجْعَلُهُ يَنْسَاهَا، لِأَنَّكَ أَعْطَيْتَهُ إِشَارَةً أَنَّكَ تُحِبُّهُ وَلَمْ تُرِدْ بِهِ سُوءًا. وَكَذٰلِكَ لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُقَدَّسِ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَفْعَلُونَ ذٰلِكَ لَا خَوْفًا مِنَ النَّاسِ، بَلْ لِإِرْضَاءِ اللَّهِ وَلِنَفْعِ صِحَّتِهِمْ.

 

لِمَاذَا فَعَلَ اللَّهُ ذٰلِكَ بِإِبْرَاهِيمَ، وَلِمَاذَا أَمَرَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِابْنِهِ الْوَحِيدِ؟ لَا نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَخْتَلِقَ تَفْسِيرًا. عِنْدَمَا يَأْمُرُنِي اللَّهُ - كَمُؤْمِنٍ - بِشَيْءٍ، فَعَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَهُ، وَلَا أَسْأَلُ لِمَاذَا. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. وَيَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ؛ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. لَا أَحَدَ يَطْلُبُ مِنْ مَلِكٍ أَنْ يُبَرِّرَ أَمْرَهُ. اللَّهُ هُوَ الْمَلِكُ، رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَهٰذَا هُوَ الأَمْرُ. آدَمُ، لَا تَقْرَبْ تِلْكَ الشَّجَرَةَ. هٰذَا هُوَ الأَمْرُ. لَا تَقْرَبْهَا. وَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. فَلَا تَتَجَاوَزْ مَا أُمِرْتَ بِهِ. وَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. هٰذَا هُوَ الأَمْرُ: لَا تَصْطَادُوا فِي الْبَرِّ. لَا تَسْأَلُوا الأَسْئِلَةَ. لَعَلَّ هُنَاكَ أَسْرَارًا لَا أَعْرِفُهَا، وَلَعَلَّ اللَّهَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُطْلِعَنِي عَلَيْهَا. فَعَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ مَا أُمِرْتُ بِهِ. مَنْ أَنَا حَتَّى أُطْلِعَ عَلَى سِرِّ اللَّهِ؟ يَجِبُ أَنْ أَحْتَرِمَ الْمَسَافَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَبِّي، كَمَا أَحْتَرِمُ الْمَسَافَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ رُؤَسَائِي فِي الْعَمَلِ. يَجِبُ أَنْ أُظْهِرَ لِرَبِّي أَنَّهُ حَقًّا رَبِّي، وَأَنْ أُظْهِرَ لَهُ مَحَبَّتِي بِطَاعَةِ أَوَامِرِهِ أَيًّا كَانَتْ. لَا أَسْأَلُ لِمَاذَا يَأْخُذُ الذَّكَرُ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ؛ فَهٰذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِي. وَلَا أَسْأَلُ لِمَاذَا لَا تُصَلِّي الْمَرْأَةُ وَلَا تَصُومُ أَثْنَاءَ الْحَيْضِ. اللَّهُ لَمْ يُلْزِمْنِي بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ إِذَا كُنْتُ مَرِيضًا؛ بَلْ أَذِنَ لِي بِالتَّيَمُّمِ إِذَا لَمْ أَجِدِ الْمَاءَ أَوْ لَمْ أَسْتَطِعِ اسْتِعْمَالَهُ، وَأَذِنَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ مُضْطَجِعًا عَلَى جَنْبِي إِذَا كُنْتُ مَرِيضًا، وَأَذِنَ لِي أَنْ أُؤَخِّرَ صِيَامِي إِلَى بَعْدَ رَمَضَانَ إِذَا كُنْتُ مَرِيضًا. فَإِذَا كُنْتُ أَرَى الرَّمْزِيَّةَ فِي التَّيَمُّمِ، فَلِمَاذَا لَا أَرَى الرَّمْزِيَّةَ فِي شَجَرَةِ آدَمَ، أَوْ فِي نَهَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ فِي مَنْعِ الصَّيْدِ فِي الْبَرِّ أَثْنَاءَ الْحَجِّ؟

 

جَعَلَنِي اللَّهُ - كَإِنْسَانٍ - خَلِيفَةً لَهُ فِي هٰذِهِ الأَرْضِ. وَالْخَلِيفَةُ لَيْسَ هُوَ الْمَلِكَ، وَلٰكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَرَّبَ إِلَى الْمَلِكِ. وَأَنَا أَيْضًا يُمْكِنُ أَنْ أُقَرَّبَ إِلَى رَبِّي إِذَا أَحْسَنْتُ الْخِلَافَةَ. مَا عَمَلِي كَخَلِيفَةٍ؟ أَنْ أَفْعَلَ مَا أَسْتَطِيعُ، هٰذَا هُوَ عَمَلِي. يُمْكِنُنِي أَنْ أُسَاعِدَ مُشَرَّدًا بِإِعْطَائِهِ مَأْوًى أَوْ طَعَامًا أَوْ لِبَاسًا أَوْ مَالًا أَوْ حَتَّى بِابْتِسَامَةٍ. أَنَا أَفْعَلُ ذٰلِكَ لِإِنْسَانٍ مِثْلِي. إِذَا تَزَوَّجْتُ فَإِنَّنِي أَتَزَوَّجُ إِنْسَانًا مِثْلِي. وَإِذَا عَمِلْتُ فَإِنَّنِي أَعْمَلُ لِإِنْسَانٍ مِثْلِي. إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْ طَاغِيَةٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِ إِنْسَانًا مِثْلَهُ. اللَّهُ لَا يَنْقُلُ الْمَصَابِينَ فِي سَيَّارَاتِ الإِسْعَافِ، وَلَا يُسَاعِدُ الأَعْمَى عَلَى عُبُورِ الطَّرِيقِ؛ بَلْ أَنَا - كَمُؤْمِنٍ - أَفْعَلُ ذٰلِكَ بِاسْمِهِ. إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ أَكُونَ بِلا عَمَلٍ، فَلَنْ يُعْطِيَنِي أَحَدٌ عَمَلًا إِلَّا إِذَا شَاءَ اللَّهُ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ أَبْقَى أَعْزَبَ، فَلَنْ يَتَزَوَّجَنِي أَحَدٌ إِلَّا إِذَا شَاءَ اللَّهُ. ذٰلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّبُّ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]. اللَّهُ لَا يَكُونُ فِي الأَخْبَارِ، وَلٰكِنَّهُ وَرَاءَ مَا يَجْرِي فِي الأَخْبَارِ. عِنْدَمَا يَمُوتُ مَشْهُورٌ، تَتَحَدَّثُ كُلُّ وَسَائِلِ الإِعْلَامِ عَنْهُ، وَلٰكِنْ إِلَى أَيْنَ يُؤْخَذُ؟ إِلَى كَنِيسَةٍ أَوْ مَسْجِدٍ، أَيْ إِلَى حَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ اللَّهَ هُنَاكَ. أَهْلُ الإِيمَانِ يَعْرِفُونَ ذٰلِكَ. لِذٰلِكَ يَفْعَلُ كُلٌّ مَا يَسْتَطِيعُهُ كَخَلِيفَةٍ لِلَّهِ، وَيَسْعَوْنَ إِلَى عِلَاقَةٍ سِلْمِيَّةٍ مَعَ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا لَا يَفْعَلُهَا إِلَّا اللَّهُ.

 

هٰؤُلَاءِ يَرَوْنَ - بِقُلُوبِهِمْ - كَيْفَ يَسْتَعْمِلُ اللَّهُ الزَّلَازِلَ وَالْحُرُوبَ وَمُخْتَلِفَ الْمِحَنِ لِيُذَكِّرَ الإِنْسَانَ بِالْجَنَّةِ عِنْدَمَا لَا يُرِيدُ الإِنْسَانُ أَنْ يَرَى إِلَّا حَيَاةَ الدُّنْيَا. وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْحَيَاةَ - رَغْمَ كُلِّ الْمِحَنِ - تَبْقَى جَمِيلَةً. فَالنَّاسُ يَجِدُونَ وَقْتًا لِلْفَرَحِ وَاللَّهْوِ حَتَّى فِي أَوْقَاتِ الْحُرُوبِ. اِسْأَلْ أَيَّ امْرَأَةٍ عَنِ الْوِلَادَةِ، فَسَتَقُولُ: إِنَّهَا مُؤْلِمَةٌ جِدًّا. وَلٰكِنِ اسْأَلْهَا عَنْ أَوَّلِ ابْتِسَامَةٍ مِنْ طِفْلِهَا، فَسَتَقُولُ شَيْئًا آخَرَ.

17

إِنِّي أَحْمَدُ ٱللَّهَ وَأَشْكُرُهُ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ وَفَضْلِهِ. وَلَكِنْ لِمَاذَا يَنْبَغِي لِي - مَثَلًا - أَنْ أُؤَدِّيَ صَلَوَاتِي كُلَّ يَوْمٍ، وَأُكَرِّرَ نَفْسِي مِرَارًا وَتِكْرَارًا؟ لِمَاذَا لَا أُصَلِّي إِلَّا عِنْدَمَا أَكُونُ مُتَفَرِّغًا وَمُرَكِّزًا؟ وَالْحَقُّ أَنَّ يَوْمَنَا مَمْلُوءٌ بِالتَّكْرَارِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ فَنَحْنُ نَأْكُلُ وَنَشْرَبُ كُلَّ يَوْمٍ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمِرْحَاضِ كُلَّ يَوْمٍ، وَنَنَامُ كُلَّ يَوْمٍ، وَنَفْعَلُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً كُلَّ يَوْمٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَنَسْتَعْمِلُ أَيْضًا بَصَرَنَا وَسَمْعَنَا وَعُقُولَنَا وَأَيْدِيَنَا وَأَرْجُلَنَا وَغَيْرَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ. أَفَلَا يَكُونُ مِنَ الْمَعْقُولِ – وَأَنَا مُؤْمِنٌ – أَنْ أُقَدِّمَ الشُّكْرَ لِلْخَالِقِ الرَّازِقِ بِذِكْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَيْضًا؟ يَقُولُ ٱللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣]. وَقَالَ: ﴿فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱذْكُرُوا ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا • وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا  هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١-٤٣]. وَقَالَ: ﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وَقَالَ: ﴿فَٱذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وَقَالَ: ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وَقَالَ: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].

 

وَيَقُولُ ٱللَّهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». وَنَقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. وَتِلْكَ هِيَ النُّخْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.

 

وَبِصِفَتِي مُؤْمِنًا يَجِبُ عَلَيَّ أَيْضًا أَنْ أُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ. وَالزَّكَاةُ مَقْصُودُهَا مُسَاعَدَةُ الْفُقَرَاءِ. وَلَكِنِّي قَدْ أَقُولُ: أَلَيْسَ هَذَا عَمَلَ الدَّوْلَةِ؟ أَلَيْسَ مِنْ وَاجِبِ الدَّوْلَةِ أَنْ تَعْتَنِيَ بِالْفُقَرَاءِ؟ أَنَا أَدْفَعُ الضَّرَائِبَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. غَيْرَ أَنَّ الدَّوْلَةَ - فِي مُقَابِلِ الضَّرَائِبِ الَّتِي نَدْفَعُهَا كُلَّ عَامٍ - تُقَدِّمُ لَنَا خِدْمَاتٍ (مَدَارِسَ، مُسْتَشْفَيَاتٍ، طُرُقًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ)، وَنَحْنُ لَا نَحْتَاجُ إِلَيْهَا إِلَّا مَا دُمْنَا بِصِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ. فَمَاذَا إِذَا بَدَأْنَا نُصْبِحُ غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى الْمَشْيِ وَحْدَنَا، أَوْ عَلَى الْجُلُوسِ أَوِ الْأَكْلِ دُونَ مُسَاعَدَةٍ، أَوْ حَتَّى عَلَى سَمَاعِ أَوْ مَعْرِفَةِ أَقَارِبِنَا؟ مَاذَا تَسْتَطِيعُ الدَّوْلَةُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا عِنْدَئِذٍ؟ بَلْ قَدْ يُطْلَبُ مِنَّا أَنْ نَدْفَعَ تَكَالِيفَ جَنَازَتِنَا وَدَفْنِنَا بَعْدَ مَوْتِنَا. أَمَّا الزَّكَاةُ - إِذَا كُنْتُ قَادِرًا عَلَيْهَا - فَهِيَ مَا أَدْفَعُهُ ثَمَنًا لِلسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي الْجَنَّةِ، حَيْثُ لَا أَزَمَاتَ اقْتِصَادِيَّةَ، وَلَا تَوَتُّرَاتٍ عُنْصُرِيَّةً، وَلَا حُرُوبَ، وَلَا أَعَاصِيرَ، وَلَا عَوَاصِفَ ثَلْجِيَّةً، وَلَا حَرَائِقَ غَابَاتٍ، وَلَا تَغَيُّرَ مُنَاخٍ، وَلَا فَيْرُوسَاتٍ، وَلَا خَوْفَ، وَلَا اكْتِئَابَ، وَلَا مَوْتَ. وَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.

 

وَبِالْمِثْلِ أَسْأَلُ نَفْسِي: لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَصُومَ شَهْرًا كَامِلًا؟ سُؤَالٌ جَيِّدٌ. وَلَكِن، بِصِدْقٍ، يَجِبُ عَلَيَّ أَيْضًا أَنْ أَسْأَلَ: كَمْ سَيُكَلِّفُنِي أَنْ أَقْضِي شَهْرًا فِي فُنْدُقٍ فَخْمٍ فِي بَلَدٍ جَمِيلٍ؟ مَاذَا إِذَا كُنْتُ مُضْطَرًّا لِقَضَاءِ إِجَازَةٍ مُدَّتُهَا ٣٠ يَوْمًا فِي فُنْدُقٍ جَيِّدٍ كُلَّ عَامٍ؟ ثُمَّ أَسْأَلُ نَفْسِي: كَمْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْفَعَ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ - يَوْمٍ وَحْدَهُ - فِي الْجَنَّةِ بَعْدَ مَوْتِي؟ فَالصَّوْمُ لَيْسَ إِلَّا ثَمَنًا رَمْزِيًّا لِمَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ.

 

مَرَرْتُ بِمَقْبَرَةٍ. أَلْقَيْتُ نَظْرَةً، فَرَأَيْتُ صُفُوفًا مِنَ القُبُورِ. أَهْلٌ، مِثْلِي، سَأَلُوا أَسْئِلَةً، وَرُبَّمَا كَانَتْ أَمَانِيُهُمْ وَآمَالُهُمْ وَمَخَاوِفُهُمْ مُشَابِهَةً لِلْمَا كَانَتْ لِي. وَفِي يَوْمٍ مَا، انْتَهَى كُلُّ شَيْءٍ. أُغْلِقَ الكِتَابُ. لَا أَخْبَارَ بَعْدَ ذَلِكَ. لَا طَلَبَاتِ وَظَائِفَ، لَا أَرْوَاحٍ، لَا سَيَّارَاتٍ، لَا لَذَّاتٍ. كُلُّ شَيْءٍ سِوَى الصَّمْتِ. فَيَأْتِي هَذَا التَّذْكِيرُ مِنَ «ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ» [الفرقان: ٥٨]، يُخْبِرُنَا، إِنْ أَرَدْنَا سَمَاعَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ حَيَاةَ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَإِنَّ ٱلْآخِرَةَ لَهِيَ ٱلدَّارُ ٱلثَّوَابُ﴾ [غافر: ٣٩]. وَيَقُولُ أَيْضًا: ﴿مَثَلُ حَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].

 

وَالْجَنَّةُ لَا رَيْبَ عَظِيمَةٌ. وَأَمَّا حَيَاتِي فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَهَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ سَعِيدًا هُنَاكَ أَيْضًا؟ يَقُولُ ٱللَّهُ: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. وَيُذَكِّرُنِي الْقُرْآنُ أَنَّ: ﴿وَثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّالِحَاتِ ۚ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ٱلصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]. وَقَالَ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: ١٦-١٧]. وَقَالَ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]. وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤].

 

 

 

فَأَسْأَلُ نَفْسِي أَيْضًا: عَادَةً، إِنْ كُنْتُ فَاهِمًا صَحِيحًا، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ الْحَقِيقِيُّ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْكَافِرِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ، لَيْسَ دَائِمًا هَذَا هُوَ الْوَقْعُ. لِمَاذَا؟ يَقُولُ ٱللَّهُ: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. وَقَالَ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ﴾ [المُلك: ١-٢]. وَقَالَ: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. وَقَالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي ٱلْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. وَقَالَ: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].

 

وَقَالَ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ نُورٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ  يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُ سُبُلَ ٱلسَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. فَإِنْ كُنْتُ عَاقِلًا، يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى هَذَا النُّورِ الثَّمِينِ. أَمَا أَحْسِدُ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَى أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنِّي بِطَرِيقٍ أَوْ بِآخَرٍ؟ هَلْ أَقْضِي بَقِيَّةَ حَيَاتِي فِي مُقَارَنَةِ نَفْسِي بِآخَرِينَ؟ فِي الْقُرْآنِ: ﴿أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١-٢]. وَقَالَ: ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِٱلصَّبْرِ﴾ [العصر: ٢-٣].

 

فَمَا مَعْنَى أَنْ تَكُونَ سَعِيدًا؟ يَتَبَيَّنُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السَّعَادَةَ تَعْنِي أُمُورًا مُخْتَلِفَةً لِأَشْخَاصٍ مُخْتَلِفِينَ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلَّهِ أَنْ يُسْعِدَنِي؟ حَسَنًا، لَا أَحْتَاجُ حَتَّى لِطَرْحِ مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ إِنْ كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّنِي أَسْتَغْنِي عَنْ اللَّهِ وَلَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ عَلَى الإِطْلَاقِ. فَاللَّحْظَةُ الَّتِي أَسْأَلُ فِيهَا مَا الَّذِي يُمْكِنُ لِلَّهِ أَنْ يَفْعَلَهُ لِيُسْعِدَنِي، عَلَيَّ أَنْ أُحَسِّبَ مَا الَّذِي سَيَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أُقَدِّمَهُ فِي المُقَابِلِ. فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ العَهْدِ. فَمَثَلًا، عِنْدَمَا تُدْفَعُ لِي مَنَحُ عَطَلٍ عَنِ العَمَلِ مِنَ الحُكُومَةِ فِي وَقْتِ أَزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ، فَذَلِكَ لِأَنَّنِي أَوْ أَغْلَبَ النَّاسِ فِي بَلَدِي نَدْفَعُ الضَّرَائِبَ لِلدَّوْلَةِ. وَبِالمِثَالِ نَسْأَلُ: هَلْ يُمْكِنُ لِلَّهِ أَنْ يُدْفِعَ لِي مَنَحَ عَطَلٍ عَنِ العَمَلِ أُسْبُوعِيًّا أَوْ شَهْرِيًّا فِي وَقْتِ أَزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ كَبِيرَةٍ؟ بِالطَّبْعِ لَا. وَالأَخْبَثُ، أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُفْقِدَنِي وَظِيفَتِي وَيُعَرِّضَنِي لِلْفَقْرِ حَتَّى فِي الأَوْقَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ عِنْدَمَا يَكُونُ أَغْلَبُ النَّاسِ مُيسُورِينَ. لِمَاذَا؟ حَسَنًا، لَيْسَ الأَمْرُ مَرْتَبِطًا بِالقُدْرَةِ، عَلَى الإِطْلَاقِ.

 

وَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۗ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] وَقَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥-٦] وَقَالَ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]. حَتَّى أَفْضَلُ المُجْتَمَعَاتِ الدِّينِيَّةِ، تَحْتَ رِيَاسَةِ أَفْضَلِ الْقَادَةِ، سَتَلْقَى مُشْكِلَاتٍ. فَتُخْتَبَرُ المُجْتَمَعَاتُ كَمَا يُخْتَبَرُ الأَفْرَادُ. فَيُمْكِنُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْقِدَ وَظِيفَتَهُ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ، قَدْ تُصَابُ شَعْبٌ بِجُوعٍ أَوْ أَزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ. فَمَا الفَائِدَةُ مِنَ الدِّينِ إِنْ كَانَ سَيَزِيدُ مُشْكِلَاتِي؟ إِنْ طَرَحْتُ هَذَا السُّؤَالَ صَرِيحًا، لَن أَبْلُغَ شَيْئًا. وَإِنْ طَرَحْتُهُ بِحُسْنِ نِيَّةٍ، فَهُنَاكَ مَجَالٌ لِلنِّقَاشِ.

 

وَيَقُولُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَمَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَأَخَذْنَا مَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ۖ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَضْلُهُ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦-٨٧]. فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الدِّينَ رَحْمَةٌ وَفَضْلٌ إِلَهِيٌّ، وَلَيْسَ مُشْكِلَةً.

 

وَلِمَاذَا يَتَعَبُ اللَّهُ لِيُرْسِلَ الآلافَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ بِكَثْرَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ إِلَى شُعُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى مَرِّ الزَّمَنِ؟ مَا الفَائِدَةُ مِنْ ذَلِكَ لِلَّهِ؟ أَلَيْسَ هَذَا “مُشْكِلَةً” لِلَّهِ؟ فَإِذَا قَالَ اللَّهُ: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] وَقَالَ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]، فَمَا الفَائِدَةُ مِنْ ذَلِكَ لَهُ؟ نَعَمْ، يَقُولُ الإِسْلَامُ: “لَا تَفْعَلْ هَذَا، لَا تَفْعَلْ ذَلِكَ”، وَمَعَ ذَلِكَ يَعِيشُ كَثِيرُونَ بِهَذَا بِلا مُشْكِلَةٍ. بَلْ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَرْتَقُوا مِنَ الإِسْلَامِ إِلَى الإِيمَانِ ثُمَّ إِلَى الإِحْسَانِ. كَثِيرُونَ يَرْغَبُونَ أَنْ يُرْقُوا نَفْسَهُمْ مِنَ النَّفْسِ الأمَّارَةِ إِلَى النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ثُمَّ إِلَى النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ. يَرْغَبُونَ فِي الاقْتِرَابِ مِنَ الجَمَالِ وَالعَظَمَةِ فِي ضَوْءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. يَبْحَثُونَ عَنِ الحُلُولِ الإِلَهِيَّةِ بَدَلَ الْحُزْنِ عَلَى مُشْكِلَاتٍ شَيْطَانِيَّةٍ. وَلَكِنَّ هَذَا فَقَطْ جُزْءٌ صَغِيرٌ مِنَ الأَقَلِيَّةِ.

