vendredi 6 mars 2026

شهادتي 1

 

 1

نَحْنُ جَمِيعًا نَحْلُمُ بِالنُّمُوِّ، وَنَتُوقُ - فِي سِرِّنَا أَوْ عَلَنِنَا - إِلَى الِارْتِقَاءِ فِي أَعْيُنِ الْآخَرِينَ. فَفِي الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، انْتَقَلَ النَّاسُ مِنَ الْعَرَبَاتِ الَّتِي تَجُرُّهَا الْخُيُولُ إِلَى الْقِطَارَاتِ. وَلِطَحْنِ الْقَمْحِ، انْتَقَلَ بَعْضُهُمْ مِنَ الطَّوَاحِينِ الْهَوَائِيَّةِ إِلَى الطَّوَاحِينِ الْبُخَارِيَّةِ. وَمِنْ مَنَّا يُرِيدُ أَنْ يَفُوتَهُ قِطَارُ التَّقَدُّمِ؟

فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ، كَانَ التَّبَاهِي عَلَامَةَ الْعَصْرِ. هَذَا يُفَاخِرُ بِأَنَّهُ اخْتَرَعَ طَاحُونَةً بُخَارِيَّةً، وَذَاكَ بِأَنَّهُ أَقَامَهَا، وَثَالِثٌ بِأَنَّهُ طَحَنَ قَمْحَهُ وَشَعِيرَهُ فِيهَا. وَهَذَا يَتَبَاهَى بِأَنَّهُ اخْتَرَعَ الْقِطَارَ، وَذَاكَ بِأَنَّهُ قَادَهُ، وَآخَرُ بِأَنَّهُ سَافَرَ عَلَى مَتْنِهِ. بَعْضُهُمْ يَتَبَاهَى بِمَا أَنْتَجَ، وَبَعْضُهُمْ بِمَا اسْتَهْلَكَ. وَهَكَذَا كَانَ لِكُلٍّ سَبَبٌ لِلْفَخْرِ.

لَا يَمُرُّ يَوْمٌ كَامِلٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَسْقُطَ - طَوْعًا أَوْ كَرْهًا - فِي فَخِّ التَّبَاهِي، أَمَامَ شَخْصٍ مَا، بِشَيْءٍ مَا. فَدَاخِلَ كُلٍّ مِنَّا حَاجَةٌ دَفِينَةٌ لِأَنْ يَشْعُرَ بِقِيمَتِهِ، وَأَنْ يَحِسَّ بِأَنَّهُ لَا يَقِلُّ شَأْنًا عَنْ غَيْرِهِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي يَجْعَلُنَا نَقِفُ أَمَامَ الْمِرْآةِ؛ إِنَّهَا حَاجَةٌ أَسَاسِيَّةٌ إِلَى الِاعْتِرَافِ وَالتَّقْدِيرِ.

تَمْشِي فِي شَارِعٍ مُزْدَحِمٍ، تَدْخُلُ بَهْوَ فُنْدُقٍ، تَجْلِسُ فِي مَقْهًى، فَتَتَّجِهُ إِلَيْكَ كُلُّ الْعُيُونِ. تُتَابِعُكَ النَّظَرَاتُ كَمَا يَتْبَعُ الثُّعْبَانُ نَايَ السَّاحِرِ. لَقَدْ وُلِدْتَ بِوَجْهٍ جَمِيلٍ، وَحَافَظَ الزَّمَنُ عَلَى بَهَائِهِ، فَظَلِلْتَ تُبْهِرُ النَّاسَ أَيْنَمَا حَلَلْتَ.. أَوْ رُبَّمَا ذَهَبْتَ إِلَى السُّوقِ وَقَضَيْتَ سَاعَاتٍ تَخْتَارُ وَتَنْتَقِي حَتَّى وَجَدْتَ بَدْلَةَ أَحْلَامِكَ. وَتَشْعُرُ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ حِينَ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْكَ. يُصْبِحُ الْتِفَاتُ النَّاسِ إِلَيْكَ مَصْدَرَ نَشْوَةٍ خَفِيَّةٍ.

كُلَّمَا ازْدَدْتَ جَمَالًا، وَكُلَّمَا كَانَ لِبَاسُكَ أَكْثَرَ لَفْتًا لِلنَّظَرِ، ازْدَادَ عَدَدُ مَنْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ. أَنْتَ تُدْرِكُ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ نَادِرًا - إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبَدًا - مَا تَخْرُجُ قَبْلَ أَنْ تُلْقِيَ نَظْرَةً أَخِيرَةً عَلَى الْمِرْآةِ.