 

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. هَذَا هُوَ النُّخْبَةُ، مَرَّةً أُخْرَى.

 

هَلْ يُمْكِنُ لِلأَحَدِ أَنْ يَبْلُغَ هَذَا المَرْتَبَةَ العَالِيَةَ؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٤] وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] وَقَالَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣-٦٤] وَقَالَ: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] وَقَالَ: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] وَقَالَ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وَقَالَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].

 

فَإِنَّ المَوْضُوعَ بِجَمْلٍ هُوَ الشُّكْرُ لِلَّهِ وَالتَّضَامُنُ بَيْنَ النَّاسِ. وَالتَّفَاصِيلُ قَدْ تَخْتَلِفُ مِنْ آيَةٍ لِأُخْرَى، وَلَكِنَّ الإِطَارَاتِ الرَّئِيسِيَّةَ تَبْقَى نَفْسَهَا. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». فَكَيْفَ أُتَرْجِمُ هَذَا إِلَى أَفْعَالٍ؟ وَقَدْ أَجَابَ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ. هَذَا مَا يَفْعَلُهُ المُحْسِنُونَ

 

وَلَكِنْ فَلْنَفْتَرِضْ أَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ المُحْسِنُونَ وَالصِّدِّيقُونَ فِي مَوَاضِيعِ العِبَادَةِ، فَلَا أَتَوَقَّعُ أَنْ أَنَالَ أَجْرَهُمْ أَوْ المَرْتَبَةَ الخَاصَّةَ عِنْدَ اللَّهِ. فَلَعِبُ أَلْعَابِ المَدْرَسَةِ لَيْسَ كَلَعِبِ الأَلْعَابِ الأُولِمْبِيَّةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، أَسْتَطِيعُ أَنْ أَزِيدَ إِيمَانِي وَأَبْرُزَ فِي أَعْيُنِ اللَّهِ. كَيْفَ؟ يَجِبُ أَنْ أَكُونَ لِي إِيمَانٌ قَوِيٌّ، إِيمَانٌ ثَابِتٌ. إِذَا سَمِعْتُ ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] فَلْيَقُلْ قَلْبِي قَبْلَ لِسَانِي: لَا! يَجِبُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وَهَذَا يَعْنِي أَنْ أَكُونَ غَيْرَ قَلِقٍ، غَيْرَ مُضْطَرِبٍ، غَيْرَ حَسُودٍ [المعارج: ١٩-٢١].

 

وَإِذَا صَادَفَنِي مَشْكِلَةٌ أَلْتَمِسُ عَوْنَ اللَّهِ: أَدْعُوهُ بِالخَوْفِ وَالرَّجَاءِ. ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وَفِي جَانِبِ صَلَاتِي أُقِيمُ وَاجِبِي نَحْوَ اللَّهِ، الَّذِي يَقُولُ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وَ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢-٣]. وَإِذَا لَمْ تُسْتَجَبْ دُعَائِي فَوْرًا أَصْبِرُ وَأَحْتَفِظُ بِالرَّجَاءِ: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤٢].

 

وَبِذَلِكَ أَكْتَشِفُ أُمُورًا لَا أَقْرَأُهَا إِلَّا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ. فَمَشَاكِلِي وَطَرِيقَةُ حَلِّهَا بِعَوْنِ اللَّهِ، بِقُوَّةِ اللَّهِ، وَبِعِلْمِ اللَّهِ هِيَ الَّتِي تُظْهِرُ لِي هَلْ هَذَا الدِّينُ حَقٌّ أَمْ دُوْغْمَةٌ. فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لِي مَشْكِلَةٌ، فَكَيْفَ سَأَعْلَمُ؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢].

 

مَنْ يُمْكِنُهُ تَجْرِبَةُ ذَلِكَ؟ هِيَ تَجْرِبَتِي الشَّخْصِيَّةُ، مَا أَشْعُرُ بِهِ عِنْدَمَا أُوَاجِهُ مَشْكِلَةً، وَمَا أَفْعَلُهُ لِحَلِّهَا، وَكَيْفَ أَفْعَلُهُ، هِيَ الَّتِي تُعَلِّمُنِي عَلَى اللَّهِ أَفْضَلَ مِنْ أَيِّ كِتَابٍ عِلْمِيٍّ أَوْ دِينِيٍّ. هَذِهِ هِيَ الآيَاتُ الَّتِي تُؤَثِّرُ عَلَى حَيَاتِي مُبَاشَرَةً. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] وَقَالَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وَقَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥-٦] وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] وَقَالَ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢-٣] وَقَالَ: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].

 

إِذَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ عَنِ الْعَقْلِ مُقَابِلَ التَّعَتُّمِ، فَأُخْبِرُهُ أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهَا بِالْمَنطِقِ. فَإِذَا مَرَرْتَ بِتَجْرِبَةِ حُبٍّ حَقِيقِيٍّ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، فَإِنَّكَ سَتُوَاجِهُ مَوَاقِفَ لَا يُسْتَطَاعُ لِلْعَقْلِ أَنْ يُعِينَكَ فِيهَا.

 

وَلَكِنْ لِلْحَمْدِ، فَالإِحْسَانُ لَيْسَ شَرْطًا لِلْجَنَّةِ. فَالْمُسْلِمُ العَادِيُّ الَّذِي يَتَّقِي اللَّهَ يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ. وَالإِحْسَانُ فُرْصَةٌ مُعْطَاةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الطَّمُوحِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَبْرُزُوا بِأَعْمَالِهِمْ، لِيُعَبِّرُوا عَنْ شُكْرِهِمْ لِلَّهِ بِأَفْضَلِ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ. هُوَ خُطْوَةٌ إِضَافِيَّةٌ نَحْوَ اللَّهِ، الَّذِي خَلَقَ هَذَا العَالَمَ وَأَعْطَاكَ وَأَنَا فُرْصَةً لِلْعَيْشِ فِيهِ.

 

كَثِيرُونَ فِي التَّارِيخِ بَدَأُوا كَجُنُودٍ دُونَ مَرْتَبَةٍ، ثُمَّ أَصْبَحُوا قَادَةً فِي الجَيْشِ أَوْ مَلِكًا. وَهَذَا أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالطُّمُوحِ: أَنْ تَرْتَقِي مِنَ الإِسْلَامِ إِلَى الإِيمَانِ ثُمَّ إِلَى الإِحْسَانِ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٤].

 

﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].

 

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١].

 

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].

 

وَالآن، هَلْ أُرِيدُ أَنْ أَبْرُزَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ أَمْ فِي مَنْظَرِ اللَّهِ؟ هَلْ أُرِيدُ أَنْ يُتَكَلَّمَ عَنِّي مِنَ النَّاسِ أَمِ الْمَلَائِكَةِ؟ هَلْ أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مَشْهُورًا فِي الأَرْضِ أَمْ فِي السَّمَاوَاتِ؟ هَلْ أُؤْمِنُ بِاللَّهِ لِأَنِّي مُتَأَكِّدٌ أَنَّهُ اللَّهُ أَمْ لِأَنِّي أُرِيدُ إِلَهًا -أَيًّا كَانَ- لِيُعْطِيَنِي وَظِيفَةً أَوْ هَذَا أَوْ ذَلِكَ؟ هَذِهِ أَسْئِلَةٌ أَسَاسِيَّةٌ! يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نِيَّتِي صَافِيَةً وَخَالِصَةً. أَفْعَلُ مَا أَفْعَلُ لِسَبِيلِ اللَّهِ، لِحُبِّهِ؟ لَوْ كَانَتْ نِيَّتِي الأَوَّلِيَّة صَالِحَةً! فَسَيَتَوَلَّى اللَّهُ البَاقِي.

 

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].

 

 

 

إذا كُنْتُ مُذْنِبًا، يَقُولُ اللَّهُ لِي وَلِلجَمِيعِ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. وَإِذَا أَرَدتُ اللَّهَ، يَقُولُ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وَإِذَا نَسِيتُ أَوْ تَرَاخَيْتُ مِنْ حِينٍ لِآخَرٍ، يُذَكِّرُنِي: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ  فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦-٨].

 

 

 

إذا لَمْ يَكُنْ إِيمَانِي جَيِّدًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ صَافِيًا، فَسَيُعْطِينِي اللَّهُ فُرْصَةً أُخْرَى، وَلَكِنْ مِنْ خِلَالِ ابتلاءاتٍ، وَرُبَّمَا مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَر. يَقُولُ: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٤٩-٥١]، ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً انصَرَفَ وَأَعْرَضَ ۚ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا قَنُوطًا﴾ [هود: ٩]، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ  وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥-١٦].

 

تُظْهِرُ ابتلائَاتِي هَلْ أَرْغَبُ فِي اللَّهِ حَقًّا. وَفِي ذَلِكَ عَلَيَّ أَنْ أَبْذُلَ قُصَارَى جُهْدِي لَا أَنْ أَنْغَمِسَ فِي لَذَّاتِ الدُّنْيَا، وَفِي ذَلِكَ عَلَيَّ أَنْ أُظْهِرَ أَنِّي أَذْكُرُ الْخَالِقَ، أَذْكُرُهُ كَمَا أَذْكُرُ مَحْبُوبِي. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].

 

وَلَا يَكُونُ ابتلائي شِدَّةً دَائِمَةً. فَقَدْ أُبْتَلَى بِوَظِيفَةٍ جَيِّدَةٍ جِدًّا، أَوْ بِحَيَاةٍ عَائِلِيَّةٍ سَعِيدَةٍ جِدًّا، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ أَصْعَبَ مِنَ ابتلائِي بِالشَّدَّةِ. وَفِي كِلَا الحَالَيْنِ عَلَيَّ أَنْ أُظْهِرَ مَا أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فِي هَذَا العَالَمِ

 

إِيْمَانِي بِاللَّهِ يَحْمِلُ عَلَيَّ مَسْؤُولِيَّةً، وَإِلَّا فَسَأَكُونُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ٤٧].

 

فِي جَمِيعِنَا خَيْرٌ. وَالمُشْكِلَةُ أَنَّ كَثِيرِينَ مِنَّا لَا يُرِيدُونَ أَنْ يُثْمِرَ هَذَا الْخَيْرُ. نُفَضِّلُ الشَّرَّ عَلَى الْخَيْرِ، لِأَنَّ الشَّرَّ أَسْهَلُ فِي الغَالِبِ. فَإِنَّهُ أَسْهَلُ أَنْ تَكْذِبَ عَلَى النَّاسِ مِنَ أَنْ تَقُولَ الحَقَّ. أَمَّا إِن كَانَ إِيمَانِي حَيًّا فَسَيَكُونُ صِرَاعٌ بَيْنِي وَبَيْنَ ضَمِيرِي. وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ صِرَاعٌ بَيْنَ نَفْسِي الأَمَّارَةِ وَنَفْسِي اللَّوَّامَةِ. وَفَقَطُ لَوْ كَانَ لَدَيَّ نَفْسٌ لَوَّامَةٌ فَهُوَ إِشَارَةٌ جَيِّدَةٌ. إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنِّي أَهْتَمُّ بِإِيمَانِي.

 

وَعِنْدَمَا تَكُونُ نَفْسِي اللَّوَّامَةُ أَقْوَى مِنَ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ، فَمَاذَا أَفْعَلُ؟ أَعْلَمُ أَنَّ: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٩].

 

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٤-١٣٥].

 

فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْ جَمِيعِ أَخْطَائِي. هَكَذَا أَرْتَقِي فِي سُلَّمِ إِيمَانِي.

 

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].

 

﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].

 

وَاللَّهُ لَا يَتَوَقَّعُ أَنْ أَكُونَ مَلَكًا، بَلْ يَتَوَقَّعُ أَنْ أَكُونَ صَادِقًا مَع نَفْسِي أَوَّلًا. عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ مُهَنْدِسَ خَلَاقِيَتِي وَتَصْرِيفِ نَفْسِي.

 

فِي النَّظَرِيَّةِ، إِذَا كُنْتُ جَيِّدًا وَأُسْرَتِي جَيِّدَة وَحَيِّي جَيِّد، فَمَنْ سَيَكُونُ شِرِّيرًا؟ وَفِي الْعَمَلِ، حَتَّى إِن كَانَتِ المُجْتَمَعَاتُ كُلُّهَا صَالِحَةً، فَلَيْسَ ثَمَّ ضَمَانٌ أَنِّي أَنَا صَالِحٌ أَيْضًا. عَلَيَّ أَنْ أَكْمِلَ نَفْسِي بِمُفْرَدِي.

 

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۖ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠].

 

عِنْدَمَا أَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا أَجِدُ شَيْطَانًا يَمْنَعُنِي مِنَ الدُّخُولِ، وَعِنْدَمَا يَذْهَبُ أَحَدٌ إِلَى نَادٍ لَيْلِيٍّ، لَا يَجِدُ مَلَكًا يَمْنَعُهُ. الحُكْمُ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ الآن.  

    

18

 

لنفترض أن الله منحني القدرة على الحكم على الناس، فماذا عساي أن أفعل؟ حسناً، هذه ليست مدينة فاضلة مطلقة. في عدد من البلدان، يمكن للمرء أن يكون عضوًا في هيئة محلَّفين. هل سأكون منصفًا في حكمي لو حاكمت الناس؟ ألن أكون ذاتيًا، مندفعًا في أحكامي؟

 

يريدني الله أن أكون صادقًا مع نفسي، خاليًا من التناقضات، منصفًا في حكمي على نفسي أولاً. يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ  وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ  كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ  وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ  وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا  وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ١٥-٢٠].

 

إن استطعت أن أكون منصفًا في حكمي، فيجب أن أحاسب نفسي أولاً. فإذا حاسبت نفسي بالعدل، قد ترتقي نفسي من المرتبة الأَمَّارَة إلى اللَّوَّامَة إلى الْمُطْمَئِنَّة. حين أذرف دموع التوبة، فهذا علامة طيبة على أن نفسي تسير في الطريق القويم نحو التصالح مع الله.

 

عندما أرى شخصًا ليس بجيد مثلي (في تصوُّري)، ينبغي لي، على الأقل من باب المبدأ، أن أدعو الله أن يهديه. يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].

 

إن كنت حقًا جيدًا ومتدينًا في نظري لنفسي، هل أنا متأكد أنني سأبقى على هذا القدر من التدين حتى نهاية عمري؟ وهل أنا متأكد أن الشخص الفلاني أو العلاني لن يصبح جيدًا مثلي أو حتى أفضل مني؟ تقول حكمة مغربية: "كَمْ مِنْ مَزْبَلَةٍ صَارَتْ مَسْجِدًا، وَكَمْ مِنْ مَسْجِدٍ صَارَ مَزْبَلَةً!" ثم، هل أنا متأكد من أني إنسان متدين أصلاً؟ يقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ  الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ  الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ  وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤-٧]. ويقول أيضًا: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ  وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ١-٣]. هل أنا ممن يحضون على طعام المسكين؟ المتدينون حقًا يقولون: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]. أما أنا، ألا أتوقع الجزاء أو الشكر عندما أحسن إلى أحد؟

 

هذا هو نوع التربية التي يريدها الإسلام للمؤمن. يريدني الإسلام أن أكون صادقًا مع نفسي. يجب عليّ، قدر المستطاع، أن أفعل كما أقول، وأقول كما أفعل. وإلا فما أنا إلا كاذب على نفسي. إنها مسألة (حسن أو سوء) نية مرة أخرى. يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].

 

الإسلام لا يقتصر على الحجاب أو اللحية فقط. الإسلام يتعلق بكل جانب من جوانب حياتنا. يقول الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. ويقول أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ويقول: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]. ويقول: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ويقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. ويقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ويقول: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ  وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ  وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ  وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ  إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٣٦-٤٣].

 

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ مَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].

 

المؤمنون الأقوياء لا يهتمون بأن يكونوا في المقدمة عندما تُوزَّع السعادة في الدنيا، ولا يتطلعون إلى أن يكونوا في الصفوف الأولى عندما تُوزَّع الجنان في الآخرة. ورغم ذلك، فإن لديهم يقينًا راسخًا أن الله لن يخذلهم، مهما طالت محنتهم واشتدت. تعريفهم للسعادة يختلف عن تعريف معظم الناس. إنهم يؤمنون أن ﴿الْأَشْقَى﴾ هو ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [الليل: ١٥-١٦]. قال الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ [طه: ٢]. وقال لجميع المؤمنين في السورة نفسها: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ [طه: ١٢٣]. إذن، هؤلاء المؤمنون الأقوياء، أهل اليقين، مستعدون لتحمل المشقة لعقود إن لزم الأمر. يصبرون ويتفوقون على غيرهم في الصبر والتحمل، ومستعدون للانتظار (حتى نهاية أعمارهم) ليروا الفرج. هؤلاء يعبدون الله لذاته لا لعطائه. هذا المبدأ لم يبدأ مع الإسلام بالمناسبة. يقول الله في القرآن: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ  يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ  وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣-١١٥]. ويقول أيضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ  وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ  أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ  إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٢-٥٦].

 

لكن الله هو ﴿الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، وهو ﴿عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. إنه يعلم أن الحياة في هذه الدنيا لا يمكن أن تستمر إذا كان جميع المؤمنين، مهما كان عددهم، محرومين ومعذبين. فلا بد من وجود القوى العاملة والمال الكافي لاستمرار الاقتصاد وتحقيق السلم المجتمعي. ولذا، حتى في المجتمع المسلم (سواء كان تقيًا أو فاسقًا)، سترى أن معظم الناس يعيشون حياة طبيعية إلى حد ما. والحق أن الله لا يحب أن يرى المسلمين في حالة بؤس. (فهو يباهي بهم الملائكة). لذا، فإن معظم الناس يعملون ويتزوجون ويرزقون بالأطفال ويبنون البيوت ويمارسون الأعمال التجارية كالمعتاد. وككل المجتمعات، توجد أقلية صغيرة تعاني بعض الحرمان حتى في الأوقات العادية – أي عندما لا تكون هناك حرب أو أزمة اقتصادية. لذا، بالنسبة للمؤمنين الذين يجدون أنفسهم واقعين في هذه الأقلية غير المحظوظة، أي في مواجهة الشدائد، يأتي القرآن ليكون تذكيرًا واعيًا (حصنًا منيعًا، إن شئت) ضد اليأس والاكتئاب.

 

عندما تزوج إبراهيم عليه السلام في شبابه، لم يختر هو ولا زوجته أن يبقيا بلا أطفال. وعندما رُزق بابنين في شيخوخته، صار أحدهما إمامًا روحيًا للعرب، والآخر أبا (للأنبياء) والملوك. لكن ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]. ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا  إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤].

 

أولئك الناس الذين كانوا حول إبراهيم عليه السلام لم يكونوا أفضل منه بأي حال، ومع ذلك لم يعان معظمهم من هذه المشكلة. استمر إبراهيم عليه السلام في الدعاء، لأن مثل هذه المشكلة لها تداعيات عاطفية، إن لم تكن على شخص مثله، فعلى الأقل على زوجته –أو على أي أب وأم عاديين يتمنيان طفلاً. لكن إبراهيم عليه السلام لم يشرط عبادته لله بأي شيء. لقد عبد الله بإخلاص وتفانٍ. يقول الله عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]. كان إبراهيم وحده أمةً، بسبب جودة وكثافة عبادته لله!

 

لماذا إبراهيم عليه السلام بالتحديد؟ حسناً، لأن الله دعا نبينا ﷺ لاتباع ملة إبراهيم. قال له: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. ويقول لجميع المسلمين: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].

 

ما يحدث للكثير منا هو أن إيماننا يضعف بمجرد أن نشعر أن الله لا يهتم لأمرنا. وفي الوقت نفسه، يتوقف بعضنا عن الاكتراث بالله حالما يشعرون أنهم حصلوا على كل ما يريدون. يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]. ويقول: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]. ويقول: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢]. ويقول: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ  قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ  قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣-٦٥]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١].

 

آخرون يعتقدون أنهم إذا عبدوا الله "بشكل أشد"، فسيحصلون على ما يريدون عاجلاً. فيبدأون في اعتبار المستحب واجبًا والمكروه حرامًا. يصبحون متصلبين جدًا ومندفعين لدرجة أنهم لا يرون خطأهم. يحثون الآخرين على فعل مثلهم. وعندما يقعون في مشكلة، يوجهون اللوم لشخص آخر. يقول الله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].

 

لم يعتنق المسلمون الأوائل الإسلام لتحسين حياتهم. لقد اعتنقوه لأنه الحق. آمنوا ثم قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]. ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨].

 

في الحديث الشريف نقرأ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ". هل كل الناس يهتمون بـ "حلاوة الإيمان"؟ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]. بالنسبة لهؤلاء، هي أكذوبة أن تُؤخَذ الصدقات من الأغنياء لمساعدة الفقراء. مبدأهم هو "كلُّ امرئٍ لنفسه".

 

في النهاية، كل إنسان يفكر كما يشاء. أما للذين آمنوا، فيقول القرآن: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا  عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا  يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا  وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا  إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا  إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا  فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا  وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا  مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا  وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا  وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا  قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا  وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا  عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا  وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا  وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا  عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا  إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٥-٢٢].

19

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وَيَقُولُ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. وَيَقُولُ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]. هَذِهِ الْآيَاتُ لَا تَذْكُرُنَا إِلَّا بِمَا نَعْرِفُهُ جَمِيعًا مَعْرِفَةً يَقِينِيَّةً. نَقْصُ الْمَاءِ يَقْتُلُ. الْجَفَافُ يُسَبِّبُ حَرَائِقَ هَائِلَةً. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا  لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا  وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ١٤-١٦]. وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا، لَمْ يَسْتَطِعِ الْإِنْسَانُ حَلَّ مُشْكِلَةِ الْجَفَافِ. لَقَدْ قَصَفَ الْمُهَنْدِسُونَ السُّحُبَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُجْدِ نَفْعًا عَلَناً. فَالْأَمْرُ يَتَطَلَّبُ أَكْثَرَ مِنْ قَصْفِ أَلْفِ سَحَابَةٍ لِمَلْءِ نَهْرٍ أَوْ إِنْقَاذِ غَابَةٍ مِنْ حَرِيقٍ مُحْتَدِمٍ. وَعِنْدَمَا تُمْطِرُ السَّمَاءُ، يَكُونُ هُنَاكَ خَطَرُ الْفَيَضَانَاتِ وَالِانْهِيَارَاتِ الطِّينِيَّةِ.

كَذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ۚ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]. وَيَقُولُ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]. قَدْ يَبْدُو هَذَا أَمْرًا بَعِيدَ الِاحْتِمَالِ جِدًّا لِعَالِمٍ غَيْرِ مُؤْمِنٍ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى مُؤْمِنٍ عَادِيٍّ مِثْلِي. كُلُّ مَا أَعْلَمُهُ أَنَّهُ فِي شُبَاطَ (فَبْرَايِر) ٢٠١٣، أُصِيبَ أَلْفُ شَخْصٍ بِجُرُوحٍ بَعْدَ سُقُوطِ نَيْزَكٍ فِي رُوسِيَا، وَهِيَ الَّتِي لَدَيْهَا بَرْنَامَجٌ فَضَائِيٌّ مُتَقَدِّمٌ. نَعَمْ، أُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ نَادِرٌ وَلَيْسَ بِذَاكَ الْخَطَرِ، وَلَكِنْ هَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَنْتَظِرَ حَتَّى يَسْقُطَ السَّمَاءُ عَلَى رَأْسِي لِكَيْ أُؤْمِنَ؟ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَمْ يَكْتَرِثُوا قَطُّ بِحَرَائِقِ الْغَابَاتِ أَوِ الْفَيَضَانَاتِ حَتَّى وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ يَوْمًا مُحَاصَرِينَ أَوْ مُضْطَرِّينَ لِلْهُرُوبِ مِنْ أَمَامِهَا. يَقُولُ اللَّهُ أَيْضًا: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]. لَسْتُ بِعَالِمٍ لِأَتَحَقَّقَ مِنْ ذَلِكَ. فَهَلْ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَعْلَمَ أَمْ أَنْ أُؤْمِنَ؟ الْمَعْرِفَةُ الْعِلْمِيَّةُ لَيْسَتْ سَاكِنَةً. أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ وَاضِحَةٌ الْيَوْمَ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً قَبْلَ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ.

 

يَقُولُ اللَّهُ أَيْضًا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ  إِنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا  ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا  فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا  وَعِنَبًا وَقَضْبًا  وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا  وَحَدَائِقَ غُلْبًا  وَفَاكِهَةً وَأَبًّا  مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤-٣٢]. وَيَقُولُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ  أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ  لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ  إِنَّا لَمُغْرَمُونَ  بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ  أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ  أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ  لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣-٧٠]. مَاذَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَقُولَ عَنْ هَذَا؟ نَحْنُ الْبَشَرَ نَعُدُّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَمْرًا مُسَلَّمًا بِهِ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. لَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ يَتَنَقَّلُ النَّاسُ فِي الْفَضَاءِ. لَا يَسْتَطِيعُونَ الْمَشْيَ كَمَا يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ.

 

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]. مِنَ السَّهْلِ مُجَادَلَةُ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ لَنْ يُجَادِلَكَ الْآنَ. وَلَكِنَّ اللَّهَ لَيْسَ مَيِّتًا، إِنَّهُ ﴿الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]. عِنْدَ اللَّهِ، الْمَوْتَى الْحَقِيقِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ مُجَادَلَتَهُ. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. كَمَا يُحْيِي اللَّهُ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، كَذَلِكَ يُحْيِي نُفُوسَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِينَ يَشْعُرُونَ فَجْأَةً بِنُورِ الْحِكْمَةِ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. "آيَاتٍ" أَيْ عَلَامَاتٍ "لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ". أَنَا أُومِنُ أَوَّلًا، ثُمَّ أَبْحَثُ عَنِ الْآيَاتِ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ إِنْ لَمْ أُفَكِّرْ فِيمَا يَحْدُثُ حَوْلِي؟ أَتَعْلَمُ، الْحَرَارَةُ الْمُرْتَفِعَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَحْرِقَ كَثِيرِينَ جِدًّا مِنَ النَّاسِ، بِمَا فِي ذَٰلِكَ الْأَغْنِيَاءُ وَالْمَوْهُوبُونَ، وَمَنَازِلَهُمْ فِي بِضْعَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وَعَنِ الْجَنَّةِ يَقُولُ أَيْضًا: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]. كَيْفَ يُمْكِنُنِي، كَمُؤْمِنٍ، أَنْ أَشْعُرَ بِأَهَمِّيَّةِ هَذَا الْوَصْفِ الْأَخِيرِ إِنْ لَمْ أَكُنْ قَدْ شَعَرْتُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١]. هَلِ الْمَشْيُ فِي الظِّلِّ كَالْمَشْيِ فِي الشَّمْسِ الْحَارِقَةِ؟ الْمُؤْمِنُ الْجَيِّدُ يَعْلَمُ أَنَّ الظِّلَّ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ. الْمُؤْمِنُ الْجَيِّدُ يَشْكُرُ اللَّهَ عَلَى مُجَرَّدِ رُؤْيَةِ أَوْ شَمِّ ثَمَرَةٍ، نَاهِيكَ عَنْ أَكْلِهَا! نَقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]. أُولَٰئِكَ هُمْ أَقَلِّيَّةُ الْأَقَلِّيَّةِ: الَّذِينَ ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ  جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧-٨].

مَاذَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْهَمَ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي تَقُولُ: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]؟ حَسَنًا، لَوْ تَفَكَّرْتُ فِيهَا قَلِيلًا كَمُؤْمِنٍ، سَأُلَاحِظُ أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ يُنْتِجُونَ الْأَشْيَاءَ الْجَيِّدَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ. مُعْظَمُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَنَالُونَ إِلَّا جُزْءًا صَغِيرًا مِنْ كُلِّ ذَٰلِكَ الْإِنْتَاجِ، وَلَكِنْ حَتَّى بَطْنُ الثَّرِيِّ لَا يَسَعُ أَكْثَرَ مِنْ بِضْعَةِ كِيلُوجِرَامَاتٍ مِنَ الطَّعَامِ! فِي الْآخِرَةِ، الْمُؤْمِنُونَ وَحْدَهُمْ سَيَجِدُونَ الطَّيِّبَاتِ؛ لَنْ يُنْتِجَ أَحَدٌ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّارِ. اللَّهُ نَفْسُهُ يَقُولُ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ النَّاسَ الَّذِينَ يَهْتَمُّونَ بِهِ حَقًّا قَلِيلُونَ بِالْقِيَاسِ إِلَى الْعَدَدِ الْإِجْمَالِيِّ. وَمَعَ ذَٰلِكَ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ هَؤُلَاءِ الْقِلَّةَ يُعَانُونَ! يَحْرِمُهُمْ مِمَّا يُحِبُّونَ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١]. وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا كَثِيرِينَ جِدًّا.

 

لِمَاذَا لَا "يَخَافُ" اللَّهُ مِنْ فِقْدَانِ تِلْكَ الْأَقَلِّيَّةِ مِنَ الْأَقَلِّيَّةِ؟ حَسَنًا، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ وَأَذْكِيَاءُ. لَهُمْ ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وَبِالتَّالِي لَا يَسْتَطِيعُونَ إِلَّا أَنْ يُحِبُّوهُ. يَعْلَمُ أَنَّهُمْ مَهْمَا حَدَثَ لَهُمْ سَيَصْبِرُونَ، وَفَوْقَ ذَٰلِكَ سَيَكُونُونَ شَاكِرِينَ! بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ، هَذَا فَقَطْ عَلَامَةٌ جَيِّدَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ. فِي الْحَدِيثِ نَقْرَأُ: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ". وَفِي الْقُرْآنِ يُوصَفُونَ بِأَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٥]. هَؤُلَاءِ النَّاسُ يَنَالُونَ رِضًا حَقِيقِيًّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ دَائِمًا. ذَٰلِكَ جُزْءٌ مِنْ "جَزَائِهِمْ" فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. وَفِي الْآخِرَةِ سَيَنَالُونَ ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]. ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].

 

لِذَٰلِكَ جَعَلَ اللَّهُ الْقَوَانِينَ الْعَامَّةَ (لِحُكْمِ الْعَالَمِ) مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْفِئَةِ الْمُحَدَّدَةِ. يَتَزَوَّجُ النَّاسُ وَيَتَمَتَّعُونَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَبَيْنَمَا يَفْعَلُونَ ذَٰلِكَ، تُولَدُ فِي كُلِّ جِيلٍ بَضْعُ نُفُوسٍ تَبْرُزُ بِقُلُوبِهَا لِتَنْضَمَّ إِلَى نَادِي "كُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" [النحل: ٤١-٤٢].

اللَّهُ لَيْسَ مُتَسَرِّعًا. إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُ. يَقُولُ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى  أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَىٰ  ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ  فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ  أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾ [القيامة: ٣٦-٤٠]. كَمْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكْتَرِثُ؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. وَيَقُولُ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. هَلْ فَعَلَ اللَّهُ كُلَّ ذَٰلِكَ فَقَطْ لِكَيْ نَتَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَقَطْ لِكَيْ نَلْعَبَ وَنُغَنِّيَ وَنَرْقُصَ وَنَنَامَ...؟ لَا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ  ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢-٣]. وَيَقُولُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧]. الْمُؤْمِنُونَ الْجَيِّدُونَ ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] لِأَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ اللَّهَ. يَعْلَمُونَ أَنَّ ﴿الرَّعْدُ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]. يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ﴿لَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. وَأَنَّهُ ﴿اللَّهُ ذُو الْمَعَارِجِ  تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٣-٤]. أُولَٰئِكَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ﴿كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۚ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١]. وَأَنَّ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].

 

نَقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۚ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ  وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ  وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢-٣٤]. ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. لِمَاذَا كُلُّ هَذَا؟ فَقَطْ لِكَيْ نَلْعَبَ وَنُغَنِّيَ وَنَرْقُصَ وَنَنَامَ؟

 

﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]. الْكَوَارِثُ تُحَذِّرُنِي كُلَّ يَوْمٍ. فَكِّرْ فَقَطْ فِي الْجَفَافِ وَنُدْرَةِ الْمِيَاهِ، وَغَيْرِ ذَٰلِكَ مِنَ الْأُمُورِ. كَيْفَ لَا أَخَافُ؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]. ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا  وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا  هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١-٤٣]. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].

 

هَلْ سَأَعِيشُ فِي هَذَا الْعَالَمِ إِلَى الْأَبَدِ؟ مَاذَا سَأَفْعَلُ لَوِ اكْتَشَفْتُ عِنْدَ مَوْتِي أَنَّنِي كُنْتُ فَقَطْ أُضَيِّعُ حَيَاتِي؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَنُذَكِّرُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا شَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٦٠-٦١ بِمَعْنَاهَا]. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]. لَمْ أَسْقُطْ مِنْ آخِرِ مَطَرَةٍ. أَنَا أَعْلَمُ مَا يَحْدُثُ فِي هَذَا الْعَالَمِ. أَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ يَنْتَحِرُونَ فِي بُلْدَانٍ غَنِيَّةٍ جَمِيلَةٍ. النَّاسُ يُصَابُونَ بِالِاكْتِئَابِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ يُسْرِهِمُ الْمَالِيِّ. النَّاسُ يَفْقِدُونَ الْإِيمَانَ بِسُهُولَةٍ. النَّاسُ يَشْعُرُونَ بِالْوَحْدَةِ فِي بُيُوتٍ حَيْثُ كُلُّ شَيْءٍ مُتَاحٌ. النَّاسُ يَتَعَاطَوْنَ الْمُخَدِّرَاتِ لِيَنْسَوْا مَشَاكِلَهُمُ الَّتِي لَا تُنْسَى.

 

نَحْنُ جَمِيعًا ضُيُوفُ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ. سَوَاءٌ أَحْبَبْنَا أَمْ كَرِهْنَا، فَالْأَرْضُ تَمْلُكُهَا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَهُوَ الْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ. إِنَّهُ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]. كَانَ اللَّهُ هُنَا قَبْلَ أَنْ نُوجَدَ، وَسَيَبْقَى هُنَا بَعْدَ أَنْ نَرْحَلَ. لِنَفْتَرِضْ أَنَّ شَخْصًا وَضَعَ بَيْتَهُ تَحْتَ تَصَرُّفِي وَقَالَ: "اعْتَبِرْ نَفْسَكَ فِي بَيْتِكَ، خُذْ رَاحَتَكَ، أَنْتَ تَسْتَحِقُّ ذَٰلِكَ!" هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ سَيَصِيرُ مِلْكًا لِي؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ آتِ إِلَّا بَعْدَ عَدَدٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْأَجْيَالِ الَّتِي كَانَتْ لَهَا نَفْسُ الْأَحْلَامِ وَالرَّغَبَاتِ تَقْرِيبًا، وَأَنِّي أَنَا أَيْضًا سَأَرْحَلُ يَوْمًا مَا. ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦]. وَلَكِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَيْضًا: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤].

 

السُّؤَالُ هُوَ: مِنْ أَيْنَ نَمْضِي بَعْدَ هَذَا؟ تَرَكَتْنَا الْأَجْيَالُ السَّابِقَةُ بِإِرْثٍ جُزْءٌ مِنْهُ أَحْمَرُ (كَالنَّارِ)، وَجُزْءٌ مِنْهُ أَخْضَرُ (كَالْمَرْجِ). الدُّوَلُ الْأَعْضَاءُ فِي الِاتِّحَادِ الْأُورُوبِيِّ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، تَتَصَوَّرُ حَظْرًا كَامِلًا لِبَيْعِ السَّيَّارَاتِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي تَعْمَلُ بِالدِّيزِلِ وَالْبَنْزِينِ بِحُلُولِ عَام ٢٠٣٥. ذَٰلِكَ لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَصْبَحَ يَعِي أَخْطَارَ تَلَوُّثِ الْهَوَاءِ. لَا يَحْتَاجُ الْمَرْءُ أَنْ يَكُونَ مُفَكِّرًا لِيُلَاحِظَ أَنَّ ازْدِهَارَنَا (ثَمَرَةَ تَطَوُّرِنَا الْمَحْمُومِ) كَانَ لَهُ آثَارٌ جَانِبِيَّةٌ. نَحْنُ جَمِيعًا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا مَسْؤولٌ جُزْئِيًّا عَمَّا حَدَثَ لِكَوْكَبِنَا. إِزَالَةُ الْغَابَاتِ، وَالِاسْتِغْلَالُ الْمُفْرِطُ لِلثَّرْوَةِ السَّمَكِيَّةِ، وَالْفَسَادُ، وَغَيْرُ ذَٰلِكَ، هِيَ نَتَائِجُ جَشَعِنَا نَحْنُ. قَادَتُنَا فَهِمُوا مُتَأَخِّرِينَ أَنْ لَا دَوْلَةَ وَاحِدَةَ، وَلَا قَارَّةَ وَاحِدَةَ، تَسْتَطِيعُ حَلَّ هَذِهِ الْمَشَاكِلِ وَحْدَهَا. وَمِنْ ثَمَّ كُلُّ تِلْكَ الْقِمَمِ الْعَالَمِيَّةِ حَوْلَ هَذَا وَذَاكَ. فَقَطِ الْآنَ نَحْنُ مُقْتَنِعُونَ أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا وَاحِدَةٌ. كَانَ اللَّهُ أَوَّلَ مَنْ خَاطَبَ النَّاسَ كَكَائِنٍ وَاحِدٍ. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]. وَلَكِنَّ الْمُدْهِشَ هُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدِ اعْتَرَفَ "بِخَطِيئَتِهِ" الَّتِي ارْتَكَبَهَا فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَرْضِ؛ وَاعْتَرَفَ بِضَعْفِهِ؛ وَاعْتَرَفَ بِمَسْؤُولِيَّتِهِ تُجَاهَ الْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ... وَلَكِنْ كَمْ مِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَرَفَ بِدَوْرِ اللَّهِ فِي حَيَاتِنَا؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. كَمْ مِنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ عَلَى اسْتِعْدَادٍ "لِلرُّجُوعِ"؟ كَمْ مِنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى اللَّهِ، الَّذِي يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. حَتَّى الَّذِينَ، مِثْلِي، يَتَظَاهَرُونَ بِأَنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى اللَّهِ، حَسَنًا، اسْتَمِعْ إِلَى مَا يَقُولُهُ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا  إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦-٨٧].

 

قَالَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. يُرِيدُ اللَّهُ الرَّحْمَةَ لَنَا جَمِيعًا. هَلْ تَسْتَطِيعُ أَيُّ فِرْقَةِ إِطْفَاءِ حَرَائِقَ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ إِخْمَادَ حَرِيقِ غَابَةٍ هَائِلٍ إِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُمُ اللَّهُ بِالْمَطَرِ؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]. قَادَتُنَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا صَالِحِينَ وَمُؤَهَّلِينَ جَيِّدًا، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَحُلُّوا مَحَلَّ اللَّهِ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠]. أَيْ لِلْبَشَرِ. بَعْضُ قَادَتِنَا يُقِيمُونَ جُدْرَانًا وَأَسْوَارًا مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى الْحُدُودِ وَيَفْرِضُونَ تَأْشِيرَاتِ الدُّخُولِ. لِمَاذَا؟ حَسَنًا، كُلُّ قَائِدٍ يَخَافُ عَلَى بَلَدِهِ الْعَزِيزِ. هَذَا أَمْرٌ مَفْهُومٌ. لَوْ كُنْتُ مَكَانَهُمْ، لَرُبَّمَا فَعَلْتُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ. أَمَّا اللَّهُ فَلَا "يَخَافُ" عَلَى مَمْلَكَتِهِ. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤]. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]. الْمُشْكِلَةُ أَنَّ بَعْضَ قَادَتِنَا يُعْطُونَنَا انْطِبَاعًا بِأَنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ إِعْطَاءَنَا كُلَّ مَا نُرِيدُ، بِأَنَّهُمْ هُمْ سَادَةُ هَذَا الْعَالَمِ. حَسَنًا، هَذَا أَمْرٌ قَابِلٌ لِلنِّقَاشِ. أَيْضًا، أَوَّلُ شَيْءٍ يُفَكِّرُ فِيهِ الْقَائِدُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ هُوَ مَذَكِّرَاتُهُ. أَمَّا اللَّهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَذَكِّرَاتٍ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]. حَتَّى إِنَّهُ يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]. وَهَذَا صَحِيحٌ. لَوْ كَانَ الْقَادَةُ فِي الْمَاضِي يَمْلِكُونَ "قِطْمِيرًا"، لَمَا سَقَطَتْ أَيُّ إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ، وَلَا مَزَّقَتْ أَيُّ أَزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ الْمُجْتَمَعَاتِ. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]. سَوَاءٌ أَآمَنْتُ بِذَٰلِكَ أَمْ لَا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦-٢٧].

 

عِنْدَمَا أُدْرِكُ عَظَمَةَ اللَّهِ، بِقِيمَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ، عِنْدَمَا أَرَى نِعْمَةَ اللَّهِ رُؤْيَةً مَادِّيَّةً، لَا يُمْكِنُنِي إِلَّا أَنْ أَشْعُرَ بِالسَّكِينَةِ فِي قَلْبِي. حَتَّى عِنْدَمَا أَشْعُرُ بِخَوْفِ اللَّهِ، يَتْبَعُ خَوْفِي فَوْرًا سَكِينَةٌ فِي قَلْبِي. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. حَتَّى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ".

 

غَيْرُ الْمُؤْمِنِ قَدْ يَقُولُ: لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَخَافَ اللَّهَ إِذَا كَانَ، كَمَا يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]؟ هَذَا سُؤَالٌ جَيِّدٌ. وَلَكِنْ لِمَاذَا أَنْظُرُ إِلَى "يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ" وَلَا أَنْظُرُ إِلَى "يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ"؟ الْآيَةُ كَامِلَةٌ هِيَ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٩]. لِمَاذَا لَا أُحَاوِلُ قَدْرَ الْمُسْتَطَاعِ أَنْ أَفْعَلَ الْخَيْرَ وَأَجْتَنِبَ الشَّرَّ، ثُمَّ آمُلُ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يَغْفِرُ لَهُمُ اللَّهُ، مَا دَامَ هُوَ "غَفُورًا رَحِيمًا"؟ وَلَكِنَّنِي، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، إِذَا ارْتَكَبْتُ خَطَأً سَخِيفًا، لَا أَعُدُّ نَفْسِي آمِنًا مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ ﴿لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧]. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخِيفَنِي لِكَيْ يُنْقِذَنِي. يَقُولُ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. وَيَقُولُ أَيْضًا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. أَلَنْ أَكُونَ غَبِيًّا إِنْ أَضَعْتُ هَذِهِ الْفُرْصَةَ الذَّهَبِيَّةَ؟ إِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ مَسَاحَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا، فَلِمَاذَا لَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ وَاحِدًا مِنْ سُكَّانِ ذَلِكَ الْعَالَمِ الْجَمِيلِ الْمَحْظُوظِينَ؟

 

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. يُخَاطِبُ اللَّهُ "أُولِي الْأَلْبَابِ". ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ  الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨]. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ  وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ  وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ  جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ  سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩-٢٤]. ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]. هَذَا هُوَ أَفْضَلُ اسْتِثْمَارٍ، أَلَيْسَ كَذَٰلِكَ؟

 

لِمَاذَا تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لِسُكَّانِ الْجَنَّةِ "بِمَا صَبَرْتُمْ"؟ حَسَنًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ". الْمِيدَالِيَّةُ الذَّهَبِيَّةُ فِي الْأُولِمْبِيَادِ لَيْسَتِ الْجَنَّةَ، وَلَكِنْ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ بَطَلًا أُولِمْبِيًّا دُونَ أَنْ يُقَدِّمَ تَضْحِيَاتٍ؟ هَلْ يُمْكِنُكَ الْحُصُولُ عَلَى شَهَادَةٍ جَامِعِيَّةٍ عَالِيَةٍ دُونَ تَقْدِيمِ تَضْحِيَاتٍ؟ السُّؤَالُ الصَّحِيحُ هُوَ: هَلِ الْجَنَّةُ تَسْتَحِقُّ مِثْلَ هَذِهِ التَّضْحِيَاتِ؟ لَا شَكَّ أَنَّ عَالَمَنَا جَمِيلٌ؛ وَإِلَّا لَمَا كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُسَمَّى السِّيَاحَةَ، مَعَ عَدَدٍ لَا يُحْصَى مِنَ الْفَنَادِقِ وَالْمُنْتَجَعَاتِ الْفَاخِرَةِ وَمُخَيَّمَاتِ التَّخْيِيمِ... وَلَكِنْ هُنَاكَ أَيْضًا مَآسٍ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]. لَا ﴿نَصَبٌ وَلَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] فِي الْجَنَّةِ. لَا مَشَاكِلَ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا قُلُقَ، وَلَا خَسَائِرَ. لِذَٰلِكَ، لِأَحْصُلَ عَلَى فُرْصَةِ الذَّهَابِ إِلَى هُنَاكَ، يَجِبُ أَنْ أَتَحَمَّلَ نَوْعًا مَا مِنَ الْمُعَانَاةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا.