لَكِنْ مَهْمَا فَعَلْتَ، لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ دَائِمًا مَحَطَّ الْأَنْظَارِ. فَقَدْ يَخْفُتُ حُضُورُكَ تَمَامًا أَمَامَ بَرِيقِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْمَشَاهِيرِ. حَتَّى أَهْلُ الْجَمَالِ تَشُدُّهُمْ رَنَّةُ النُّقُودِ؛ أَوْ مُجَرَّدُ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَالِ. وَلَا غَرَابَةَ، إِذَنْ، أَنْ تُفَضِّلَ فَتَاةٌ جَمِيلَةٌ رَجُلًا ثَرِيًّا مُتَقَدِّمًا فِي السِّنِّ، عَلَى شَابٍّ وَسِيمٍ لَا يَمْلِكُ دَخْلًا يُذْكَرُ.

وَتَبْرُزُ الْمُعْضِلَةُ حِينَ لَا يَكُونُ لَدَيْنَا مَا نَتَبَاهَى بِهِ، بَيْنَمَا لَا يَتَوَقَّفُ مَنْ حَوْلَنَا عَنِ التَّبَاهِي. فَالتَّبَاهِي يُطَوِّقُنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَإِنِ اعْتَزَلْتَ النَّاسَ وَلُذْتَ بِبَيْتِكَ، فَإِنَّ التِّلْفَازَ أَوِ الْهَاتِفَ الذَّكِيَّ يَجْلِبُ إِلَيْكَ كُلَّ تَبَاهِي الْعَالَمِ: تَبَاهٍ فِي الْإِعْلَانَاتِ، تَبَاهٍ فِي الْمُسَلْسَلَاتِ، تَبَاهٍ فِي الْأَغَانِي، فَضْلًا عَنْ أَشْكَالٍ لَا تُحْصَى مِنَ التَّبَاهِي غَيْرِ الْمُعْلَنِ.

وَأَحْيَانًا، يَنْقَلِبُ الْمَشْهَدُ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ؛ فَيَتَحَوَّلُ الْمُتَبَاهُونَ - أَفْرَادًا كَانُوا أَوْ حُكُومَاتٍ أَوْ شَرِكَاتٍ - إِلَى مُتَسَوِّلِينَ. ثُمَّ مَا إِنْ تَنْقَشِعَ الْأَزْمَةُ حَتَّى يَعُودَ الْجَمِيعُ إِلَى سَابِقِ عَهْدِهِمْ مِنَ الزَّهُوِّ وَالِادِّعَاءِ. وَيَتَلَاشَى الْأَلَمُ سَرِيعًا فِي غُبَارِ النِّسْيَانِ، مِنْ دُونِ عَوْدَةٍ حَقِيقِيَّةٍ إِلَى الْعَقْلِ أَوْ إِلَى الْحِكْمَةِ. وَأَنَا لَسْتُ اسْتِثْنَاءً

 

 2

  

لَوْ كَانَتْ أَحْلَامُ النَّاسِ كُلِّهَا صَغِيرَةً، فَهَلْ كَانَ سَيَظْهَرُ فِي التَّارِيخِ رِجَالٌ مِثْلُ الإِسْكَنْدَرِ الْأَكْبَرِ، أَوْ تَقُومُ حَضَارَاتٌ مِثْلُ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ، أَوْ تُشَيَّدُ تَحَفٌ مِعْمَارِيَّةٌ بَدِيعَةٌ كَـتَاجْ مَحَل فِي الْهِنْدِ وَقَصْرِ الْحَمْرَاءِ فِي إِسْبَانِيَا؟ وَهَلْ كَانَ مُمْكِنًا أَنْ نَتَنَاوَلَ فُطُورَنَا فِي بَارِيسَ، وَغَدَاءَنَا فِي نِيُويُورْك، وَعَشَاءَنَا فِي السَّمَاءِ وَنَحْنُ فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ إِلَى بَارِيسَ؟ وَهَلْ كَانَتْ سَتُوجَدُ مُدُنٌ كَنِيُويُورْك أَوْ طُوكْيُو أَوْ دُبَيّ؟ وَهَلْ كَانَ سَيَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ مِمَّا نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ مِنْ حُرُوبِ النُّجُومِ، وَفُتُوحِ الْفَضَاءِ، وَالِاكْتِشَافَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْأَدَبِ، وَسَائِرِ أَشْكَالِ التَّقَدُّمِ؟

إِنَّنَا جَمِيعًا نَنْجَذِبُ، بِطَبْعِنَا، إِلَى نَمَطِ الْحَيَاةِ الْكَبِيرَةِ الْقَوِيَّةِ السَّرِيعَةِ. وَالْمُفَارَقَةُ الطَّرِيفَةُ أَنَّهُ، مَهْمَا فَعَلْنَا وَمَهْمَا بَلَغَتْ عَبْقَرِيَّتُنَا، يَبْقَى دَائِمًا شَخْصٌ آخَرُ يَسْبِقُنَا بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَمْلِكُ شَيْئًا أَكْبَرَ قَلِيلًا أَوْ أَقْوَى قَلِيلًا أَوْ أَسْرَعَ مِمَّا نَمْلِكُهُ. وَكَأَنَّ الْأَمْرَ لُعْبَةٌ لَا تَنْتَهِي بَيْنَ «تُوم» وَ«جِيرِي».

أَخْرُجُ أَحْيَانًا إِلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ لِأُغَيِّرَ الْهَوَاءَ وَلِأُفَكِّرَ قَلِيلًا. أَمْضِي أَبْعَدَ فَأَجِدُ حُقُولًا وَاسِعَةً تَمْلِكُهَا أُسَرٌ ثَرِيَّةٌ، وَبُيُوتًا تَبْهَرُ النَّاظِرَ بِجَمَالِهَا. وَكُلَّمَا تَنَهَّدْتُ وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: «يَا لَيْتَ لِي مِثْلَ هَذَا الْمَسْكَنِ الْجَمِيلِ»، لَمْ أَلْبَثْ أَنْ أَرَى آخَرَ أَجْمَلَ مِنْهُ، ثُمَّ آخَرَ أَجْمَلَ مِنَ الاثْنَيْنِ. وَيُشْبِهُ هَذَا رَجُلًا مَفْتُونًا بِالْجَمَالِ يَبْحَثُ عَنْ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ فِي مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ؛ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ تُنْسِيهِ مَنْ قَبْلَهَا.

ثُمَّ أُوَاصِلُ سَيْرِي فَأَجِدُ طَرِيقًا مُعَبَّدًا بِالْأَسْفَلْتِ. أَتَوَقَّفُ بُرْهَةً قَصِيرَةً فَتَمُرُّ أَمَامِي سَيَّارَاتٌ كَثِيرَةٌ أَتَمَنَّى لَوْ أَمْلِكُ مِثْلَهَا. وَيَقُودُنِي ذَلِكَ الطَّرِيقُ، بَعْدَ مُرُورِي بِبَعْضِ الْمَزَارِعِ الْكَبِيرَةِ، إِلَى مَصْنَعٍ لِتَرْبِيَةِ الدَّوَاجِنِ. فَأَتَسَاءَلُ: هَلْ سَأَغَارُ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْمَصْنَعِ أَيْضًا؟ كَمْ عَدَدُ الْعُمَّالِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِيهِ؟ وَكَمْ عَائِلَةً يَعُولُونَ؟ وَكَمْ مِنْ عَاطِلٍ عَنِ الْعَمَلِ كَانَ سَيَكُونُ سَعِيدًا لَوْ وُفِّقَ إِلَى فُرْصَةِ عَمَلٍ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ عَمَلًا مَوْسِمِيًّا؟

كَمْ دَجَاجَةً وَكَمْ بَيْضَةً يُنْتِجُ هَذَا الْمَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ؟ وَكَمْ مِنَ النَّاسِ سَيَشْتَرُونَ هَذِهِ الدَّوَاجِنَ وَهَذَا الْبَيْضَ وَيَنْقُلُونَهُ وَيُتَاجِرُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَائِدَةِ غذائي؟ وَكَمْ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ سَيَأْكُلُ مِنْهُ؟ إِنَّ ذَلِكَ الْفَلَّاحَ «الْفَقِيرَ»، وَذَلِكَ الرَّجُلَ «الْفَقِيرَ» صَاحِبَ مَصْنَعِ الدَّوَاجِنِ، وَالْعَامِلِينَ لَدَيْهِمَا… جَمِيعُهُمْ، عَلَى نَحْوٍ مَا، يَخْدِمُونَنِي. فَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحْصِيَ عَدَدَ النَّاسِ الَّذِينَ يَسْهَرُونَ عَلَى خِدْمَتِي كُلَّ يَوْمٍ. الثِّيَابُ الَّتِي أَرْتَدِيهَا، مَنْ صَنَعَهَا لِي؟ أَنَا لَمْ أَخِطْهَا بِنَفْسِي. وَالسَّاعَةُ فِي مِعْصَمِي، وَالْهَاتِفُ فِي يَدِي، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ… أَفَلَسْتُ، بِهَذَا الْمِعْنَى، مَلِكًا؟ وَمَنْ أَخْبَرَنِي أَصْلًا أَنَّ هَذَا الْفَلَّاحَ سَعِيدٌ؟ فَلَيْسَ كُلُّ مُبْتَسِمٍ سَعِيدًا؛ فَقَدْ يَكُونُ مُهَرِّجٌ يُضْحِكُ مِلَايِينَ النَّاسِ ثُمَّ يُفَاجِئُ الْجَمِيعَ بِإِنْهَاءِ حَيَاتِهِ بِنَفْسِهِ.