 

هَلِ الَّذِينَ يُوصَفُونَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُمْ "أُولُو الْأَلْبَابِ" هُمُ النَّاسُ الْوَحِيدُونَ فِي الْعَالَمِ الَّذِينَ يَسْتَطِيعُونَ فَهْمَ كُلِّ هَذَا؟ هَلْ بَقِيَّةُ الْبَشَرِيَّةِ أَغْبِيَاءُ؟ مَاذَا عَنْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ وَيَتَبَرَّعُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَأَحْيَانًا يُعْطُونَ حَيَاتَهُمْ لِـ "غُورُو"؟ مَاذَا عَنْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَبَالِغَ طَائِلَةً مِنَ الْمَالِ لِبِنَاءِ مَعَابِدَ وَأَضْرِحَةٍ فَخْمَةٍ لِآلِهَةٍ أُخْرَى؟ أَلَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ النَّاسُ أَنْ يَسْتَخْدِمُوا أَمْوَالَهُمْ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ؟ كُلُّ هَذِهِ أَسْئِلَةٌ مَشْرُوعَةٌ. وَلَكِنْ هُنَاكَ سُؤَالٌ آخَرُ أَيْضًا: مَنْ هُوَ أَسْعَدُ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ اللَّهَ وَيَعْبُدُونَهُ أَمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ آلِهَةً أُخْرَى وَيَعْبُدُونَهَا؟

 

مَهْمَا يَكُنِ الْجَوَابُ، نَحْنُ جَمِيعًا نَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَنْتَحِرُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْحُصُولَ عَلَى شُعُورٍ دَائِمٍ بِالسَّعَادَةِ. آخَرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ تَحَمُّلَ حَتَّى أَدْنَى حُزْنٍ. وَلَكِنْ يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُعَانِيَ، لِسَبَبٍ أَوْ لِآخَرَ، وَمَعَ ذَٰلِكَ يَكُونُ لَدَيْهِ أَيَّامٌ سَعِيدَةٌ كَثِيرَةٌ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. أَلَا يَجِبُ شُكْرُ اللَّهِ عَلَى ذَٰلِكَ؟ تَصَوَّرْ مُعَانَاةَ قَرِيبِ رَهِينَةٍ، وَتَصَوَّرْ فَرَحَتَهُ بَعْدَ شَمْلِهِمَا (بَعْدَ اللِّقَاءِ الدَّمِعِ)! تَصَوَّرْ صَدْمَةَ مَنْ عَلِمَ تَوًّا أَنَّهُ يُعَانِي مِنْ مَرَضٍ قَدْ يَكُونُ خَطِيرًا، وَتَصَوَّرَ ارْتِيَاحَهُمْ عِنْدَمَا يُشْفَوْنَ مِنْهُ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۗ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].

 

وَلَكِنْ هَلْ أَحْتَاجُ حَقًّا أَنْ أَكُونَ فِي الْجَنَّةِ بَعْدَ مَوْتِي؟ حَسَنًا، إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ ﴿أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، وَ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. وَمَعَ ذَٰلِكَ فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥]. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۗ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]. كَيْفَ لَا أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَمْنَحَنِي مَكَانًا فِي الْجَنَّةِ أَيْضًا؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ". تَعْرِفُ تِلْكَ الْبَرَامِجَ الْإِذَاعِيَّةَ الَّتِي تُدْعَى فِيهَا لِإِرْسَالِ إِجَابَاتٍ عَنْ طَرِيقِ رَسَائِلِ SMS. يُطْرَحُ سُؤَالٌ سَهْلٌ لِكَيْ يُرْسِلَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الرَّسَائِلِ النَّصِّيَّةِ. حَسَنًا، لِتَزْدَادَ فُرْصَتُكَ الشَّخْصِيَّةُ فِي الْفَوْزِ، تُرْسِلُ أَكْبَرَ عَدَدٍ يُمْكِنُكَ تَحَمُّلُهُ مِنَ الرَّسَائِلِ النَّصِّيَّةِ. لِمَاذَا لَا أَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْجَنَّةِ؟ الْمُسْلِمُ الْعَادِيُّ الَّذِي يَتَّقِي اللَّهَ يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ، وَلَكِنْ لِتَجَنُّبِ "الْمُفَاجَآتِ غَيْرِ السَّارَّةِ" يَجِبُ أَنْ أُحَاوِلَ أَنْ أَكُونَ أَفْضَلَ قَلِيلًا مِنْ مُسْلِمٍ عَادِيٍّ. لِمَاذَا لَا أُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا، تِلْكَ هِيَ الدَّرَجَةُ الْأَعْلَى؟ يَجِبُ أَنْ أُحَاوِلَ أَوَّلًا تَأْمِينَ مَكَانٍ لِي فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ أُحَاوِلَ أَنْ أَتَنَظَّرَ فِي الْأَمْرِ بِرُمَّتِهِ.

 

الْآنَ، كَيْفَ أَفْهَمُ قِصَّةَ الْجَنَّةِ؟ كَانَ يُمْكِنُ لِلَّهِ أَنْ يَبْقَى "وَحْدَهُ" وَلَا يَكْتَرِثُ بِخَلْقِ أَيِّ شَيْءٍ. كَانَ هُوَ اللَّهَ، الْغَنِيَّ، الْحُرَّ، الْمُكْتَفِيَ بِذَاتِهِ. وَلَكِنَّهُ كَانَ جَمِيلًا جِدًّا حَتَّى لَا يُعْرَفَ. وَكَانَ كَرِيمًا جِدًّا حَتَّى لَا يُشْرِكَ غَيْرَهُ فِي جَمَالِهِ. وَلَكِنْ مَعَ مَنْ؟ كَانَ هُوَ اللَّهَ، وَلَا شَيْءَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ. لَا شَيْءَ يُمْكِنُ أَنْ يُضَاهِيهُ. وَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ أَوْ أَحَدٍ. إِنَّهُ فَقَطْ بِفَضْلِهِ هُوَ خَلَقَ الْعَالَمَ لِيُشْرِكَ غَيْرَهُ لَيْسَ فِي جَمَالِهِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا فِي كَرَمِهِ. جَعَلَ الْجَنَّةَ جَمِيلَةً بِكُلِّ مَعَانِي الْكَلِمَةِ. جَعَلَهَا لَا لِنَفْسِهِ (لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا لَهَا)، بَلْ جَعَلَهَا لَنَا. سَوَاءٌ أَكَانَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ الْأَرْضَ قَبْلَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَمْ بَعْدَهَا، لَيْسَ ذَٰلِكَ بِالسُّؤَالِ الْكَبِيرِ حَقًا. وَلَكِنَّهُ مُمْتِعٌ أَنْ نُلَاحِظَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ يُشْبِهُ الْجَنَّةَ (الْبَسَاتِينَ، الْمُتَنَزَّهَاتِ الطَّبِيعِيَّةَ، الْمَحْمِيَّاتِ، إِلَخْ) وَجُزْءًا مِنْهَا يُشْبِهُ النَّارَ (الْبَرَاكِينَ، إِلَخْ)، كَتَذْكِيرٍ لِسُكَّانِ هَذَا الْكَوْكَبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَنَا نَحْنُ. يَصِفُ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ ذِكْرٌ. وَالْآنَ بَعْدَ أَنْ صِرْنَا هُنَا، يَجِبُ أَنْ نَطْرَحَ عَلَى أَنْفُسِنَا الْأَسْئِلَةَ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ  إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨]. لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُفْرِطَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ. إِنَّهَا وَاضِحَةٌ. يُرِيدُ اللَّهُ مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْبُدَهُ. وَلَكِنْ هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّ اللَّهَ يَحْتَاجُ لِعِبَادَةِ الْإِنْسَانِ؟ اللَّهُ نَفْسُهُ يُجِيبُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ. يَقُولُ: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ انْتَظَرَ آلَافًا أَوْ مَلَايِينَ السِّنِينَ لِشَخْصٍ مِثْلِي لِيَكْتُبَ شَيْئًا كَهَذَا؟ إِنْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، فَذَٰلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَا مِنِّي. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]. لَوْ كَانَ اللَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَعْبُدُهُ لَاسْتَبْقَى عَلَى الْأَقَلِّ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ بِأَحْسَنِ وَجْهٍ فِي الْمَاضِي، وَلَكِنَّنَا جَمِيعًا نَعْلَمُ أَنَّ حَتَّى الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ قَدْ مَاتُوا. هَلْ يُهِمُّ اللَّهَ عَدَدُ الْعَابِدِينَ أَمْ جَوْدَةُ الْعَابِدِينَ أَمْ كَمِّيَّةُ الْعِبَادَةِ؟ مَرَّةً أُخْرَى، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. لِنَفْتَرِضْ أَنَّ اللَّهَ كَانَ مُهْتَمًّا بِعَدَدِ الْعَابِدِينَ أَوْ كَمِّيَّةِ الْعِبَادَةِ، فَمَا قِيمَةُ عِبَادَتِي أَنَا (بِنَفْسِي) فِي كُلِّ ذَٰلِكَ؟ هَلْ أَسْتَحِقُّ سَعَادَةً أَبَدِيَّةً فِي الْجَنَّةِ نَظِيرَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي أُؤَدِّيهَا فِي حَيَاتِي الْقَصِيرَةِ؟ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ". وَمَعَ ذَٰلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرِيدُ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى النَّارِ. يَقُولُ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠]. السُّؤَالُ هُوَ، لِمَاذَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى النَّارِ؟ صَحِيحٌ، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠]. وَلَكِنَّنِي وَأَنْتَ نَعْرِفُ مَا هُوَ الْإِنْسَانُ. كَثِيرُونَ يُحِبُّونَ التَّحَدِّيَ. كَثِيرُونَ مُتَهَوِّرُونَ. حَتَّى كَثِيرٌ مِنَ الْأَذْكِيَاءِ يَرْتَكِبُونَ أَخْطَاءً سَخِيفَةً. فَكِّرْ فِي الْإِيدْزِ، الْمُخَدِّرَاتِ، الْعَادَاتِ الْغِذَائِيَّةِ السَّيِّئَةِ، إِلَخْ. لِذَٰلِكَ، مِنَ السَّهْلِ تَوْلِيدُ سُؤَالٍ بَعْدَ سُؤَالٍ. بَعْضُ النَّاسِ يَطْرَحُونَ أَسْئِلَةً لِكَيْ يَفْهَمُوا، وَآخَرُونَ يُجَادِلُونَ فَقَطْ لِأَجْلِ الْجَدَلِ. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَطْرَحُونَ أَسْئِلَةً لِكَيْ يَفْهَمُوا يَسْتَطِيعُونَ فَهْمَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْجَنَّةَ لِيُظْهِرَ كَمْ هُوَ عَظِيمٌ، كَمْ هُوَ رَحِيمٌ، كَمْ هُوَ لَطِيفٌ، كَمْ هُوَ مُجِيبٌ، كَمْ هُوَ جَمِيلٌ. خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ لِيُشَارِكَ الْمُؤْمِنِينَ جَمَالَهُ وَكَرَمَهُ. لِذَٰلِكَ فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ. لَيْسَ لِأَنَّ لَدَيْهِ نَارًا "فِي حَدِيقَتِهِ الْخَلْفِيَّةِ"، كَمَا يُقَالُ، وَلَيْسَ لِأَنَّهُ ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] (هُوَ أَيْضًا ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦])، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] وَ ﴿وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]. هَؤُلَاءِ النَّاسُ سَيَفْهَمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ سَيَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ. وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. لَا بُدَّ مِنْ طَرِيقَةٍ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشَّاكِرِينَ وَالْكَافِرِينَ. وَلِذَٰلِكَ نَحْنُ مُخْتَلِفُونَ: فِي اللَّوْنِ، وَالشَّكْلِ، وَالصِّحَّةِ، وَالثَّرْوَةِ، إِلَخْ. كُلُّ ذَٰلِكَ لَيْسَ إِلَّا ابْتِلَاءَاتٌ لَنَا. اللَّهُ لَنْ يَقْبَلَ أَنْ يُعْبَدَ مَجَّانًا. يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. اللَّهُ مَوْجُودٌ لِيَهْدِيَنِي، إِنْ كُنْتُ مُسْتَعِدًّا لِلِاسْتِمَاعِ، وَيُكَافِئَنِي عَلَى أَدْنَى فِكْرَةٍ عَنْهُ. يَقُولُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]. يُمْكِنُهُ أَنْ يُكَافِئَنِي فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. وَلَكِنْ هُنَاكَ شَيْءٌ أَثْمَنُ مِنَ الْجَنَّةِ. هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَمَّنَ؟ إِنَّهُ "رِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ" [البقرة: ٢٦٥]. لِذَٰلِكَ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وَبِمَا أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ أَيُّ شَخْصٍ، فَإِنَّ "رِضَاهُ" صَعْبُ الْمَنَالِ. صَعْبٌ وَلَكِنْ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا. إِنَّهُ يَتَطَلَّبُ تَضْحِيَاتٍ.

 

أَنَا أَفْعَلُ الْأَشْيَاءَ لِحُبِّ اللَّهِ، احْتِرَامًا لِلَّهِ، لَا مِنْ بَابِ اللَّطَافَةِ. اللَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى لَطَافَتِي. اللَّهُ يُرِيدُنِي، كَمُؤْمِنٍ، أَنْ أُحِبَّهُ وَأَنْ أَعْرِفَ لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ أُحِبَّهُ. أَنَا أُحِبُّ اللَّهَ لِأَنَّهُ جَمِيلٌ، كَرِيمٌ، رَحِيمٌ، غَفُورٌ، وَدُودٌ. أُحِبُّهُ لِصِفَاتِهِ الْجَوْهَرِيَّةِ. أُحِبُّهُ لِأَنَّ ذَٰلِكَ هُوَ الْمَجْرَى الطَّبِيعِيُّ، إِنَّهُ وَاضِحٌ جِدًّا. أُحِبُّهُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَسْلُومٌ بِهِ، كَمَا يُقَالُ. كُنْتُ سَأُحِبُّ إِنْسَانًا لِفَضَائِلَ وَصِفَاتٍ أَقَلَّ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ. وَبِالْمِثْلِ، كَمَا أُحِبُّ أَنْ أَرَى مُنْتَجَعًا رَائِعًا أُنْشِئَ عَلَى الْأَرْضِ بِوَاسِطَةِ إِنْسَانٍ مِثْلِي، أُحِبُّ أَنْ أَرَى الْجَنَّةَ الَّتِي صَمَّمَهَا وَأَعَدَّهَا اللَّهُ نَفْسُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ. أَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ هُوَ. عَقْلِي الْبَشَرِيُّ الصَّغِيرُ (الْفَانِي) لَا يَسْتَطِيعُ تَصَوُّرَهُ. أَنَا أُومِنُ بِالْجَنَّةِ وَلَا أَعْرِفُ مَا هِيَ حَقًا. أَنَا أُومِنُ أَنَّهَا جَمِيلَةٌ، وَلَكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ تَصَوُّرَهَا. الْآنَ أَنَا أُومِنُ بِالْغَيْبِ بِاعْتِبَارِهِ الطَّرِيقَ الْوَحِيدَ -الَّذِي قَرَّرَهُ اللَّهُ- لِشِرَاءِ تَذْكَرَةٍ إِلَى الْجَنَّةِ. بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، لَا أُفَكِّرُ فِي الْجَنَّةِ مِنْ مَنْظُورٍ دِينِيٍّ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ مَنْظُورٍ فِكْرِيٍّ. لِكَيْ تَتَضَحَ هَذِهِ الْفِكْرَةُ أَكْثَرَ، خُذْ شَخْصًا وَاحِدًا. تَصَوَّرْ رَجُلًا اسْمُهُ "جْوَان"، مُعَلِّمٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، يَعِيشُ فِي لِيمَا، بِالْبِيرُو. يُصَادِفُ هَذَا الرَّجُلُ زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فِي مَدِينَتِهِ. هَذَانِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَانِ لَيْسَا عَرَبَيْنِ، بَلْ هُمَا بِيرُوفِيَّانِ. الْمُعَلِّمُ، الْمُعْتَادُ عَلَى نَمَطِ الْحَيَاةِ الْغَرْبِيِّ، يَطْرَحُ عَلَى نَفْسِهِ أَسْئِلَةً. يُجْرِي بَعْضَ الْبُحُوثِ عَلَى الْإِنْتَرْنِتْ. يَقْرَأُ كُتُبًا، ثُمَّ يُسَافِرُ إِلَى بَلَدٍ عَرَبِيٍّ. عِنْدَ وُصُولِهِ، يَصْدِمُهُ أَنْ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَلَدِ الْعَرَبِيِّ الْمُسْلِمِ لَا يُعْطُونَهُ حَقًا انْطِبَاعًا بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ. فَمَاذَا يَفْعَلُ؟ هَلْ يَعُودُ إِلَى بَيْتِهِ وَيَقُولُ: لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ جَيِّدًا لِي بَيْنَمَا هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ لَا يُمَارِسُونَ الْإِسْلَامَ الْحَقِيقِيَّ فِي بَلَدِهِمْ؟ أَمْ هَلْ يَقُولُ: لَا يَعْنِينِي النَّاسُ. جِئْتُ إِلَى هُنَا لِأكْتَشِفَ الْمَزِيدَ عَنِ الدِّينِ. لِنَفْتَرِضْ أَنَّهُ تَجَاهَلَ النَّاسَ وَرَكَّزَ عَلَى الْإِيمَانِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، فَمَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ؟ حَسَنًا، كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَرُّوا بِعَمَلِيَّةٍ مُشَابِهَةٍ إِلَى حَدٍّ مَا، وَبَعْضُهُمُ انْتَهَى بِهِ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ صَارُوا عُلَمَاءَ وَأَئِمَّةً يَدْعُونَ الْعَرَبَ وَغَيْرَ الْعَرَبِ إِلَى الْإِسْلَامِ الْحَقِيقِيِّ! تَصَوَّرْ سَعَادَةَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ!

 

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩-٣٠]. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٢٣]. هَلْ يَجِبُ أَنْ أَتَّخِذَ هَذَا عُذْرًا وَأَقُولَ: إِنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا جَيِّدًا، لَجَعَلَنِي مُؤْمِنًا جَيِّدًا؟ حَسَنًا، هَذَا كَالْبَقَاءِ فِي الْبَيْتِ وَانْتِظَارِ اللَّهِ لِيَأْتِيَنِي بِمَا آكُلُهُ، إِلَخْ. هَذَا كَإِنْجَابِ اثْنَيْ عَشَرَ طِفْلًا لَا تَسْتَطِيعُ إِطْعَامَهُمْ.

 

كَمَا قُلْتُ سَابِقًا، الْقُرْآنُ يُخَاطِبُ "أُولِي الْأَلْبَابِ" الَّذِينَ ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨]. هَذَا يَعْنِي أَنِّي أَسْتَخْدِمُ عَقْلِي، وَتُجْرِبَتِي الشَّخْصِيَّةَ، لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَعِنْدَمَا أَعْرِفُ الْحَقَّ يَجِبُ أَنْ أَتَّبِعَهُ. حَتَّى الْمُؤْمِنُونَ الْجَيِّدُونَ -الَّذِينَ هُمْ مُؤْمِنُونَ فِعْلًا، أَيْ "أُولُو الْأَلْبَابِ" فَقَطْ- يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. يَقُولُونَ دَائِمًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. إِذَا اسْتَخْدَمْتُ عَقْلِي بِشَكْلٍ صَحِيحٍ، لَا يُمْكِنُنِي إِلَّا أَنْ أُعَزِّزَ إِيمَانِي. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].

 

لِمَاذَا يُصِرُّ بَعْضُ الْمَرْضَى وَالنِّسَاءِ الْحَوَامِلِ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ؟ أَحْيَانًا يَأْتِي شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكُ فِي فَصْلِ الْحَرِّ، وَمَعَ ذَٰلِكَ يُصِرُّ كَثِيرٌ مِنَ الرِّجَالِ عَلَى أَنَّهُمْ يَجِبُ أَنْ يَصُومُوا مَعَ أَنَّهُمْ مَرْضَى، وَتُصِرُّ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى أَنَّهُنَّ يَجِبُ أَنْ يَصُمْنَ مَعَ أَنَّهُنَّ حَوَامِلُ! يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: ٤٢]. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].

 

لَيْسَ الْإِسْلَامُ هُوَ الَّذِي يَدْفَعُ الرِّجَالَ الْمَرْضَى أَوِ النِّسَاءَ الْحَوَامِلَ إِلَى صِيَامِ رَمَضَانَ، أَوْ يَدْفَعُ هَؤُلَاءِ الْجِيَاعَ إِلَى عَدَمِ الْأَكْلِ مِنْ لَحْمٍ مُحَرَّمٍ أَصْلًا. إِنَّهَا قُلُوبُ هَؤُلَاءِ النَّاسِ هِيَ الَّتِي تَدْفَعُهُمْ لِفِعْلِ ذَٰلِكَ. إِنَّهُ حُبُّهُمْ لِلَّهِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ".


20

 

الْحَجُّ يَلْتَقِي فِيهِ النَّاسُ مِنْ كُلِّ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ، يَفْعَلُونَ أَشْيَاءَ مُتَشَابِهَةً إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، ثُمَّ يَعُودُونَ كُلٌّ إِلَى بَيْتِهِ. بَعْدَ الْعَوْدَةِ، يَتَّبِعُ كُلُّ وَاحِدٍ عَادَاتِ بَلَدِهِ. مَاذَا تَفْعَلُ هَذِهِ الْعَادَاتُ؟ إِنَّهَا تُعَلِّمُكَ كَيْفَ تَتَصَرَّفُ بِحُسْنٍ فِي الْمُجْتَمَعِ. هَذَا هُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْقُرْآنُ. إِنْ كُنْتُ مُؤْمِنًا، فَالْقُرْآنُ يُعَلِّمُنِي كَيْفَ أَتَصَرَّفُ بِحُسْنٍ عِنْدَمَا أَكُونُ وَحْدِي وَعِنْدَمَا أَكُونُ فِي الْمُجْتَمَع. لَسْتُ وَحْدِي أَبَدًا، فِي الْحَقِيقَةِ. أَنَا وَحْدِي جَسَدِيًّا، وَلَكِنَّ رُوحِي مُفْتَرَضٌ أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِالْخَالِقِ. كَذَلِكَ، هُنَاكَ مَلَكَانِ وَقَرِينٌ (مِنَ الْجِنِّ) مَعِي. وَإِذَا أَخَذْتُ هَذَا فِي اعْتِبَارِي، فَالْقُرْآنُ يُسَاعِدُنِي عَلَى إِدَارَةِ جَمِيعِ عَلَاقَاتِي: مَعَ نَفْسِي أَوَّلًا، وَمَعَ أَقَارِبِي، وَمَعَ مُجْتَمَعِي الصَّغِيرِ، وَمَعَ دَوْلَتِي، وَمَعَ الْبَلَدِ الَّذِي أَعِيشُ فِيهِ، وَمَعَ الْأُمَّةِ، وَمَعَ الْبَشَرِيَّةِ، وَمَعَ اللَّهِ، وَمَعَ الشَّيْطَانِ. فِي عَلَاقَتِي مَعَ نَفْسِي، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، أَنَا أُنْصَحُ بِكَيْفِيَّةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى حَيَاتِي وَمَالِي وَعَقْلِي وَدِينِي وَعِرْضِي. أُنْصَحُ بِكَيْفِيَّةِ إِدَارَةِ عَلَاقَتِي بِالْجَمَالِ وَالْعَظَمَةِ. أُنْصَحُ بِكَيْفِيَّةِ تَحْوِيلِ هَشَاشَتِي (الْغَرَائِزِ، إِلَخْ) إِلَى قُوَّةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ تُحَافِظُ عَلَى عِرْضِي وَكَرَامَتِي. أُنْصَحُ بِكَيْفِيَّةِ رَفْعِ نَفْسِي مِنْ حَيَوَانٍ (جَسَدٍ) إِلَى إِنْسَانٍ كَرِيمٍ (نَفْسٍ صَالِحَةٍ فِي جَسَدٍ صَالِحٍ).

 

الْمُجْتَمَعُ الْمَغْرِبِيُّ لَيْسَ كَالْمُجْتَمَعِ الْأَمْرِيكِيِّ أَوِ الرُّوسِيِّ أَوِ الصِّينِيِّ. وَلَكِنَّنَا كَبَشَرٍ نَشْتَرِكُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. قَدْ نُعَانِي مِنَ الْبِطَالَةِ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ جِدًّا. وَلَكِنَّ الْمَشَاعِرَ الْأَسَاسِيَّةَ لِلشَّخْصِ الْعَاطِلِ عَنِ الْعَمَلِ تَظَلُّ عَلَى حَالِهَا إِلَى حَدٍّ مَا. عِنْدَمَا تَفْشَلُ فِي الْعُثُورِ عَلَى وَظِيفَةٍ، كَثِيرًا مَا يُعَامِلُكَ النَّاسُ بِطَرِيقَةٍ سَيِّئَةٍ. قَدْ تُفَاجَأُ بِرُؤْيَةِ الْأَصْدِقَاءِ أَوْ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ يُدِيرُونَ لَكَ ظُهُورَهُمْ. هَذَا لَهُ عَلَاقَةٌ بِالصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ. نَحْنُ جَمِيعًا نَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةٍ نَفْسِيَّةٍ جَيِّدَةٍ، وَالْإِيمَانُ يُسَاعِدُ كَثِيرًا جِدًّا فِي ذَلِكَ.

 

الْأَحْلَامُ هِيَ مَصْدَرُ إِلْهَامٍ لَا يَنْضَبُ. وَلَكِنْ هُنَاكَ أَحْلَامٌ وَأَحْلَامٌ. هُنَاكَ أَحْلَامٌ يُمْكِنُ تَحْقِيقُهَا وَأَحْلَامٌ لَنْ تَتَحَقَّقَ أَبَدًا. كَمُؤْمِنٍ، يَجِبُ أَنْ أَكُونَ وَاقِعِيًّا. يَجِبُ أَنْ آخُذَ فِي الْحُسْبَانِ جَمِيعَ "الْمُعْطَيَاتِ"، كَمَا قُلْتُ سَابِقًا. سِنُّ الْخَمْسِينَ لَيْسَتْ كَسِنِّ الْعِشْرِينَ. الشَّخْصُ الْمُتَزَوِّجُ لَيْسَ كَالشَّخْصِ غَيْرِ الْمُتَزَوِّجِ. الطِّفْلُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَعِيشُ فِي فَيْلَا ضَاحِيَةٍ لَيْسَ كَالْفَتَى الصَّغِيرِ الَّذِي يَعِيشُ مَعَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ فِي غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ بِشَقَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي مَنْطِقَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ. أَنْ تَكُونَ طِفْلًا لِأَبَوَيْنِ مُتَعَلِّمَيْنِ مُتَدَيِّنَيْنِ لَيْسَ كَأَنْ تَكُونَ طِفْلًا لِأَبَوَيْنِ أُمِّيَّيْنِ مُهْتَمَّيْنِ بِالْمَالِ فَقَطْ. الْعَيْشُ فِي بَلَدٍ حَيْثُ الضَّمَانُ الِاجْتِمَاعِيُّ وَالرِّعَايَةُ الصِّحِّيَّةُ أَمْرَانِ شَائِعَانِ لَيْسَ كَالْعَيْشِ فِي بَلَدٍ حَيْثُ الضَّمَانُ الِاجْتِمَاعِيُّ وَالرِّعَايَةُ الصِّحِّيَّةُ رَفَاهِيَةٌ. إِذَا كُنْتُ أَنَا شَخْصِيًّا يُمْكِنُنِي التَّكَيُّفُ بِـ ٦٠ دُولَارًا فَقَطْ فِي الشَّهْرِ، فَشَخْصٌ آخَرُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى ٥٠٠ دُولَارٍ عَلَى الْأَقَلِّ فِي الشَّهْرِ. إِذَا كُنْتُ أَنَا شَخْصِيًّا يُمْكِنُنِي أَنْ أَجِدَ مَنْ يُطْعِمُنِي عِنْدَمَا أَفْقِدُ عَمَلِي، فَشَخْصٌ آخَرُ قَدْ لَا يَجِدُ مَنْ يُعْطِيهِ رَغِيفَ خُبْزٍ. مَشَاقِّي أَنَا قَدْ تَكُونُ صَعْبَةً جِدًّا جِدًّا -بِالنِّسْبَةِ لِي-، وَلَكِنَّهَا قَدْ لَا تَكُونُ شَيْئًا مُقَارَنَةً بِمَشَاقِّ شَخْصٍ آخَرَ. لِذَٰلِكَ يَدْعُو الْإِسْلَامُ إِلَى التَّوَاضُعِ. يَقُولُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]. إِذَا كَانَ لِي عَيْنَانِ، فَلْنُفَكِّرْ فِيمَنْ لَا يَمْلِكُهُمَا. إِذَا كَانَ لِي سَاقَانِ، فَلْنُفَكِّرْ فِيمَنْ لَا يَمْلِكُهُمَا. إِذَا كَانَ لِي سَقْفٌ، فَلْنُفَكِّرْ فِيمَنْ يَنَامُ فِي الطَّرِيقِ. إِذَا كُنْتُ مُتَزَوِّجًا، فَلْنُفَكِّرْ فِيمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ تَدْبِيرَ أُمُورِ الزَّوَاجِ. هَكَذَا سَأَشْعُرُ كَيْفَ أَنَّ اللَّهَ أَسْبَغَ عَلَيَّ "نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً" [لقمان: ٢٠]. يَقُولُ اللَّهُ لِي: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، يَجِبُ أَنْ أُفَكِّرَ فِي الْعَطَاءِ قَبْلَ أَنْ أُفَكِّرَ فِي الْأَخْذِ. لَا يَتَطَلَّبُ الْأَمْرُ كَثِيرًا لِتَكُونَ مُحْسِنًا: يُمْكِنُنِي أَنْ أُعْطِيَ الْقَلِيلَ، كَابْتِسَامَةٍ أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ. هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ كَمَا أَنَا أُدْرِكُهُ. خَيْرٌ لِي أَنْ أُفَكِّرَ فِي الْعَطَاءِ وَلَوْ بِأَفْكَارٍ تَقْوَى بَسِيطَةٍ مِنْ أَنْ أَقَعَ فِي فَخِّ الِاسْتِضْعَافِ. هَذَا هُوَ الشِّفَاءُ لِلْكَثِيرِ مِنْ مَشَاكِلِنَا النَّفْسِيَّةِ.

 

مُنْذُ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ، كَانَ الشَّبَابُ فِي أَجْزَاءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعَالَمِ يَعِيشُونَ مَعَ وَالِدِيهِمْ حَتَّى يَتَزَوَّجُوا. كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ، حَتَّى الْأُمِّيِّينَ، يَمْلِكُونَ مَنَازِلَ لَهُمْ. كَانَ هُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنَ الْعَمَلِ لِلْجَمِيعِ. كَانَ الشَّبَابُ يَسْتَطِيعُونَ الذَّهَابَ إِلَى الْمَدْرَسَةِ وَبِالتَّالِي عَيْشَ حَيَاةٍ أَفْضَلَ مِنْ حَيَاةِ آبَائِهِمْ. أَدَّى الدَّمَارُ الْهَائِلُ الَّذِي سَبَّبَتْهُ الْحَرْبُ إِلَى إِعَادَةِ بِنَاءٍ هَائِلَةٍ، وَأَدَّى التَّدَفُّقُ الْهَائِلُ نَحْوَ الْمُدُنِ فِي الْبُلْدَانِ الْمُسْتَعْمَرَةِ إِلَى زِيَادَةِ عَدَدِ الْمُدُنِ وَحَجْمِهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي الْعَالَمِ. خُلِقَتْ وَظَائِفُ جَدِيدَةٌ، وَتَدْرِيبَاتٌ جَدِيدَةٌ، وَأَنْمَاطُ حَيَاةٍ جَدِيدَةٌ. كَانَ الْجَمِيعُ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ "عَصْرِيًّا". كَانَتْ لِكُلِّ دَوْلَةٍ طَفْرَتُهَا الِاقْتِصَادِيَّةُ. ثُمَّ كَانَتْ لِكُلِّ دَوْلَةٍ أَزْمَتُهَا الِاقْتِصَادِيَّةُ. أَصْبَحَتِ الْبِطَالَةُ، وَهِيَ مَفْهُومٌ حَدِيثٌ نِسْبِيًّا، مُشْكِلَةً. أَصْبَحَتِ الْأَزَمَاتُ الِاقْتِصَادِيَّةُ دَوْرِيَّةً. أَصْبَحَ أَصْحَابُ الْعَمَلِ مُتَطَلِّبِينَ بِشَكْلٍ مُتَزَايِدٍ. أَصْبَحَ التَّعْلِيمُ مُكَلِّفًا بِشَكْلٍ مُتَزَايِدٍ. كَانَتِ الْجَمَاهِيرُ (غَيْرُ الْمَحْظُوظَةِ) تَتَزَايَدُ (عَدَدًا) بِسُرْعَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الْأَقَلِّيَّةِ الْمَحْظُوظَةِ. اضْطُرَّ الشَّبَابُ إِلَى الْحُصُولِ عَلَى قُرُوضٍ طَوِيلَةِ الْأَجَلِ لِتَمْوِيلِ مَنَازِلِهِمْ أَوْ دِرَاسَاتِهِمْ. طُلِبَ مِنَ الْأَجْيَالِ الْجَدِيدَةِ أَنْ تَعْمَلَ بِجَدٍّ أَكْثَرَ عَلَى أَمَلِ تَحْقِيقِ نِصْفِ مَا تَمَكَّنَ آبَاؤُهُمْ أَوْ أَجْدَادُهُمُ الْأُمِّيُّونَ مِنَ الْحُصُولِ عَلَيْهِ. نَتِيجَةُ كُلِّ هَذَا: التَّشَاؤُمُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. يُخْبِرُنَا الْمُحَلِّلُونَ أَنَّ الْأَزْمَةَ نِظَامِيَّةٌ، الْمُشْكِلَةُ فِي النِّظَامِ. هُنَاكَ دُوَلٌ غَنِيَّةٌ لَنْ تَتَمَكَّنَ أَبَدًا مِنْ سَدَادِ دُيُونِهَا. سَيَتَمَكَّنُ عَدَدٌ أَقَلُّ مِنَ الدُّوَلِ مِنَ السَّيْطَرَةِ عَلَى عَجْزِ مَوَازِنِهَا أَوْ حَتَّى عُمْلَتِهَا. الْبِطَالَةُ الْآنَ هِيَ مَرَضٌ مُزْمِنٌ فِي دُوَلٍ كَثِيرَةٍ. يُمْكِنُ أَنْ تَنْخَفِضَ إِلَى ٣٪ ثُمَّ -فَجْأَةً- تَعُودُ لِلِارْتِفَاعِ إِلَى ١٠٪. الْأَتْمَتَةُ وَالْأُبْرَةُ تُمَثِّلَانِ تَحَدِّيًا كَبِيرًا. كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْتَثْمِرِينَ الْيَوْمَ يُفَضِّلُونَ وَضْعَ أَمْوَالِهِمْ فِي الْبُنُوكِ أَوِ الْبُورَصَاتِ عَلَى الْمُرَاهَنَةِ عَلَى مَشَارِيعَ تَعْتَمِدُ عَلَى الْأَيْدِي الْعَامِلَةِ أَوْ مَشَارِيعَ زِرَاعِيَّةٍ. وَمَعَ ذَٰلِكَ، فَالْمَوَاطِنُ الْفَرْدُ هُوَ الَّذِي يُلَامُ عَلَى عَدَمِ الْعُثُورِ عَلَى عَمَلٍ. نَادِرًا مَا يُلْقَى اللَّوْمُ عَلَى الشَّرِكَاتِ الْمُفْلِسَةِ أَوْ حَتَّى الْحُكُومَةِ. نَظَرِيًّا، الدَّوْلَةُ فِي خِدْمَةِ الْمَوَاطِنِ، وَلَكِنْ بِشَكْلٍ مُتَزَايِدٍ، الْمَوَاطِنُ هُوَ الَّذِي يَخْدُمُ الدَّوْلَةَ أَكْثَرَ. فِي دُوَلٍ كَثِيرَةٍ الْيَوْمَ، كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَدْفَعُونَ ضَرَائِبَ، وَفَوْقَ ذَٰلِكَ يَدْفَعُونَ تَكَالِيفَ تَعْلِيمِ أَطْفَالِهِمْ، وَرِعَايَتِهِمُ الصِّحِّيَّةِ، إِلَخْ. وَلَكِنْ مَاذَا تَسْتَطِيعُ الدَّوْلَةُ أَنْ تَفْعَلَ -فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَالَاتِ؟ عَدَدٌ أَقَلُّ مِنَ الدُّوَلِ سَيَمْلِكُ الْوَسَائِلَ لِتَقْدِيمِ تَعْلِيمٍ وَرِعَايَةٍ صِحِّيَّةٍ مَجَّانِيَّةٍ أَوْ مُنْخَفِضَةِ التَّكْلِفَةِ دُونَ تَوْسِيعِ عَجْزِ الْمِيزَانِيَّةِ أَكْثَرَ أَوِ اللُّجُوءِ إِلَى الدَّيْنِ. إِنَّهَا حَلْقَةٌ مُفْرَغَةٌ. كُلُّ حُكُومَةٍ جَدِيدَةٍ، مَهْمَا كَانَ لَوْنُهَا السِّيَاسِيُّ، تُحَاوِلُ أَنْ تُعْطِيَ نَفْسَهَا ضَمِيرًا مُرِيحًا، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ دَائِمًا الْإِفَاقَةُ مِنْ أَزْمَةٍ عَامَّةٍ. مَا لَعَلَّهُ مُؤْسِفٌ (أَوْ رُبَّمَا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْعَلَ ذَٰلِكَ) هُوَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَّا يَسْتَمِرُّونَ فِي وَضْعِ قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَمَلِ فِي حُكُومَاتِنَا، فِي الدَّوْلَةِ عُمُومًا.

 

لقد آمنَّا بصورةٍ معينةٍ للإنسان العصري. فللسينما، والإعلام، والمدرسة، والأسرة، والمجتمع ككل... دورٌ في تزيين صورة الرجل أو المرأة الناجحة. وهذه الصورة، بطريقةٍ ما، ليست جديدةً كليًا. فحتى في العصور الغابرة، كان للناس صورتهم المادية عن الرجل الناجح. يروي لنا القرآن قصة "قارون" الذي "كان من قوم موسى" (٢٨: ٧٦): "(...) فخرج على قومه في زينته. قال الذين يريدون الحياة الدنيا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم. (...)" (٢٨: ٧٩)

 

الجديد هو أن هذه الصورة قد شاعَت (بل تبدو مبتذلة) لدرجة أن الجميع تقريبًا بات يعتقد أنه قادر على أن يكون ذلك الشخص الناجح. لقد تعلمنا في المدرسة: "إذا اجتهدت، ستنجح". في بلدي، على سبيل المثال، تنفق العديد من الأسر محدودة الدخل (أو من الطبقة الوسطى الدنيا، إن شئت) ما يصل إلى نصف دخلها على تعليم أبنائها، مع تركيز خاص على المواد العلمية، لأن الجميع يعتقد أن ابنه أو ابنته يمكن أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا. الغريب أن الأدب، والفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا... أصبحت جميعها محرّمة لدى الكثير والكثير من الآباء، ولكن ليس دائمًا لدى أبنائهم. عدد متزايد من الشباب المغربي يهتم بالعلوم بقدر اهتمامه بالمواد غير العلمية. يتحدثون اليوم لغات أفضل مني، ويناقشون مواضيع عديدة أفضل مني.

 

هذه الأمور التافهة التي قلتها عن كيف عاش الناس قبل قرن وكيف نحن اليوم، أصبحت مهمة للغاية لكثير من الناس الآن. لقد اكتشف الكثيرون أن حسابات الحياة ليست كالمعادلات الرياضية. واكتشفوا أن الدولة ليست هي الحكومة، وأن الإمكانيات المالية للدولة في ظل حكومة ما قد تنتهي في ظل الحكومة التالية. لذا، فإن الضغط على الحكومة لا يجدي دائمًا نفعًا.

 

والآن، ماذا يقول الإسلام عن كل هذا؟ حسنًا، عندما كانت الدولة المسلمة، في عهد الخليفة عمر مثلاً، تمتلك الإمكانيات، كان معظم الرجال، إن لم نقل كلهم، يحصلون على دخل معين من الدولة. ومع ذلك، قال عمر مرة: "لا يعجزَنَّ أحدُكم عن طلبِ الرزقِ، يقولُ: اللهمَّ ارزقْني، وقد علِمَ أنَّ السماءَ لا تُمطِرُ ذهبًا ولا فضَّةً". من المفترض أن تساعدني الدولة عندما تستطيع ذلك. وعندما لا تستطيع الدولة ذلك، ماذا عساي فاعل؟ عندما لا يجدي الضغط على الحكومة، ماذا أفعل؟ هل أستسلم للتشاؤم؟ هل أيأس؟ هل أتوقف عن الحلم؟ حسنًا، هذا أسوأ ما يمكن أن يفعله المسلم الصالح.