أَنْظُرُ إِلَى هَؤُلَاءِ النِّسَاءِ الْفَقِيرَاتِ وَأَطْفَالِهِنَّ الْجَالِسِينَ عَلَى الْأَرْضِ فِي انْتِظَارِ انْتِهَاءِ حَصَادِ الْبَطَاطِسِ. بَعْضُ النِّسَاءِ يَتَحَدَّثْنَ وَيَتَضَاحَكْنَ لِقَتْلِ الْوَقْتِ، وَأُخْرَيَاتٌ يَلْزَمْنَ الصَّمْتَ وَهُنَّ يُرَاقِبْنَ عُمَّالًا مَوْسِمِيِّينَ - رِجَالًا وَنِسَاءً - يَحْفِرُونَ الْبَطَاطِسَ، بَيْنَمَا يَضَعُهَا آخَرُونَ فِي صَنَادِيقَ خَشَبِيَّةٍ أَوْ بِلَاسْتِيكِيَّةٍ، وَيَحْمِلُهَا غَيْرُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ إِلَى الشَّاحِنَاتِ خَارِجَ الْحَقْلِ. وَقُرْبَ الشَّاحِنَاتِ بَعْضُ السَّيَّارَاتِ وَبِضْعَةُ رِجَالٍ، تَبْرُزُ بَيْنَهُمْ سَيَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَرَجُلٌ وَاحِدٌ يَلْفِتُ الْأَنْظَارَ: لَا بُدَّ أَنَّهُ صَاحِبُ الْمَزْرَعَةِ، وَتِلْكَ السَّيَّارَةُ سَيَّارَتُهُ.

هَذَا الرَّجُلُ هُوَ نَجْمُ الْيَوْمِ. أَتَخَيَّلُ أَنَّ الرِّجَالَ يَتَمَنَّوْنَ لَوْ يَكُونُونَ مِثْلَهُ وَيَمْلِكُونَ مَا يَمْلِكُهُ، وَأَنَّ النِّسَاءَ لَنْ يَرْفُضْنَ الزَّوَاجَ مِنْهُ أَوْ قَبُولَهُ صِهْرًا. فَلَدَيْهِ حَقْلٌ وَاسِعٌ ذُو قِيمَةٍ كَبِيرَةٍ، وَسَيَّارَةٌ فَاخِرَةٌ، وَمَلَابِسُ أَنِيقَةٌ، وَنَظَّارَاتٌ لَافِتَةٌ، وَالْجَمِيعُ يُخَاطِبُونَهُ بِأَدَبٍ وَيُنَادُونَهُ: «حَاجّ». لَعَلَّهُ يَمْلِكُ أَيْضًا أَمْلَاكًا أُخْرَى فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى؛ وَلَعَلَّ زَوْجَتَهُ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، تَتَسَوَّقُ فِي أَحَدِ الْمَجَمَّعَاتِ التِّجَارِيَّةِ، أَوْ تَلْعَبُ الْغُولْفَ، أَوْ تَسْتَرْخِي فِي سَاوْنَا بِفُنْدُقٍ فَاخِرٍ. وَأَطْفَالُهُ - إِنْ كَانَ لَهُ أَطْفَالٌ - لَا بُدَّ أَنَّهُمْ فِي مَدَارِسَ مُكْلِفَةٍ. مَا أَوْفَرَ حَظَّهُ وَحَظَّ أُسْرَتِهِ!

وَلَكِنِّي أَتَوَقَّفُ لِأُفَكِّرَ: فَالْأَرْضُ نَفْسُهَا تَحْتَاجُ إِلَى عُمَّالٍ لِتَهْيِئَتِهَا، وَإِلَى آخَرِينَ لِلزِّرَاعَةِ، وَرُبَّمَا إِلَى مُهَنْدِسِينَ أَوْ فَنِّيِّينَ مُتَخَصِّصِينَ، كَمَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَنْقُلُ وَيُدِيرُ وَيُنَظِّمُ. وَفِي يَوْمِ الْحَصَادِ يَكْثُرُ الْعَمَلُ وَيَكْثُرُ الْعُمَّالُ. وَعِنْدَمَا يَنْتَهِي الْحَصَادُ سَيُسْمَحُ لِتِلْكَ النِّسَاءِ الْفَقِيرَاتِ وَأَطْفَالِهِنَّ أَنْ يَدْخُلُوا الْحَقْلَ لِيَجْمَعُوا مَا بَقِيَ مِنَ الْبَطَاطِسِ. أَمَّا الْبَطَاطِسُ الْجَيِّدُ فَسَيُنْقَلُ إِلَى الْأَسْوَاقِ وَالْمَتَاجِرِ وَرُبَّمَا يُصَدَّرُ أَوْ يُعَالَجُ صِنَاعِيًّا. وَأَقُولُ لِنَفْسِي: لَنْ يَأْكُلَ الْفَلَّاحُ كُلَّ بَطَاطِسِهِ؛ إِنَّ أُنَاسًا مِثْلِي هُمُ الَّذِينَ سَيَأْكُلُونَهُ. وَأَطْفَالُ تِلْكَ النِّسَاءِ سَيَكُونُونَ سُعَدَاءَ بِالْبَطَاطِسِ الَّذِي يُتْرَكُ لَهُمْ. وَمَنْ يَدْرِي؟ لَعَلَّ بَعْضَ أَبْنَاءِ هَؤُلَاءِ النِّسَاءِ يُصْبِحُونَ يَوْمًا مَا - وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ غِنًى - أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَبْنَاءِ «نَجْمِ الْيَوْمِ». ثُمَّ إِنَّ جُزْءًا مِنَ الْمَالِ الَّذِي سَيَجْنِيهِ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ بَطَاطِسِهِ سَيَنْتَقِلُ إِلَى جُيُوبِ آخَرِينَ: إِلَى الْفَنَادِقِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَدَارِسِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ وَغَيْرِهَا. وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحْصِيَ كَمْ مِنْ شَخْصٍ سَيَنْتَفِعُ مِنْ هَذِهِ الْبَطَاطِسِ، وَلَا كَمْ مِنَ الْأَطْفَالِ سَيَفْرَحُونَ بِرُقَاقَاتِهَا الْمَقْلِيَّةِ، نَاهِيكَ عَنْ ذَلِكَ «الْمَحْظُوظِ» الْآخَرِ: صَاحِبِ مَصْنَعِ رُقَاقَاتِ الْبَطَاطِسِ وَعُمَّالِهِ.