 

لكن هناك أسئلة مهمة أخرى أيضًا. ماذا أريد أنا؟ هل أريد فقط أن أعيش حياة كريمة، أم أن أعيش حياة أفضل من الآخرين؟ أي الأجور سأقبل؟ أي أسلوب حياة أريد؟

 

وماذا عن الناس الذين لا يملكون شيئًا، لا مال ولا مهارات؟ إنهم، لسوء الحظ، يُترَكون على الهامش. وهذا يعطي انطباعًا بأننا نعيش في عالم يتأثر بشكل كبير بمن يملكون. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، فرغم ذلك. لقد كان العالم دائمًا، وسيظل دائمًا، ملكًا لمن خلقه، لله. يتفق الجميع على أن النشاط الاقتصادي هنا في المغرب يعتمد بشكل كبير على هطول الأمطار. ولكن عندما تقل الأمطار أو تنقطع في وقتها، تُقام صلاة الاستسقاء في جميع مساجد البلاد. عندما يشوّه الجدب المناظر الطبيعية، ويحرق آخر المراعي، ويقلل آخر الأعلاف، ويجفف أكبر السدود، نبدأ في التلفت والتشاؤم، ونرفع أعيننا بخجل نحو السماء. هذا يعني أن مصيرك، ومصيري، ومصير الجميع، لا يتوقف على ملاك الأراضي، أو المساهمين (أو على الحكومة، بالمناسبة)، وأن الله وحده هو رب العالمين. من المفترض أن نذكر الله في كل الأحوال. يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٥). ماذا يعني هذا؟ يعني أنه يجب عليك وعليّ أن نذكر الله، وألا ننساه: حين نكون جياعًا، وحين نجد ما نأكل ونشرب، وحين نكون عراة وحين نجد ما نلبس. كمؤمن، يجب أن أذكر الله حين أكون متعبًا وحين أنام إلى الفراش، إلخ، إلخ. يجب أن أذكر الله على وجه الشكر، مهما كانت حالي. لماذا؟ حسنًا، لأن الله يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: ١٥٢). ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ (آل عمران: ١٩١). إذا كنت أؤمن حقًا أن الله هو رب العالمين، فيجب أن أذكره قبل أن أفكر في أي أحد آخر. يجب أن أفكر به عندما أتخذ قراري بشأن وظيفتي، ومكان عملي، والراتب الذي يجب أن أقبله، إلخ.

 

بالنسبة للبعض، المشكلة التي هي أصل كل مشاكلنا (أصل الشر، إن شئت) ليست الاقتصاد بقدر ما هي انعدام العدالة الاجتماعية، إنه التوزيع غير العادل للثروة، إنها الملاذات الضريبية الآمنة، إنه الفساد. تمامًا، إذا كان الجميع يفكر فقط في المال، فلماذا يفكر الله فينا؟ لماذا يراعي أن يكون لنا الحكام الصالحون؟ يحذرنا الله في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الحشر: ١٨-١٩). ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة: ٦٧).

 

الكل يريد أن يكون عصريًا، مهما كان معنى ذلك، وهذا النوع من التفكير (اللاهوتي) قد لا يتوافق مع العصرنة، لم يعد مواكبًا. قال الصديق أبو بكر رضي الله عنه: "إنا قومٌ لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع". من يطبق هذا في حياته حقًا؟ أنا؟ أبدًا! أنا أيضًا لم أُطعَّم ضد هذا. لقد نشأت مثل أي شخص آخر: في نفس المدارس، في نفس الأحياء، في نفس التيار الفكري. لكنني أعلم أن بعض الناس عاشوا حياة طيبة بقليل جدًا جدًا. كان الناس محرومين من كل شيء إلا إيمانهم، ومع ذلك استمتعوا بحياتهم. هؤلاء الناس أحبوا الله لأنهم رأوا في هذا العالم (المليء بالتناقضات، المليء بعدم المساواة، المليء بالمعاناة، المليء بكل ما يخطر على بال) - (رغم كل شيء) رأوا جمالًا ساميًا في داخل أنفسهم وفي الخارج. كانوا يحبون رؤية الذهب دون الرغبة في تكديسه، كما يحبون رؤية القمر أو الغروب دون الرغبة في امتلاك القمر أو الشمس. لقد أحبوا الله لأجل العجب الذي خلقه فيهم. ومع ذلك، فإن الكثير منهم لم يتخلوا إلا عما لم يكن ضروريًا لهم. فهم أيضًا أكلوا وشربوا، وتزوجوا وأنجبوا الأطفال، وكانت لهم مساكنهم. فقط لم يكونوا مهووسين برغبة امتلاك كل شيء. بعضهم فتحت لهم أبواب الحياة الدنيا على مصراعيها بعد زهدهم. كان لديهم الخيار إما أن يتخلوا عن كل الكماليات (كل الراحة) بقدر المستطاع بشريًا، أو أن يستمتعوا بملذات الحياة استمتاعًا كاملاً. الإسلام لا يمنعك من العيش في قصر أو في فيلا فاخرة. لكن هذا القصر أو أي خير آخر يجب أن يبقى في اليد وليس في القلب. يجب أن يكون الله وحده هو من في القلب. هذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن. إن كنت تعيش في كوخ، فسترى جمال الله وخيره في ذلك الكوخ. (فكّر فقط في المشردين). إن كنت تعيش في فيلا فاخرة، فسترى نعمة الله في كل زواياها، في كل وردة في الحديقة الصغيرة. ستعبر عن حبك لله سواء كنت في الكوخ أو في القصر. إنه نفس القرآن الذي تقرأُه هناك. إنها نفس الصلاة التي تؤديها هناك. هذا الحب يستلزم مسؤولية من جهتنا. يجب أن نفعل ما خلقنا الله من أجله. أنا أخاطبك هنا كما أخاطب نفسي. إذا كان الله يعني لي أن أقوم بدور معين في مكان معين في وقت معين، فيجب أن أسعى لأداء هذا الدور بأفضل صورة ممكنة. قد يكون هناك أناس آخرون اختارهم الله لأدوار مماثلة. أنا في سباق. لا ينبغي لي أن أفكر في الجائزة قبل انتهاء السباق. يقول الله: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: ٢٦). لو كنت طبيبًا، هل كنت سأحصي كم مريضًا شُفي على يدي، أم كنت سأحصي مالي؟ لو كنت مدرسًا، هل كنت سأحصي كم من طلابي السابقين أصبحوا ناجحين، أم كنت سأحصي ممتلكاتي؟ لو كنت محاميًا، هل كنت سأحصي كم شخصًا أُنقذ على يدي، أم كنت سأحصي مالي؟ لو كنت كاتبًا ناجحًا، هل كنت سأحصي كم شخصًا وجد عملي مفيدًا، أم كنت سأحصي أرباحي؟ الله لا يختار المؤمنين فقط لهذه الأدوار. إنه يقول: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩). ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤). هذه هي "بيانات" الله، كما قلت سابقًا. هكذا يدبر الله خلقه بعلمه وقدرته، في المغرب، وفي أوروبا، وفي أمريكا، وفي إفريقيا، في كل مكان. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: ٥٠). الله يعلم كم مدرسًا، وطبيبًا، ومهندسًا، وبقالًا، ومصفف شعر، وممرضًا، وشرطيًا، وطيارًا، وعالم حاسوب، وكناس شوارع... مطلوب لخدمة عباده. ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ٣-٥). ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨). هذا جزء من تصميم الله عندما شاء أن يكون الكون كله في خدمة الإنسان. يقول الله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحج: ٧٠). ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: ٣٢). ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٠). ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (الحجر: ٢٠). أعمال مختلفة، وظائف مختلفة - في الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ (الليل: ٤). الله يعلم وتيرة تطور كل مجتمع، كل أمة، كل دولة؛ الله مطلع على كل اكتشاف جديد، كل اختراع جديد، كل تطور في التاريخ. كل ذلك لأن الله يريد أن يعرّف نفسه لجميع البشر. إنه يقول (لمن شاء أن يسمع): ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٦٥). الله معروف ومعبود بالفعل في كل بقعة من الأرض. وسيُعبد أكثر فأكثر على اليابسة، في القارات، على الجزر، في البحر، في الجو، في كل مكان، ليلاً ونهارًا. هذه الأداة الرائعة، الإنترنت، هي هبة من الله للبشرية، إنها أداة ليعرف البشر الله أكثر؛ إنها أداة للمؤمنين ليعبروا عن شكرهم لله. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٣٩). لقد شاركنا الله بعضًا من علمه؛ أولئك الذين لديهم بعض العلم علينا أن نشاركه مع إخواننا البشر. ورغم ذلك، لا يهم الله كم من المليارديرات أو المليونيرات الجدد سيكونون، كم من الناس سيجنون المال من هذه العملية. الله يهتم فقط بمن يهتمون به، بمن يحرصون على الاقتراب منه.

 

كما قلت سابقًا، ما تتعلمه في سن الخمسين ليس كالذي تتعلمه في العشرين. الحكمة تأتي مع الوقت. الحكمة تعني معرفة إمكانيات المرء وحدوده. الحكمة تعني ألا يلقي المرء باللوم على الآخرين في مصائبه. إذا كانت هناك أزمة اقتصادية، أو اضطراب اجتماعي، حتى لو كانت بمشيئة الله، فعلى كل إنسان أن يفحص سلوكه أولاً. يقول الله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٥٣). المسؤولية عن كل مشاكلنا تقع علينا في النهاية. نحن ننسى، على سبيل المثال، أن حوادث الطرق هي السبب الرئيسي للوفاة في بلدان كثيرة. يقول الله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: ٣٠). ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (النساء: ٧٩). ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ. ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: ٥٣-٥٤). ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: ٤١). على سبيل المثال، إذا انهارت العملة، فهذا، كما يقول الاقتصاديون، له علاقة بالميزان التجاري؛ عندما تتجاوز وارداتنا صادراتنا حجماً أو قيمة، يحدث عجز في التجارة الخارجية. احتياطيات النقد الأجنبي تنخفض. الأسعار ترتفع. وعندما لا يكون لديك خيار سوى الاستيراد، فلا خيار أمامك سوى تحمل وطأة التضخم المرتفع. استيراد الطاقة (أحفورية أو غيرها)، حسنًا؛ استيراد الآلات، حسنًا؛ ولكن لماذا كل هذه الواردات الأخرى؟ هل هي جميعًا مفيدة، هل هي جميعًا لا غنى عنها؟ أليس أسلوب حياتنا هو الذي يؤثر على ميزاننا التجاري، وبالتالي على عملتنا وقوتنا الشرائية؟ من السهل القول إنه يجب علينا وضع حد لبعض الممارسات التي لا تؤدي إلا إلى الحفاظ على شعور بالتطور غير الضروري. لكن من سيبدأ في إصلاح الضرر؟ إذا قيل لنا إن آلاف الأشخاص ينضمون سنويًا إلى صفوف العاطلين عن العمل، أو أن معظم الوظائف هشة، فمن المسؤول؟ من هم هؤلاء الذين يختارون الأتمتة، أو "الأوبرة"، أو نقل الخدمات إلى الخارج...؟ أليسوا أفرادًا من مجتمعنا؟ الشركات متعددة الجنسيات، من يديرها محليًا؟

 

كثير من الناس يعانون كثيرًا لدرجة أن الجميع يميل إلى الاعتقاد بأن الخطأ يقع على عاتق الآخرين. أنا فقط أقول إنه قد يكون من الضروري البدء بالكنس أمام باب المرء. الحكمة تعلمني أنه لا ينبغي للمرء أن يعقد الأمور. حتى عندما أريد الانتقال من الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإحسان، عليّ أن أمضي برفق وتدريجياً. أحكم الناس، وأفضل المؤمنين، بعد الأنبياء، معرض لارتكاب الأخطاء. الإنسان خطاء. على المرء فقط أن يشعر بالأسف ويعتذر كلما وقع. يمكن للمرء أن يستمتع بالحياة بشكل جيد ضمن الحدود التي شرعها القرآن. يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: ٨٧). لماذا أقضي وقتي في البكاء والتحسر إلا عندما يتعلق الأمر بالتوبة؟

 

يقول العلماء الذين فقهوا الدين: (١) درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ويقولون أيضًا: (٢) الضرورات تبيح المحظورات. (٣) ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. هذه بعض القواعد العامة. إذا كان لدي إيمان حسن، فلن أخالف هذه القواعد. سأبذل قصارى جهدي لاحترام روح القرآن على الأقل. وعلى أية حال، الله وحده يعلم ما في قلبي والله وحده سيجازيني. الحكمة أيضًا تقول إنه لا ينبغي لي أن أرفع سقف متطلباتي الإيمانية أكثر من اللازم، لأنني لا أستطيع أن أعرف أبدًا ما تخبئه لي الأيام. من الأفضل لي أن أمشي ببطء بدل أن أعاني في داخلي مما لا أطيق حمله تمامًا. 

 

 

21

 

الْحُبُّ.. فِي سَبِيلِهِ، فَقَدَ بَعْضُ النَّاسِ حَيَاتَهُمْ، وَأَفْلَسَ آخَرُونَ، وَصَارَ بَعْضُهُمْ فَلَاسِفَةً، وَجُنَّ آخَرُونَ، كَتَبَ بَعْضُهُمْ كُتُبًا، وَنَظَمَ آخَرُونَ شِعْرًا، وَكَرِهَ بَعْضُهُمُ الْعَالَمَ كُلَّهُ إِلَّا الْمَحْبُوبَ.

 

مِنَ الْخَنَادِقِ، مُحَاطًا بِرَائِحَةِ الدَّمِ وَخَوْفِ عَدُوٍّ غَيْرِ مَرْئِيٍّ، كَتَبَ جُنُودٌ شَبَابٌ إِلَى دِيَارِهِمْ يَقُولُونَ كَمِ اشْتَاقُوا إِلَى ابْتِسَامَةِ نِسَائِهِمْ (زَوْجَاتٍ أَوْ خُطَّابٍ)، كَمْ تَمَنَّوُا الْعَوْدَةَ إِلَى الْوَطَنِ لِرُؤْيَتِهِنَّ مَرَّةً أُخْرَى.

 

مِنَ الطَّائِرَةِ الَّتِي تَقْلَعُ بِهِمْ إِلَى الْبَعِيدِ، يَلْتَقِطُ بَعْضُهُمْ هَوَاتِفَهُمُ الْمَحْمُولَةَ وَيَقُولُونَ لِذَلِكَ الشَّخْصِ الْعَزِيزِ فِي الْوَطَنِ: "لَا تَنْسَيْ، يَا كَايْتِي، أَنَا أُحِبُّكِ. أَرَاكِ قَرِيبًا."

 

يَتَوَقَّفُ بَعْضُهُمْ فِي مَكَانٍ مَا لِيَخْتَارُوا بَطَاقَةً بَرِيدِيَّةً وَكَلِمَاتٍ يَكْتُبُونَهَا عَلَى ظَهْرِهَا. آخَرُونَ يَشْتَرُونَ زُهُورًا أَوْ كُنَزَاتٍ (سُتَرًا) أَوْ أَيَّ شَيْءٍ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ سَيُسْعِدُ حَبِيبَهُمْ. آخَرُونَ لَا يُكَلِّفُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنَاءَ شِرَاءِ شَيْءٍ. لَيْسَ لِأَنَّهُمْ بُخَلَاءُ. بَلْ بَسَاطَةً لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ شَيْئًا يُعَبِّرُ عَمَّا يَشْعُرُونَ بِهِ أَكْثَرَ مِنِ ابْتِسَامَةٍ مِنْ أَعْمَاقِ الْقَلْبِ أَوْ دَمْعَةٍ طَالَمَا اكْتَتَمَتْ.

 

بِسَبَبِ الْحُبِّ، يَفْرَحُ بَعْضُ النَّاسِ فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى يَبْدَأُوا فِعْلَ مَا لَمْ يَفْعَلُوهُ قَطُّ. الْبُخَلَاءُ يُصْبِحُونَ أَسْخِيَاءَ. الْمُتَكَبِّرُونَ يُصْبِحُونَ مُتَوَاضِعِينَ.

 

ظَاهِرِيًّا، لَا لَوْنُ الْبَشَرَةِ وَلَا الْجَمَالُ الْجَسَدِيُّ وَلَا حَتَّى طِيبَةُ الْقَلْبِ أَوِ الطَّبْعِ تَبْدُو شَرْطًا أَسَاسِيًّا لِلْحُبِّ أَوْ لِأَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ مَحْبُوبًا. يَسْتَطِيعُ الْجَمِيلُ أَنْ يُحِبَّ الْوَحْشَ. لَدَى كَثِيرِينَ، الْحُبُّ أُمْنِيَّةٌ، وَلَكِنَّهُ فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ يَحْدُثُ بِالْمُصَادَفَةِ، وَعِنْدَمَا يَحْدُثُ، يَكُونُ الْأَوَانُ قَدْ فَاتَ لِأَنْ يَحْكُمَ أَحَدٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ "صِفَاتُ" الْمَحْبُوبِ تُطَابِقُ الْمَعَايِيرَ الْخَفِيَّةَ لِلْمُحِبِّ. حَتَّى الْجَمَالُ لَا يَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَ كُلِّ شَيْءٍ. كُلُّ شَخْصٍ هُوَ قَابِلٌ لِلْحُبِّ بِالْفِعْلِ. جَمِيعُ الْأُمَمِ لَهَا قِصَصُ حُبٍّ وَأَغَانِي حُبٍّ.

 

مَهْمَا تَكُنِ الْمَعَايِيرُ، فَلَعَلَّ مَا يَدْعُو لِلْجُنُونِ فِي الْحُبِّ هُوَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ أَنْ يَجْعَلَكَ تُحِبُّ شَخْصًا مَا بِكُلِّ عُيُوبِهِ الْجَسَدِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا. يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ حَتَّى أَنْ يُحِبَّ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ.

 

إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي الْأَمْرِ، إِنَّهُ لَأَمْرٌ صَوْفِيٌّ حَقًّا. مَا الَّذِي يَدْفَعُنِي نَحْوَكِ؟ مَا الَّذِي فِيَّ يَجْعَلُنِي أَنْجَذِبُ إِلَيْكِ أَنْتِ شَخْصِيًّا؟ إِذَا كُنْتِ جَمِيلَةً، طَيِّبَةً، مَهْمَا يَكُنْ...، فَلَسْتِ الْوَحِيدَةَ. إِذَنْ لِمَاذَا أَنْتِ شَخْصِيًّا؟ هَلْ هُوَ مُجَرَّدُ أَنِّي صَادَفْتُكِ فِي مَدْرَسَتِي، أَوْ مَكَانِ عَمَلِي، أَوْ حَيِّي، أَوْ عَائِلَتِي، أَوْ أَثْنَاءَ أَسْفَارِي...؟ لِمَاذَا لَا يُحِبُّكَ آخَرُونَ كَمَا أُحِبُّكِ؟ لِمَاذَا لَا تُحِبِّينَنِي أَنْتِ أَيْضًا؟ لِمَاذَا تَرْفُضِينَ الزَّوَاجَ بِي بَيْنَمَا تُحِبِّينَنِي؟ لِمَاذَا أَحْبَبْتُ آخَرِينَ قَبْلَكِ وَنَسِيتُهُمْ جَمِيعًا؟ أَيُّ إِجَابَةٍ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ تَقْرِيبِيَّةً فَقَطْ. الْحُبُّ لَيْسَ دَائِمًا نَقِيًّا. وَلَيْسَ دَائِمًا مُطْلَقًا. وَلَيْسَ دَائِمًا سَاذَجًا. وَلَكِنَّهُ مَوْجُودٌ، إِنَّهُ شَيْءٌ حَقِيقِيٌّ. هَلْ هُوَ شَيْءٌ طَبِيعِيٌّ؟ أَمْ أَنَّهُ يُخْفِي شَيْئًا مَا؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ مَا؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رِسَالَةً، رِسَالَةً غَيْرَ مُبَاشِرَةٍ؟ أَيْ: انْظُرْ إِلَى الصِّفَاتِ فِيكَ: لَا تَنْتَظِرْ حَتَّى يُحِبَّكَ حَبِيبُكَ. أَنْتَ مَحْبُوبٌ فِي حَدِّ ذَاتِكَ. إِذَا كُنْتَ أَسْوَدَ، فَقَدْ أَحَبَّ الْبِيضُ السُّودَ. إِذَا كُنْتَ مُعَاقًا، فَقَدْ أَحَبَّ الْأَصِحَّاءُ الْمُعَاقِينَ... إِذَا كُنْتَ غَيْرَ جَمِيلِ الْمُحَيَّا، فَقَدْ أَحَبَّ الْوَسِيمُونَ غَيْرَ الْوَسِيمِينَ... فَافْعَلْ كَفِعْلِ بَحَّاثٍ عَنِ الْكُنُوزِ يَظَلُّ يُفَتِّشُ فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ حَتَّى يَجِدَ الْكَنْزَ... هَلْ كُلُّ طَائِرٍ جَمِيلٍ يُدْرِكُ جَمَالَهُ؟ وَلَكِنْ مَنِ الَّذِي يَقُولُ لِي هَذَا؟ مِنْ أَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ تَأْتِيَ هَذِهِ الرِّسَالَةُ غَيْرُ الْمُبَاشِرَةِ؟ هَلْ هِيَ مُجَرَّدُ تَطْوِيرٍ لِلذَّاتِ؟ أَمْ هِيَ حَقِيقَةٌ؟

 

قَدْ يَبْدُو الْأَمْرُ غَرِيبًا، وَلَكِنْ هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ شَيْخِ تَصَوُّفٍ وَاحِدٍ يُخْبِرُونَنَا أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُحِبَّ قَطُّ غَيْرَ اللَّهِ. إِنَّ لَيْلَى، وَبُثَيْنَةَ، وَعَزَّةَ، وَسَائِرَ النِّسَاءِ الْأُسْطُورِيَّاتِ اللَّاتِي خَلَّدَهُنَّ الشُّعَرَاءُ الْعَرَبُ فِي شِعْرِهِمِ الْعَذْرِيِّ، لَيْسْنَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا صُورَةً (تَجَسُّدًا) لِلْجَمَالِ الْإِلَهِيِّ. فَالشَّاعِرُ، إِذْ لَمْ يَسْتَطِعْ رُؤْيَةَ اللَّهِ، يُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ حُبِّهِ، وَشَوْقِهِ، وَامْتِنَانِهِ... وَهُوَ يُخَاطِبُ امْرَأَةً، يَرَى فِيهَا كُلَّ جَمَالِ الْعَالَمِ وَعَظَمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.

 

إِذَنْ، أَلَهُذَا كُلُّهُ عَلَاقَةٌ بِالْإِيمَانِ؟ إِذَنْ، لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ أَنَا مُخْتَلِفًا؟ لِمَاذَا جَعَلَنِي رَبِّي مُخْتَلِفًا؟ حَسَنًا، وَفْقًا لِلْقُرْآنِ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ امْرَأَةٍ سَوْدَاءَ وَامْرَأَةٍ بَيْضَاءَ، وَلَا بَيْنَ رَجُلٍ وَسِيمٍ وَرَجُلٍ قَبِيحٍ، وَلَا بَيْنَ مُهَنْدِسٍ نَاجِحٍ وَبَائِعِ مِكْنَسَةٍ، وَلَا بَيْنَ شَخْصٍ مُعَاقٍ وَشَخْصٍ سَلِيمِ الْجَسَدِ. كُلُّهُمْ لَهُمْ أَرْوَاحٌ. كُلُّهُمْ يُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ: الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ. أَنْ تَكُونَ أَسْوَدَ أَوْ قَبِيحًا أَوْ مُعَاقًا - هَذَا هُوَ فَقَط "النَّشْأَةُ الْأُولَى". نَقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ  عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ  وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠-٦٢].

 

الزُّهُورُ لَيْسَتْ كُلُّهَا مُتَشَابِهَةً. اَلْوُرُودُ لَيْسَتْ كُلُّهَا مُتَشَابِهَةً. طُيُورُ الْغَابَاتِ لَيْسَتْ كُلُّهَا مُتَشَابِهَةً. وَلَكِنَّهَا جَمِيعًا جَمِيلَةٌ.

 

وَمَاذَا إِذَا لَمْ يَكْتَرِثْ بِي أَحَدٌ، إِذَا لَمْ يُقَدِّمْ لِي أَحَدٌ بَاقَةَ زَهْرٍ أَوْ يَقُلْ لِي كَلِمَاتٍ حَانِيَةً، إِذَا لَمْ يَفَكِّرْ فِيَّ أَحَدٌ غَيْرُ الْمُحِيطِينَ بِي، وَالِدَيَّ وَإِخْوَتِي...؟ هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنِّي لَا أَسْتَحِقُّ هَذَا "الِاهْتِمَامَ الْإِضَافِيَّ" الَّذِي يُدَغْدِغُ غُرُورِي؟ هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ مُمَيَّزًا فِيَّ، وَأَنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ هُمْ أَفْضَلُ مِنِّي بِكَثِيرٍ؟

 

كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ يُسَمَّى "زَاهِرًا"، وَكَانَ كُلَّمَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْبَادِيَةِ أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً مِنْ نَتَائِجِ الْبَادِيَةِ، وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَدِينَةِ زَوَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا يَكْفِيهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرَتُهُ". وَكَانَ يُحِبُّهُ. وَكَانَ زَاهِرٌ دَمِيمَ الْوَجْهِ. فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ. فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ ﷺ، فَجَعَلَ لَا يَأْلُوا مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا تَجِدُنِي كَاسِدًا. فَقَالَ: "لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ" أَوْ قَالَ: "لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ".

 

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. لَا يَتَحَدَّثُ اللَّهُ هُنَا عَنْ أَيِّ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ؛ إِنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الشَّخْصِ الَّذِي سَتُشَارِكُهُ حَيَاتَكَ!

 

وَلَكِنْ، هَلْ مِنَ الْمُنَافَاةِ لِلْإِسْلَامِ أَنْ أَطْمَحَ فِي أَنْ أُحَبَّ أَوْ أَنْ أَعِيشَ مَعَ شَخْصٍ أَخْتَارُهُ بِنَفْسِي؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كَانَ مُغِيثٌ عَبْدًا". قَالَ: فَشَفَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "يَا بَرِيرَةُ، اتَّقِي اللَّهَ، فَإِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي بِذَٰلِكَ؟ قَالَ: "لَا، إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ". فَجَعَلَ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: "أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِهَا إِيَّاهُ؟".

 

نَقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَدٌّ أَدْنَى مِنَ "الْحُبِّ"، أَوْ لِنَقُلْ "التَّقَابُلِ"، بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَأَنَّ هَذِهِ "الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ" هِيَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ. بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، الْحُبُّ شَيْءٌ حَسَنٌ.

 

وَلَكِنَّ الْحُبَّ لَيْسَ لَعِبَةً. الْحُبُّ مُخِيفٌ. فِي أَسْوَإِ الْحَالَاتِ، قَدْ يُصَابُ الْمُحِبُّ بِالْخَيْبَةِ، أَوِ الصَّدْمَةِ، أَوِ الْإِهَانَةِ، أَوْ حَتَّى يُدْفَعَ نَحْوَ الْمَوْتِ. فِي أَفْضَلِ الْحَالَاتِ، قَدْ يَنْهِي حَادِثٌ فِي الْحَيَاةِ (مَوْتٌ طَبِيعِيٌّ، مَثَلًا) عَلَاقَةَ حُبٍّ طَوِيلَةً مَلِيئَةً بِالسَّعَادَةِ وَالْفَرَحِ. مُعْضِلَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، أَلَيْسَ كَذَٰلِكَ؟ رُبَّمَا هَذِهِ مُعْضِلَةٌ فَقَطْ نَظَرِيًّا. هُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ، فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ وَجَمِيعِ الْأَدْيَانِ، يُحِبُّونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَعِيشُونَ سُعَدَاءَ مَعَ عَائِلَاتِهِمْ، يُرْزَقُونَ بِالْأَطْفَالِ، وَكُلُّ أُمُورِهِمْ تَمْضِي بِخَيْرٍ.

 

هَذَا كَانَ دَائِمًا الْحَالَ مُنْذُ الْبَابِلِيِّينَ وَحَتَّى قَبْلَ ذَٰلِكَ. أَيْنَ كُلُّ هَؤُلَاءِ النَّاسِ، أَيْنَ قُصُورُهُمْ، حَدَائِقُهُمْ، جَوَاهِرُهُمْ...؟ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا كَلِمَاتٌ فِي الشِّعْرِ أَوْ رُسُومٌ عَلَى جُدْرَانٍ خَرِبَةٍ أَوْ فِي كُهُوفٍ. هَذَا قَالَ لِبَعْضِ النَّاسِ إِنَّهُ يَنْبَغِي رُؤْيَةُ مَا هُوَ جَوْهَرِيٌّ فِي الْحَيَاةِ. سَيَكُونُ ذَٰلِكَ خُطْوَةً عِمْلَاقَةً نَحْوَ الطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي سَتَجْعَلُنَا أَقَلَّ اعْتِمَادًا عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ لَا نَمْلِكُهَا، وَعَلَى أُنَاسٍ كَثِيرِينَ نَعْتَبِرُهُمْ لَا غِنَى عَنْهُمْ، وَلَا اسْتِبْدَالَ لَهُمْ.

 

يَبْدُو أَنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الْحُبِّ وَالْحَنَانِ فِي وَقْتِ الْأَزْمَةِ (أَوْ كُلَّمَا تَقَدَّمْنَا فِي الْعُمْرِ). أَحْيَانًا نُحَاوِلُ اسْتِحْدَاثَ، أَوْ إِثَارَةَ هَذَا الْحُبِّ بِالِاهْتِمَامِ بِالْمَظْهَرِ الْجَسَدِيِّ إِلَى أَقْصَى الْحَدِّ فِي مُحَاوَلَةٍ يَائِسَةٍ لِجَذْبِ الِانْتِبَاهِ.

 

فِي وَقْتِ الْأَزْمَةِ، يَتُوقُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْحَنَانِ وَالْعَطْفِ. يُمْكِنُنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى الْوُجُوهِ عَلَامَاتِ صَدَمَاتٍ شَخْصِيَّةٍ وَمَآسٍ تُخْفِيهَا ابْتِسَامَاتٌ غَيْرُ صَادِقَةٍ. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَشْعُرُوا بِأَنَّهُمْ مَحْبُوبُونَ، وَمَا هُوَ أَطْبَعُ مِنْ ذَٰلِكَ؟ مَاذَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَسْتَخْدِمَ، أَكْثَرَ مِنْ حُبٍّ صَادِقٍ، وَاهْتِمَامٍ حَسَنِ النِّيَّةِ، كَقَطْعَةِ نَجَاةٍ، أَوْ عُكَّازٍ لِمُسَاعَدَتِنَا عَلَى التَّحَرُّكِ فِي الطَّرِيقِ الْوَعِرِ أَمَامَنَا؟ وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ أَنَّ هُنَاكَ أَشْخَاصًا مُتَزَوِّجِينَ يَكْرَهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بَيْنَمَا يَنَامُونَ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ. حَتَّى الَّذِينَ يُحِبُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِجُنُونٍ لَيْسَتْ حَيَاتُهُمْ سَهْلَةً دَائِمًا. آهٍ، كَمْ مِنْ عُشَّاقٍ هُنَاكَ يَتَحَارَبُونَ عَلَى أَسَاسٍ يَوْمِيٍّ!

 

نَحْنُ جَمِيعًا نَحْتَاجُ إِلَى الْعَطْفِ، أَوْ إِلَى نَوْعٍ مَا مِنَ الْحُبِّ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، فِي يَوْمٍ أَوْ آخَرَ. نَحْتَاجُ إِلَى مُجَامَلَةِ بَعْضِنَا أَوْ مُوَاسَاتِهِ. نَحْنُ جَمِيعًا نُحِبُّ أَنْ نَسْمَعَ كَلِمَاتٍ لَطِيفَةً عَنَّا، عَنْ مُقْتَنَيَاتِنَا، مُدُنِنَا، بِلَادِنَا. وَلَكِنْ هُنَاكَ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعِيشُوا حُبَّهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَيَتَحَمَّلُوا الْفِرَاقَ، كَمَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ تَحَمُّلَ السُّكَّرِيِّ أَوِ الضَّغْطِ الدَّمَوِيِّ الْمُرْتَفِعِ. يَقُولُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، حِينَمَا يَشَاءُونَ، مَا يُحِبُّونَ سَمَاعَهُ. يَمْنَحُونَ أَنْفُسَهُمْ أَهَمِّيَّةً حِينَ لَا يَكْتَرِثُ بِهِمْ أَحَدٌ.

 

الْحُبُّ يُعَلِّمُ الْحِكْمَةَ، لِأَنَّ تَجَارِبَ الْحُبِّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ تَكُونُ مَلِيئَةً بِالْإِحْبَاطِ وَالْفُرَصِ الضَّائِعَةِ. مَعَ التَّقَدُّمِ فِي الْعُمْرِ، تَنْضَجُ مَشَاعِرُ الْحُبِّ وَتَجْعَلُنَا نُحِبُّ الْحَيَاةَ كَمَا هِيَ دُونَ التَّخَلِّي عَنْ أَحْلَامِنَا الْأَكْثَرِ جُنُونًا، كَمَا تَجْعَلُنَا نُحِبُّ شَخْصًا مَا بِكُلِّ عُيُوبِهِ. هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْحُبِّ، عِنْدَمَا يَكُونُ مُمْكِنًا، سَيَسْمَحُ لِلْمَرْءِ بِأَنْ يَحْظَى بِبَعْضِ رَاحَةِ الْبَالِ، وَاطْمِئْنَانٍ عَاطِفِيٍّ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى الِابْتِسَامِ مِنْ أَعْمَاقِ الْقَلْبِ، وَرُؤْيَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِمَا تَبَقَّى مِنْ جَمَالِ الْعَالَمِ.

 

فِي الْحَدِيقَةِ، نُحَدِّقُ فِي الزَّهْرَةِ الْجَمِيلَةِ؛ نَتَغَاضَى عَنِ الزَّهْرَةِ الذَّابِلَةِ. تَقَعُ أَعْيُنُنَا عَلَى الْقَصْرِ وَنَتَجَاهَلُ الْكُوخَ الْمُجَاوِرَ. وَلَكِنْ لَا رَجُلَ (سَوِيَّ) يَتَجَاهَلُ امْرَأَةً شَابَّةً مَارَّةً لِيَرَى الزُّهُورَ بَدَلًا مِنْهَا. الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ أَثْمَنُ مِنْ زَهْرَةٍ جَمِيلَةٍ.

 

بِشَكْلٍ مَا، كَمَا قُلْتُ سَابِقًا، نَحْنُ جَمِيعًا نَحْتَاجُ إِلَى نَوْعٍ مَا مِنَ الْحُبِّ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ؛ نَحْتَاجُ أَنْ نَشْعُرَ حَقًا بِأَنَّنَا فِي عَائِلَةٍ عِنْدَمَا نَجْلِسُ إِلَى مَائِدَةِ الْعَشَاءِ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ: فَالْجَمِيعُ يَبْدُو مُنْفَصِلًا بِوَاسِطَةِ التِّلْفَازِ، أَوِ الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَدَوَاتِ. هُنَاكَ أُنَاسٌ مَرْضَى يَحْتَاجُونَ إِلَى هَذَا الْحُبِّ. مَاذَا يَفْعَلُونَ إِذَا لَمْ يُعْطِهِمْ أَحَدٌ الْحُبَّ الَّذِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ؟

 

فِي أُمُورِ الْحُبِّ، مِنْ نَاحِيَةٍ فِكْرِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ، مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ تَكُونَ فَاعِلًا (مُحِبًّا) لَا مَفْعُولًا بِهِ (مَحْبُوبًا). حِينَمَا نُحِبُّ، نُعْطِي، نَكُونُ أَسْخِيَاءَ. حِينَمَا نَطْمَحُ إِلَى أَنْ نُحَبَّ، بِأَيِّ ثَمَنٍ، أَوْ حِينَمَا نَشْعُرُ بِأَنَّنَا مَحْبُوبُونَ، نُخَاطِرُ بِالْوُقُوعِ فِي الْكِبْرِ وَالطَّمَعِ. حِينَمَا نُحِبُّ، نَكُونُ أَكْثَرَ حَسَاسِيَّةً لِلزُّهُورِ وَتَغْرِيدِ الطُّيُورِ، وَلِجَمَالِ الْبَسَاتِينِ، وَلِلنَّاسِ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ. الْحُبُّ يُرِقُّ الْقَلْبَ وَيُقَوِّي الرُّوحَانِيَّةَ. بِالْحُبِّ يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُحَقِّقَ إِنْسَانِيَّتَهُ الْكَامِلَةَ. الْحُبُّ يُسَاعِدُنَا عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْقُوَّةِ مِنْ ضَعْفِنَا، وَالصُّمُودِ مِنْ نَكْسَاتِنَا.

 

لِنَفْتَرِضْ أَنَّكَ وَجَدْتَ شَرِيكَ حَيَاتِكَ الْمُنَاسِبَ، وَعِشْتُمَا مَعًا أَسْعَدَ حَيَاةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ. ثُمَّ خَسِرْتَ كُلَّ شَيْءٍ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا. مَاذَا كُنْتَ سَتَفْعَلُ؟ هَلْ كُنْتَ سَتَكْتَرِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ بِأَيِّ شَيْءٍ أَوْ أَحَدٍ فِي الْعَالَمِ، بَعْدَ أَنْ فَقَدْتَ زَوْجَكَ وَأَطْفَالَكَ وَكُلَّ شَيْءٍ؟ تَأَمَّلْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدُونَ (١٣٣٢-١٤٠٦م)، وَاحِدٌ مِنْ أَبْرَزِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبْرَزَ، عُلَمَاءِ الْعَرَبِ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ. قَالَ فِي يَوْمِيَّاتِهِ شَيْئًا كَهَذَا: "كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ هُنَا (فِي مِصْرَ) كَانُوا يَحْسُدُونَنِي عِنْدَمَا صِرْتُ قَاضِيَ الْمَالِكِيَّةِ. جَاءَ وَقْتٌ لَمْ أَعُدْ أَقْدِرُ فِيهِ عَلَى التَّحَمُّلِ، فَطَلَبْتُ الْإِعْفَاءَ مِنْ مَهَامِّي. ثُمَّ تَفَرَّغْتُ لِلْكِتَابَةِ وَالتَّدْرِيسِ. وَلَكِنِّي سَرْعَانَ مَا اشْتَقْتُ إِلَى عَائِلَتِي الَّتِي كَانَتْ لَا تَزَالُ فِي تُونُسَ. الْمُشْكِلَةُ أَنِّي لَمْ أَسْتَطِعِ الذَّهَابَ إِلَى هُنَاكَ بِسَبَبِ سُلْطَانِ تُونُسَ. فَطَلَبْتُ مِنْ سُلْطَانِ مِصْرَ أَنْ يُكَلِّمَ سُلْطَانَ تُونُسَ بِشَأْنِي. سَمَحَ الْأَخِيرُ لِعَائِلَتِي بِمُغَادَرَةِ تُونُسَ. رَكِبُوا سَفِينَةً، وَلَكِنْ بَيْنَمَا كَانُوا يَقْتَرِبُونَ مِنَ الشَّاطِئِ الْمِصْرِيِّ، غَرِقَتِ السَّفِينَةُ، فَفَقَدْتُ جَمِيعَ أَفْرَادِ عَائِلَتِي..." حَدَثَ هَذَا لِابْنِ خَلْدُونَ وَهُوَ كَبِيرُ السِّنِّ. وَمَعَ ذَٰلِكَ، ظَلَّ مُحَافِظًا عَلَى صَفَائِهِ الذِّهْنِيِّ وَرَوَى لَنَا قِصَّتَهُ. وَالْآنَ، جَمِيعُ الْمُفَكِّرِينَ الْمُتَمَيِّزِينَ فِي بَلَدِي وَفِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ تَأَثَّرُوا بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى بِكِتَابَاتِ ابْنِ خَلْدُونَ. الْجَمِيعُ يَهْتَمُّونَ بِأَفْكَارِهِ؛ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُلْقِي بَالًا عَلَى قِصَّتِهِ الشَّخْصِيَّةِ.

 

لَدَى كَثِيرِينَ مِنَ النَّاسِ، مِثْلُ هَذِهِ النِّهَايَةِ الْمُؤْسِفَةِ كَانَتْ سَتَكُونُ نِهَايَةَ الْحَيَاةِ: لَا مَزِيدَ مِنَ الْأَمَلِ، لَا مَزِيدَ مِنَ الْأَحْلَامِ، لَا مَزِيدَ مِنَ الْأَهْدَافِ. أَمَّا عِنْدَ أَمْثَالِ ابْنِ خَلْدُونَ، فَالْحَيَاةُ لَا تَنْتَهِي إِلَّا حِينَمَا تُفَارِقُ الرُّوحُ الْجَسَدَ. وَلَكِنْ، هَلْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ابْنِ خَلْدُونَ حَتَّى يُقَارِبَ الْحَيَاةَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؟ مَا الَّذِي كَانَ يَمْلِكُهُ ابْنُ خَلْدُونَ وَسَمَحَ لَهُ بِالْمُضِيِّ قُدُمًا؟ أَمْرَانِ: الْإِيمَانُ وَمَعْرِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ بِالْعَالَمِ. يُمْكِنُنَا جَمِيعًا أَنْ نَمْتَلِكَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْأَشْيَاءِ، إِذَا أَرَدْنَا. أَنَا أَتَحَدَّثُ هُنَا عَنْ أُنَاسٍ مِثْلِكَ وَمِثْلِي، يَقْرَءُونَ وَيُفَكِّرُونَ.

 

كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ أَنْ يُسَاعِدَانَا حِينَمَا تَنْغَلِقُ حَيَاتُنَا كَطَرِيقٍ فِي مِنْطَقَةِ حَرْبٍ، حِينَمَا تُنْصَبُ جَمِيعُ الْحَوَاجِزِ أَمَامَنَا؟ حَسَنًا، يُمْكِنُهُمَا أَنْ يُسَاعِدَانَا عَلَى "تَجْرِيدِ الْأَمْرِ مِنَ الطَّابَعِ الشَّخْصِيِّ". إِذَا فَقَدْتُ حُبِّي، أَفْضَلَ حُبٍّ فِي الْعَالَمِ، فَهُوَ مُجَرَّدُ مُتْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ بَيْنِ مُتَعٍ كَثِيرَةٍ. يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْتَمْتِعَ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى. إِذَا فَقَدْتُ شَخْصًا عَزِيزًا، أَسْأَلُ نَفْسِي: مَاذَا لَوْ فَقَدْتُ نَفْسِي؟ إِذَا وَجَدْتُ نَفْسِي فَجْأَةً فِي خَطَرِ الْمَوْتِ، هَلْ كُنْتُ سَأُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ الشَّخْصِ الْعَزِيزِ الَّذِي فَقَدْتُهُ أَمْ كُنْتُ سَأُفَكِّرُ فِي رُوحِي فَقَطْ؟ هَلْ أَشْتَاقُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ الْعَزِيزِ، أَبْكِي عَلَيْهِ، لِأَنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَعِيشَ أَكْثَرَ، أَمْ لِأَنِّي أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، لِيَكُونَ بِجَانِبِي إِلَى الْأَبَدِ؟ هَلْ هُوَ شُعُورٌ إِيثَارِيٌّ أَمْ أَنَانِيٌّ؟ حَسَنًا، عِنْدَمَا نُجَرِّدُ الْحَيَاةَ مِنَ الطَّابَعِ الشَّخْصِيِّ، نُحَطِّمُ جَمِيعَ الْحَوَاجِزِ الْأَنَانِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُنَا مِنَ الْمُضِيِّ قُدُمًا.

 

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ ابْنَ خَلْدُونَ لَمْ يَبْكِ عِنْدَمَا بَلَغَهُ النَّبَأُ؟ حَتَّى النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ ذَرَفَ الدُّمُوعَ عِنْدَمَا فَقَدَ ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ. وَيَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَيْضًا بَكَى عِنْدَمَا فَقَدَ ابْنَهُ يُوسُفَ. وَلَكِنَّ ابْنَ خَلْدُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَائِلَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ؟ لَقَدْ كَانَ لَهُ عَائِلَةٌ أَكْبَرُ، أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ: عَائِلَةُ الْقُرَّاءِ؛ أَنْتَ وَأَنَا جُزْءٌ مِنْ تِلْكَ الْعَائِلَةِ. النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ وَيَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَعِيشَا لِعَائِلَتِهِمَا فَقَطْ، وَلَا لِأَنْفُسِهِمَا فَقَطْ: لَقَدْ عَاشَا لِعَائِلَةٍ أَكْبَرَ، أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ، لِلْبَشَرِيَّةِ. أَنْتَ وَأَنَا جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ. لِذَٰلِكَ، تَرَى أُنَاسًا لَا أَطْفَالَ لَهُمْ يُسَاعِدُونَ أَطْفَالَ النَّاسِ الْآخَرِينَ؛ تَرَى مُؤَلِّفِينَ عُمْيَانًا يَكْتُبُونَ لِأَجْلِ الْمُبْصِرِينَ؛ تَرَى فَنَّانِينَ مُعْدِمِينَ يُسَلُّونَ الْأَغْنِيَاءَ؛ تَرَى بَنَّائِينَ مُعْسِرِينَ يَبْنُونَ بُيُوتًا لِلْمُوسِرِينَ؛ تَرَى عَاطِلِينَ عَنِ الْعَمَلِ يَتَطَوَّعُونَ لِإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى أَصْحَابِ الْوَظَائِفِ.