أَقِفُ بَيْنَ حَقْلَيْنِ وَاسِعَيْنِ مِنْ حُقُولِ الْبَطَاطِسِ لِأَتَأَمَّلَ فِي كُلِّ هَذَا، وَأُفَكِّرُ فِي الْعُمَّالِ الْمَوْسِمِيِّينَ الَّذِينَ سَعِدُوا بِعُثُورِهِمْ عَلَى عَمَلٍ فِي هَذِهِ الْحُقُولِ، وَهُمْ - وَلَهُمْ عَائِلَاتٌ - قَدْ تَلَقَّوْا أُجُورَهُمْ أَيًّا كَانَتْ.

هَذَا التَّأَمُّلُ الْبَسِيطُ يَجْعَلُنِي أَسْأَلُ نَفْسِي: هَلْ أُرِيدُ النَّجَاحَ بِأَيِّ ثَمَنٍ، أَمْ أُرِيدُ السَّعَادَةَ؟ لَيْسَا شَيْئًا وَاحِدًا فِيما أَظُنُّ. فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ النَّاجِحِينَ لَيْسُوا سُعَدَاءَ، وَكَثِيرٌ مِنَ السُّعَدَاءِ لَمْ يَكُونُوا نَاجِحِينَ بِالْمِقْيَاسِ الْمَأْلُوفِ. فَمَاذَا أُرِيدُ إِذَنْ؟ أَنْ أَكُونَ سَعِيدًا وَنَاجِحًا مَعًا؟ حَسَنًا… وَلَكِنْ أَيُّهُمَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلًا: النَّجَاحُ أَمِ السَّعَادَةُ؟

 

إِنَّ لِمَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يَتَحَمَّلُوهُ حُدُودًا، مَهْمَا بَلَغَتْ دَرَجَةُ إِيمَانِهِمْ وَمَهْمَا سَمَتْ مَرْتَبَةُ صِدْقِهِمْ. فَحَتَّى الأَنْبِيَاءُ مَرُّوا بِلَحَظَاتٍ مِنَ الضَّعْفِ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُجْتَمَعِ؛ فَكُلُّ إِنْسَانٍ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا بَيْنَ النَّاسِ. وَلَا أَحَدَ يَرْغَبُ أَنْ يَسْمَعَ الآخَرِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ بِسُوءٍ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَشْمَلُهُ ذَلِكَ.

لَكِنَّهُ لَأَمْرٌ صَعْبٌ - بَلْ صَعْبٌ جِدًّا - أَنْ أَقِفَ كَتِفًا إِلَى كَتِفٍ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ وَأَنَا لَا أَجِدُ كَلِمَاتٍ أُفَسِّرُ بِهَا وَضْعِي دُونَ أَنْ أَلْجَأَ إِلَى الْكَذِبِ. كَيْفَ أُوَاصِلُ الطَّرِيقَ؟ كَيْفَ أَبْقَى طَمُوحًا وَأَنَا أَرَى أَنَّ أُنَاسًا أَقَلَّ مِنِّي كَفَاءَةً يَعِيشُونَ فِي حَالٍ أَفْضَلَ مِنِّي بِكَثِيرٍ؟ وَمَاذَا بَقِيَ لِي لِأَحْلُمَ بِهِ فِي هَذَا الْعُمْرِ؟