 

وَلَكِنْ، هَلِ الْإِيثَارُ بَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الْأَنَانِيَّةِ؟ لَيْسَ حَقًا. يُمْكِنُنِي أَنْ أُسَاعِدَ الْآخَرِينَ وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ أَسْتَمْتِعُ بِفِعْلِ ذَٰلِكَ. هَذِهِ الْمُتْعَةُ هِيَ أَجْرِي. حَتَّى عِنْدَمَا أَفْعَلُ شَيْئًا لِأَجْلِ اللَّهِ، يُمْكِنُنِي أَنْ أَأْمَلَ، بِحَقٍّ وَمَشْرُوعِيَّةٍ، أَنْ أَحْصُلَ عَلَى شَيْءٍ جَيِّدٍ فِي الْمُقَابِلِ. نَقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].

 

الْعَالَمُ كُلُّهُ عَنْ جَمَالٍ وَعَظَمَةٍ. الْإِنْسَانُ يَتُوقُ إِلَى الْجَمَالِ وَالْعَظَمَةِ. حِينَمَا لَا نَكُونُ جَمِيلِينَ بِأَنْفُسِنَا، نَسْعَى لِلْحُصُولِ عَلَى شَخْصٍ أَوْ شَيْءٍ جَمِيلٍ. حِينَمَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكُونَ عُظَمَاءَ، نَتَمَاهَى مَعَ شَخْصٍ أَوْ شَيْءٍ عَظِيمٍ.

 

الرِّجَالُ يُرِيدُونَ النِّسَاءَ الْجَمِيلَاتِ، وَالنِّسَاءُ يُرِدْنَ الرِّجَالَ الْوَسِيمِينَ. كِلَاهُمَا يُرِيدَانِ أَطْفَالًا جَمِيلِينَ، وَمَالًا كَثِيرًا لِلسَّكَنِ، وَالتَّعْلِيمِ، وَالطَّعَامِ، وَالتَّرْفِيهِ. يُرِيدُونَ سَيَّارَاتٍ كَبِيرَةً، وَعَقَارَاتٍ فِي الرِّيفِ... لِيُبْهِرُوا الصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ. يُرِيدُونَ رَاحَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَعَلَامَةٍ عَلَى النَّجَاحِ، عَلَى الْعَظَمَةِ. وَمِنْ ثَمَّ ابْتِلَاؤُنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. بَعْضٌ يُبْتَلَى بِامْتِلَاكِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَآخَرُونَ بِالْحِرْمَانِ مِنْهَا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠].

 

وَالْآنَ، مَاذَا يَقُولُ الْإِسْلَامُ عَنِ الْجَمَالِ؟ يُعْطِي الْقُرْآنُ مِثَالًا لِلْجَمَالِ الْمُطْلَقِ: يُوسُفُ، حَفِيدُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ  قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٠-٣٢].

 

ثُمَّ هُنَاكَ جَمَالٌ أَكْثَرُ إِلْحَاحًا بِكَثِيرٍ لَا نَكَادُ نَسْتَطِيعُ تَصَوُّرَهُ، إِنْ تَصَوَّرْنَاهُ قَطُّ: الْحُورُ الْعِينُ. يَصِفُهُنَّ الْقُرْآنُ بِأَنَّهُنَّ ﴿كَأَمْثَالِ الْيَاقُوتِ وَالْمَرْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٨]. قَالَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ: "لَضَرْبَةُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَنَصِيفُ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". هَلْ يُمْكِنُكَ تَصَوُّرُهُنَّ؟ وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ كُلَّ شَيْءٍ. قَالَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ". هَلْ يُمْكِنُنَا تَصَوُّرُ جَمَالِ اللَّهِ حَتَّى فِي الْحُلْمِ؟ بِالطَّبْعِ لَا. ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. إِنْ لَمْ نَسْتَطِعْ رُؤْيَةَ جَمَالِ اللَّهِ نَفْسِهِ، يُمْكِنُنَا - وَيَنْبَغِي لَنَا - أَنْ نَرَى الْجَمَالَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْكَوْنِ وَفِي أَنْفُسِنَا. جَمَالُنَا نَحْنُ -الْبَشَرَ- لَيْسَ إِلَّا نَمُوذَجًا مِنْ ذَٰلِكَ الْجَمَالِ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]. ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧]. ﴿مَنْ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]. ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]. ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦]. ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. الْغَايَةُ وَاضِحَةٌ: يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي الْآيَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي خَلْقِهِ. ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣].

 

عَادَةً، إِنَاثُ الطَّوَاوِيسِ تُفَضِّلُ الذُّكُورَ الْقَوِيَّةَ عَلَى الذُّكُورِ "الْجَمِيلَةِ". لِمَاذَا بَعْضُ الدَّجَاجَاتِ أَجْمَلُ مِنْ بَعْضٍ؟ رُبَّمَا هُنَاكَ بَعْضُهَا يُفَضِّلُ أَشْكَالًا أَوْ أَلْوَانًا مُعَيَّنَةً. وَلَكِنْ هَلْ يَخْتَارُ الدِّيكُ دَجَاجَةً لِرِيشِهَا الْجَمِيلِ؟ عَلَى كُلِّ حَالٍ، هَذِهِ الْأَلْوَانُ الْجَمِيلَةُ خُلِقَتْ لِأَجْلِنَا نَحْنُ: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]. الْجَمَالُ يُحَبِّبُ الْإِيمَانَ إِلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ. ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. هَلْ يَكُونُ أَمْرًا مَقْبُولًا أَنْ تَذْهَبَ إِلَى حَفْلِ زَفَافٍ بِأَفْضَلِ مَلَابِسِكَ وَإِلَى الْمَسْجِدِ بِثِيَابٍ رَثَّةٍ؟

 

فِي الْمَسْجِدِ تَرَى أُنَاسًا ذَوِي أَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ إِلَى حَدٍّ مَا، يَتَحَدَّثُونَ لُغَاتٍ مُخْتَلِفَةً، إِلَخْ. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ  وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧-٢٨]. ذَٰلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، الَّذِي ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١]. إِنَّهُ ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. إِنَّهُ قَادِرٌ لَيْسَ فَقَطْ عَلَى الْخَلْقِ، بَلْ أَيْضًا عَلَى الِابْتِكَارِ وَالتَّنْوِيعِ. ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤].

 

بِلَا شَكٍّ، التَّنَوُّعُ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الْجَمَالِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ. قَدْ تَنْدَهِشُ إِذَا رَأَيْتَ كَمْ أَلْوَانًا فِي الطَّمَاطِمِ وَالْبَاذِنْجَانِ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ. وَسَتَأْكُلُ بِرَاحَةٍ خَضْرَوَاتٍ وَفَوَاكِهَ وَلُحُومًا ذَاتَ أَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ جِدًّا. كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْرِفَ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ صِينِيٌّ إِذَا كَانَ يَبْدُو تَمَامًا كَالسُّوَيْدِيِّ أَوْ كَأَمْرِيكِيٍّ مِنْ أَصْلٍ هِنْدِيٍّ، أَوْ يَتَحَدَّثُ تَمَامًا كَإِيرْلَنْدِيٍّ أَوْ كَمَغْرِبِيٍّ أَمَازِيغِيٍّ؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]. هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّ الشَّخْصَ الصِّينِيَّ أَقَلُّ قِيمَةً أَوْ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْ شَخْصٍ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ؟ لَيْسَ ضَرُورِيًّا. نَقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. فِي الْأَسَاسِ، إِنَّهَا مَسْأَلَةُ تَنَوُّعٍ "بَرِيءٍ"، "غَيْرِ ضَارٍّ". بَعْدَ ذَٰلِكَ يُمْكِنُنَا، نَعَمْ، التَّحَدُّثُ عَنْ نَوْعٍ مَا مِنَ التَّفْضِيلِ، وَلَكِنْ لَيْسَ تَفْضِيلًا عُنْصُرِيًّا كَمَا نَفْهَمُهُ. الْقُرْآنُ يَقُولُ ذَٰلِكَ صَرَاحَةً: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١]. ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۗ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]. ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]. إِذَنْ، هَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَشْعُرَ بِالْإِسَاءَةِ عِنْدَمَا أَرَى أَنَّ اللَّهَ فَضَّلَ شَخْصًا عَلَيَّ فِي الْجَمَالِ الْجَسَدِيِّ أَوِ الصِّحَّةِ أَوِ الْمُقْتَنَيَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَوِ السُّلْطَةِ، إِلَخْ؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]. بَلْ إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ بَعْضَ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ. ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].

 

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ". إِلَّا إِذَا كُنْتُ أُفَكِّرُ بِحُقْدٍ، يَنْبَغِي لِي أَنْ أُقَارِنَ نَفْسِي أَوَّلًا بِبَقِيَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ قَبْلَ أَنْ أُقَارِنَ نَفْسِي بِبَنِي جِنْسِي مِنَ الْبَشَرِ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]. قِطٌّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا أَتْفِلُهُ أَنَا، وَلَكِنَّنِي لَنْ آكُلَ أَبَدًا مِمَّا يَتْفِلُهُ قِطٌّ.

 

عَلَى فِكْرَةٍ، "التَّفْضِيلُ" لَيْسَ ضَرُورِيًّا مَحْتُومًا. يُمْكِنُكَ أَنْ تَشْتَرِيَ سَيَّارَةً جَيِّدَةً (مِنِ اخْتِيَارِكَ أَنْتَ) ثُمَّ تَكْتَشِفَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُكَ شِرَاءُ سَيَّارَةٍ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ بِنَفْسِ الْمَبْلَغِ مِنَ الْمَالِ لَوْ كَذَا وَلَوْ كَذَا. نَفْسُ الشَّيْءِ لِبَيْتِكَ، مَدْرَسَتِكَ، قَمِيصِكَ، زَوْجَتِكَ، إِلَخْ. مَنْ سَتَلُومُ إِذَنْ عَلَى شَيْءٍ قَرَّرْتَهُ أَنْتَ بِنَفْسِكَ؟ مَا هُوَ أَسْوَأُ، قَدْ تَكُونُ جَمِيلًا وَزَوْجُكَ جَمِيلٌ أَيْضًا، وَلَكِنَّ أَطْفَالَكَ يَكُونُونَ أَقَلَّ جَمَالًا مِنْ أَطْفَالِ زَوْجَيْنِ لَا يَمْلِكَانِ أَيَّ جَمَالٍ. قَدْ تَكُونُ ذَكِيًّا وَزَوْجُكَ ذَكِيٌّ أَيْضًا، وَلَكِنَّ أَطْفَالَكَ يَكُونُونَ أَقَلَّ ذَكَاءً مِنْ أَطْفَالِ زَوْجَيْنِ أُمِّيِّينَ. ابْنٌ قَدْ يَكُونُ أَقَلَّ وَسَامَةً/ذَكَاءً مِنْ أَخِيهِ، وَبِنْتٌ قَدْ تَكُونُ أَقَلَّ جَمَالًا/ذَكَاءً مِنْ أُخْتِهَا.

 

إِذَنْ، أَيْنَ نَذْهَبُ مِنْ هُنَا؟ هُنَاكَ مُشْكِلَةُ الْجَمَالِ؛ هُنَاكَ مُشْكِلَةُ الْحُبِّ؛ هُنَاكَ مُشْكِلَةُ الِاخْتِيَارِ. هَلْ يَنْبَغِي لِي، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، أَنْ أَحْرِصَ عَلَى أَنْ "أَخْتَارَ" فَقَطِ الزَّوَاجَ مِنْ شَخْصٍ جَمِيلٍ وَيُحِبُّنِي؟ مَاذَا لَوْ كَانَ زَوْجِي لَيْسَ جَمِيلًا وَلَمْ يَكُنْ يُحِبُّنِي؟ هَلْ يَكُونُ ذَٰلِكَ عَلَامَةً عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ بِالضَّبْطِ مَا أَسْتَحِقُّهُ أَنَا؟ إِذَنْ، فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، سَتَكُونُ الْمَسْؤُولِيَّةُ مَسْؤُولِيَّتِي أَنَا. إِذَا اعْتَبَرْتُهُ شَرْطًا أَسَاسِيًّا مُطْلَقًا أَنْ يَكُونَ زَوْجِي الْمُسْتَقْبَلُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي أَحْلُمُ بِهِ، فَعِنْدَهَا لَا أَتَزَوَّجُ وَأُوَفِّرُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَاءَ. إِذَا كُنْتُ أَسْتَطِيعُ رُؤْيَةَ صِفَاتِي فِي نَفْسِي، إِذَا كُنْتُ أَسْتَطِيعُ تَقْدِيرَ ذَاتِي بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَظُنُّهُ الْآخَرُونَ بِي، فَعِنْدَهَا لَنْ أَرَى فِي زَوْجِي عَلَامَاتٍ "أَنَانِيَّةً" عَلَى أَنِّي أُسَاوِي شَيْئًا مَا. أَنَا أُسَاوِي مَا أُسَاوِيهِ. زَوْجَتِي، إِنْ كَانَتْ لِي، تُسَاوِي مَا تُسَاوِيهِ. وَمَعَ ذَٰلِكَ، فَالشَّرِيكُ الَّذِي "سَأَخْتَارُهُ" قَدْ يُعْطِينِي فِكْرَةً عَنْ نَفْسِي. يَقُولُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦].

 

إِذَنْ، بَدَلَ أَنْ أَظَلَّ مَهْوُوسًا بِمَا أُسَاوِيهِ فِي عَيْنَيْ نَفْسِي أَوْ فِي نَظَرِ بَشَرٍ مِثْلِي، فَلْأَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنَّا جَمِيعًا. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

 

أَفْعَالُنَا لَيْسَتْ دَائِمًا قَابِلَةً لِلتَّبْرِيرِ بِالتَّحْلِيلِ الْعَقْلَانِيِّ. فَكِّرْ فِي الْحُبِّ مِنَ النَّظْرَةِ الْأُولَى، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ. أَيْضًا، الْجَمَالُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ نِسْبِيٌّ. كَمَا يَقُولُ الْمَثَلُ الْمَغْرِبِيُّ: "مَا جَمَلَ وَلَا كَمَلْ". حَتَّى أَجْمَلُ النِّسَاءِ تَشِيخُ وَتَفْقِدُ شَبَابَهَا وَجَمَالَهَا، وَأَوْسَمُ الرِّجَالِ يَشِيخُ وَيَفْقِدُ قُوَّتَهُ وَرُجُولَتَهُ.

 

الْمُشْكِلَةُ هِيَ أَنَّنَا، فِي وَقْتِ ضَعْفِنَا، قَدْ نَخَافُ مِنْ عَدَمِ قُدْرَتِنَا عَلَى مُوَاكَبَةِ الْأُمُورِ. تَقَبُّلُ الذَّاتِ لَيْسَ أَمْرًا بَدِيهِيًّا دَائِمًا. نَحْنُ جَمِيعًا نَعْلَمُ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، أَنَّ صِنَاعَةَ جِرَاحَاتِ التَّجْمِيلِ تُسَاوِي مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ. وَمَلَايِينُ النَّاسِ حَوْلَ الْعَالَمِ يُعَانُونَ مِنَ الْوَزْنِ الزَّائِدِ عَلَى أَسَاسٍ يَوْمِيٍّ.

 

مَا قَدْ يَكُونُ صَادِمًا، لَعَلَّهُ، هُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْحَقَّ لَنْ يَكُونَ "رَاضِيًا" تَمَامًا وَبِإِخْلَاصٍ بِجَمَالٍ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا، سَوَاءٌ كَانَ وَجْهًا أَوْ جَسَدًا بَشَرِيًّا، أَوْ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ الْمُقْتَنَيَاتِ الْمَادِّيَّةِ. الْمُؤْمِنُ الْحَقُّ هُوَ مُؤْمِنٌ طَمُوحٌ، يَتُوقُ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ. وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ الْحَقَّ هُوَ إِنْسَانٌ مِثْلُ سَائِرِ الْبَشَرِ، لَدَيْهِ نَفْسُ الدَّوَافِعَ الْأَوَّلِيَّةِ تَقْرِيبًا. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ. التَّمَايُزُ يَأْتِي بَعْدَ ذَٰلِكَ. ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥]. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١]. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: ١٣١]. التَّمَايُزُ يَأْتِي مَعَ الْإِيمَانِ. عِنْدَمَا أُومِنُ أَنَّنِي، يَوْمًا مَا، سَأَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَفْضَلِ شَيْءٍ يُمْكِنُنِي الْحُصُولُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، أَكْبَحُ، بِقَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ، رَغَبَاتِي وَأُمْنِيَّاتِي وَنَزَوَاتِي، وَأَرْضَى بِمَا عِنْدِي. يَقُولُ الْفَرَنْسِيُّونَ: "حِينَمَا لَا نَمْلِكُ مَا نُحِبُّ، نُحِبُّ مَا نَمْلِكُ". هَذَا صَحِيحٌ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ الْحَقِّ، مَعَ فَارِقٍ بَسِيطٍ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْحَقَّ يَقْبَلُ مَا عِنْدَهُ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ، لَا بِسَبَبِ الِاسْتِسْلَامِ. عِنْدَمَا أُومِنُ بِهَذَا، أَتَخَلَّصُ مِنْ جَمِيعِ الْعُقَدِ النَّفْسِيَّةِ، وَأَسْتَمْتِعُ بِأَدَاءِ وَاجِبِي، وَبِعَيْشِ حَيَاتِي بِسَكِينَةٍ فِي ظِلِّ إِيمَانِي.

 

يُرِيدُنِي اللَّهُ أَنْ أَكُونَ فِي سَلَامٍ مَعَ نَفْسِي. قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]. وَلَنَا جَمِيعًا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢-٢٣]. بَلْ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُنِي، كَمُؤْمِنٍ، أَنْ أَكُونَ لَائِقًا جَسَدِيًّا أَيْضًا. وَمِنْ ثَمَّ رَاحَتِي وَنَوْمِي. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]. ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١].

 

حَتَّى عِنْدَمَا أَقَعُ فِي الْمُشْكِلَاتِ كَعُقُوبَةٍ عَلَى ذُنُوبِي، يَنْبَغِي أَلَّا أُقْلِقَ نَفْسِي حَتَّى الْمَوْتِ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٦-٣٧]. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. لِتَسْكِينِ نَفْسِي، لَدَيَّ أَدَوَاتٌ سَهْلَةٌ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].

 

إِذَا كُنْتُ مَحْظُوظًا بِأَنْ أَجِدَ الزَّوْجَ الْمُنَاسِبَ الَّذِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِيشَ مَعَهُ فِي سَلَامٍ وَحُبٍّ، فَذَٰلِكَ عَظِيمٌ. إِذَا لَمْ أَسْتَطِعْ إِيجَادَ ذَٰلِكَ، فَمَاذَا أَفْعَلُ؟ أَجْلِدُ ذَاتِي أَمْ أَلُومُ الْآخَرِينَ عَلَى مَصَائِبِي؟ أَمْ أَبْحَثُ عَنِ الْحُبِّ الَّذِي أُرِيدُهُ، وَالْجَمَالِ الَّذِي أَبْغِيهِ، فِي نَفْسِي، فِي رُوحِي؟ تَقْدِيرُ الذَّاتِ أَثْمَنُ مِنْ حُبِّ أَوْ جَمَالِ أَيِّ شَخْصٍ. يُمْكِنُنِي أَنْ أَجِدَ كُلَّ ذَٰلِكَ فِي نَفْسِي وَأَكُونَ سَعِيدًا بِمَا أَنَا عَلَيْهِ، وَبِمَا أَمْلِكُ. وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ، يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ طَمُوحًا دُونَ أَنْ أَرْفَعَ سَقْفَ الطُّموحِ أَكْثَرَ مِنَ اللِّزَامِ.

 

كَانَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ يَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ خَشِنٍ، وَيَعِيشُ عَلَى الْخُبْزِ وَالتَّمْرِ، وَمَرَّةً اضْطُرَّ لِلتَّجْوَالِ فِي الشَّوَارِعِ لَيْلًا فَقَطْ لِأَنَّهُ كَانَ جَائِعًا جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعِ الْبَقَاءَ فِي الْبَيْتِ. وَمَعَ ذَٰلِكَ، تَمَكَّنَ أَتْبَاعُهُ مِنْ بِنَاءِ إِمْبِرَاطُورِيَّاتٍ عَظِيمَةٍ (طَمُوحَةٍ). كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصْنَعَ لِنَفْسِهِ جَنَّةً عَلَى الْأَرْضِ لَوْ أَرَادَ، حَتَّى لَوْ عَنَى ذَٰلِكَ خَوْضَ حُرُوبٍ دَامِيَةٍ.

 

أَرَادَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ، لَا مِنَ النُّخْبَةِ الثَّرِيَّةِ. أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا. جَاءَ وَالٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَدَّمَ لَهُ الْكَعْكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: "أَيَأْكُلُ هَذَا كُلُّ أَهْلِ بِلَادِكَ؟". كَيْفَ يَأْكُلُ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ كَعْكًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْأَغْنِيَاءُ؟ وَلَكِنَّ ذَٰلِكَ عُمَرُ، لَا أَنْتَ وَلَا أَنَا.


 


  محمد علي لگوادر

 

My Testimony II

My Testimony I