لِنَفْتَرِضْ أَنَّنِي حَصَلْتُ - بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْبَطَالَةِ - عَلَى عَمَلٍ جَيِّدٍ. لَعَلَّ أَوَّلَ مَا سَيَخْطُرُ لِي أَنْ أُظْهِرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ، وَأَنْ يَعْرِفُوا قِيمَتِي. وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَسُوءُ الأُمُورُ، مَاذَا أَفْعَلُ؟ رُبَّمَا أُحَاوِلُ أَنْ أَتَوَارَى عَنِ الأَنْظَارِ. وَلَكِنْ إِلَى مَتَى سَأَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ فَسَيَعْرِفُ النَّاسُ فِي النِّهَايَةِ أَنَّنِي عَاطِلٌ عَنِ الْعَمَلِ وَأَنَّنِي أُعَانِي. وَعِنْدَهَا سَتَظْهَرُ وُجُوهُهُمْ الْحَقِيقِيَّةُ، وَسَيُبَيِّنُونَ لِي قِيمَتِي فِي أَعْيُنِهِمْ.

سَأَشْعُرُ بِأَنَّنِي صَغِيرٌ، بِلَا قِيمَةٍ. سَأُدْرِكُ أَنَّ قِيمَتِي فِي نَظَرِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ لَا تُقَاسُ بِمَا أَنَا عَلَيْهِ، بَلْ بِمَا أَمْلِكُهُ. سَأَرَى كَيْفَ سَيَتَصَرَّفُ الأَصْدِقَاءُ الَّذِينَ كُنْتُ أَظُنُّهُمْ خَيْرَ الأَصْدِقَاءِ إِزَاءَ بُؤْسِي، وَكَيْفَ سَيَتَصَرَّفُ أَفْرَادُ عَائِلَتِي الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ إِزَاءَ بَطَالَتِي الطَّوِيلَةِ، وَكَيْفَ قَدْ يَخْذُلُنِي النَّاسُ حِينَ أَكُونُ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمْ.

وَلَكِنْ كَيْفَ سَأَشْعُرُ عِنْدَمَا يَعُودُ إِلَيَّ الْمَالُ، فَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْتَرِيَ مَا لَمْ أَكُنْ أَسْتَطِيعُ شِرَاءَهُ قَبْلَ سَنَةٍ، أَوْ أَذْهَبَ إِلَى أَمَاكِنَ لَمْ أَكُنْ أَجْرُؤُ عَلَى إِظْهَارِ وَجْهِي فِيهَا قَبْلَ أَشْهُرٍ؟

عِنْدَمَا أَخْرُجُ إِلَى الشَّارِعِ بِسُتْرَةٍ نَظِيفَةٍ وَبِنْطَالٍ نَظِيفٍ، مَنْ سَيَعْرِفُ أَنَّهُ لَا مَالَ فِي جُيُوبِي؟ وَلِأَنَّنِي لَا أَتَسَوَّلُ، سَيَظُنُّ النَّاسُ أَنَّنِي مُكْتَفٍ بِنَفْسِي. وَبِذَلِكَ لَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ لِمُسَاعَدَتِي، حَتَّى وَلَوْ كُنْتُ مُثْقَلًا بِالدُّيُونِ، وَرُبَّمَا لَا أَسْتَطِيعُ تَأْمِينَ قُوتِ يَوْمِي.

أَمْشِي فِي الشَّارِعِ كَأَنِّي شَخْصٌ عَادِيٌّ—كَأَنِّي غَنِيٌّ. وَلَعَلِّي، فِي دَاخِلِي، غَنِيٌّ فِعْلًا؛ فَأَنَا لَا أَنْبَهِرُ بِمَا يَمْلِكُهُ الآخَرُونَ، وَلَا يَهُمُّنِي مَنْ يَمْلِكُ مَاذَا. أَحْتَرِمُ الْجَمِيعَ وَأَتَمَنَّى الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ. وَلَكِنَّنِي - فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ - أَتَمَنَّى أَيْضًا أَنْ أَكُونَ إِنْسَانًا عَادِيًّا مِثْلَ بَقِيَّةِ النَّاسِ.

فَإِذَا كَانَ النَّاسُ يُسَارِعُونَ لِيَحْصُلُوا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا - شَيْءٌ فِي الْعِشْرِينَ، وَآخَرُ فِي الثَّلَاثِينَ، وَآخَرُ فِي الأَرْبَعِينَ، وَآخَرُ فِي الْخَمْسِينَ - فَإِنَّنِي أَرْجُو فَقَطْ أَنْ أَحْصُلَ عَلَى شَيْءٍ مَا قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ. وَسَأَبْذُلُ كُلَّ مَا أَسْتَطِيعُ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، كَأَنَّنِي سَأَعِيشُ إِلَى الأَبَدِ.

إِنَّ الأَمْرَ يَعُودُ إِلَيَّ أَنَا: أَنْ أَرَى الْجَمَالَ فِي الإِنْسَانِ، وَفِي الطُّيُورِ، وَفِي الْجَدَاوِلِ، وَفِي الْحَيَوَانَاتِ، وَفِي السَّمَاءِ الْمُرَصَّعَةِ بِالنُّجُومِ، وَفِي الْبَحْرِ، وَفِي الشِّعْرِ، وَفِي الْمُوسِيقَى، وَفِي الْفُنُونِ، وَفِي مَلَابِسِ النَّاسِ، وَفِي اخْتِلَافَاتِهِمْ: الْجَسَدِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالْحَضَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَإِلَيَّ أَيْضًا أَنْ أُقَدِّرَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ الَّتِي مُنِحْتُهَا لِأَشْعُرَ بِجَمَالِ هَذَا الْعَالَمِ فِي كُلِّ صُوَرِهِ.

وَمَهْمَا بَدَتِ الْحَيَاةُ صَعْبَةً أَوْ قَصِيرَةً، فَإِنَّهَا أَجْمَلُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَبْدُو عَلَيْهِ أَحْيَانًا. وَإِذَا كَانَتْ قَصِيرَةً وَصَعْبَةً، فَلَا بُدَّ أَنَّ لِذَلِكَ حِكْمَةً.

عِنْدَمَا نَكُونُ شَبَابًا نُفَكِّرُ كَثِيرًا فِي الْحَيَاةِ الْهَنِيئَةِ. وَلَكِنَّ الْحَيَاةَ - حَتَّى إِذَا حَصَلْنَا عَلَى مَا نَتَمَنَّى - لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَاتِبٍ وَسَيَّارَةِ شَرِكَةٍ. فَقَدْ نَجِدُ أَنْفُسَنَا فِي حَيَاةٍ بِلَا طَعْمٍ، رُتِيبَةٍ بِلَا مَعْنًى، حَتَّى وَإِنْ كُنَّا فِي وَضْعٍ مُرِيحٍ. قَدْ نَعِيشُ فِي مَدِينَةٍ جَمِيلَةٍ وَلَكِنَّهَا مُمْتَلِئَةٌ بِالتَّلَوُّثِ وَالنِّفَايَاتِ وَالْجَرِيمَةِ. فَهَلْ نَقُولُ عِنْدَئِذٍ إِنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ جَمِيلَةً؟ إِنَّ الْحَيَاةَ تُحَسُّ وَلَا تُقَاسُ. فَسَوَاءٌ أَكَلْتَ سَمَكًا أَوْ لَحْمًا، بَطَاطِسَ أَوْ كَافِيَارًا، فَالْأَمْرُ فِي النِّهَايَةِ وَاحِدٌ: لَمْ تَعُدْ جَائِعًا. وَلَكِنَّ السُّؤَالَ هُوَ: هَلْ أَنْتَ سَعِيدٌ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟

إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى وُجُودِي نَظْرَةً أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ هُمُومِي الْيَوْمِيَّةِ، فَهَلْ يَكْفِينِي أَنْ أُعْجَبَ بِالطُّيُورِ دُونَ أَنْ أَتَأَمَّلَ رِيشَهَا الْبَدِيعَ أَوْ هِجْرَتَهَا الْمُدْهِشَةَ؟ هَلْ يَكْفِينِي أَنْ أُمَيِّزَ الأَلْوَانَ وَالأَشْكَالَ وَأَعْرِفَ أَسْمَاءَهَا دُونَ أَنْ أَتَسَاءَلَ: مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ كُلُّ هَذِهِ الأَلْوَانِ وَالأَشْكَالِ؟ مَنْ خَلَقَهَا؟ وَلِمَاذَا؟

لَقَدْ أَصْبَحْتُ أُؤْمِنُ أَنَّنَا جَمِيعًا بَشَرٌ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ اعْتِقَادٍ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ. نَحْنُ جَمِيعًا ضُعَفَاءُ، لَنَا الْمَخَاوِفُ نَفْسُهَا وَالطُّمُوحَاتُ نَفْسُهَا. نَأْكُلُ الْخُضَرَ وَالْفَوَاكِهَ وَالْخُبْزَ وَالْجُبْنَ - إِنِ اسْتَطَعْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. نُرِيدُ أَنْ نَكْبَرَ، وَنَعْمَلَ، وَنَتَزَوَّجَ. وَسَنُوَاجِهُ - إِلَى حَدٍّ مَا - الْمَشَاكِلَ نَفْسَهَا وَالْمَتَعَ نَفْسَهَا.

نَحْنُ جَمِيعًا نَحْتَاجُ إِلَى الْمَاءِ وَالْأُكْسِجِينِ. وَالْمَاءُ الَّذِي يَجْرِي فِي نَهْرِ السِّينِ أَوْ فِي النِّيلِ تَشْرَبُهُ النَّبَاتَاتُ وَالْحَيَوَانَاتُ وَالْبَشَرُ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ… مَا دَامَ الْمَاءُ مُتَوَفِّرًا لِلْجَمِيعِ. وَلَكِنَّهُ أَحْيَانًا لَا يَكُونُ هُنَاكَ مَاءٌ، أَوْ لَا يَكُونُ كَافِيًا. فَيَمُوتُ النَّاسُ جُوعًا أَوْ عَطَشًا، وَيُضْطَرُّ آخَرُونَ إِلَى الْهِجْرَةِ فِرَارًا مِنَ الْمَجَاعَةِ. فَمَنْ سَيَتَحَدَّثُ عَنْ جَمَالِ الْحَيَاةِ لِهَؤُلَاءِ؟ وَلَكِنْ مَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ حِينَ يَكُونُ عِنْدَنَا الْمَطَرُ وَالنَّسِيمُ وَالأَزْهَارُ، وَالزُّبْدَةُ وَالْعَسَلُ؟ عِنْدَمَا تَسِيرُ الْحَيَاةُ بِسُهُولَةٍ، نَادِرًا مَا نَتَذَكَّرُ الْقَدَرَ.

أَرَى أَنَّ أَعْيُنَ النَّاسِ لَيْسَتْ كُلُّهَا بِلَوْنٍ وَاحِدٍ، بَلْ حَتَّى الْعُيُونُ الْمُتَشَابِهَةُ فِي اللَّوْنِ لَيْسَتْ مُتَطَابِقَةً تَمَامًا. فَكُلُّ إِنْسَانٍ كَائِنٌ فَرِيدٌ، لَهُ بَصْمَتُهُ وَصَوْتُهُ وَقَلْبُهُ وَعَقْلُهُ وَحَيَاتُهُ. فَمَنْ الَّذِي صَمَّمَ كُلَّ هَذَا؟

وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ إِنَّ الْعَالَمَ كَانَ سَيَكُونُ أَفْضَلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقِيرٌ وَلَا مُتَسَوِّلٌ، وَلَا أَرْمَلَةٌ وَلَا يَتِيمٌ، وَلَا حَرْبٌ وَلَا مَجَاعَةٌ. وَلَكِنِّي أَتَسَاءَلُ: مَا قِيمَةُ إِنْسَانِيَّتِنَا إِذَنْ، لَوْ لَمْ نُظْهِرْهَا فِي لَحَظَاتِ الزَّلَازِلِ وَالْجَفَافِ وَالْفَيَضَانَاتِ وَالأَزَمَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ؟

وَالْحَقُّ أَنِّي، فِي أَشَدِّ الظُّرُوفِ قَسْوَةً، أَرَى أَيْضًا أَعْمَالًا مُدْهِشَةً مِنَ التَّكَافُلِ وَالتَّضَامُنِ وَالرَّحْمَةِ. نَعَمْ، أَرَى أَيْضًا اللُّصُوصَ وَالنَّاهِبِينَ، وَلَكِنِّي أَرَى فِي الْمُقَابِلِ أُنَاسًا يُخَاطِرُونَ بِحَيَاتِهِمْ لِإِنْقَاذِ الْآخَرِينَ.

أَفَلَا يَجْدُرُ بِي إِذَنْ أَنْ أَرَى فِي هَذِهِ الأَحْدَاثِ - وَفِي مَشَاكِلِي الشَّخْصِيَّةِ أَيْضًا - نَوْعًا مِنَ التَّنْبِيهِ، يُذَكِّرُنِي بِأَنَّنِي مُجَرَّدُ عَابِرٍ فِي هَذِهِ الأَرْضِ، وَأَنَّهُ قَدْ حَانَ الْوَقْتُ لِأُعِدَّ نَفْسِي لِحَيَاةٍ أُخْرَى أَبَدِيَّةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ؟

إِنَّ الإِنْسَانَ هُوَ الَّذِي تَجَرَّأَ عَلَى قَتْلِ الإِنْسَانِ. فَقَدْ قَتَلَ رَجُلٌ أَخَاهُ بِدَافِعِ الْغَيْرَةِ، وَمَا زَالَتْ هَذِهِ الْغَيْرَةُ نَفْسُهَا تُشْعِلُ الْحُرُوبَ وَتَدْفَعُ مَلَايِينَ اللَّاجِئِينَ إِلَى الطُّرُقِ. وَلَيْسَ إِلَهٌ مَنْ يُحْرِقُ أَطْنَانَ الْقَمْحِ أَوْ يُلْقِيهَا فِي الْبَحْرِ لِرَفْعِ الأَسْعَارِ. وَلَيْسَ إِلَهٌ مَنْ يَفْرِضُ عَلَى النَّاسِ اسْتِغْلَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

الْهَوَاءُ حُرٌّ لِلْجَمِيعِ، وَالشَّمْسُ لِلْجَمِيعِ، وَالْحَيَاةُ هِبَةٌ لِلْجَمِيعِ. وَمَعَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ أَتَرُكَ دَائِمًا مَكَانًا لِمَا هُوَ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ: لِكَارِثَةٍ مُنَاخِيَّةٍ، أَوْ أَزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ، أَوْ اضْطِرَابٍ اجْتِمَاعِيٍّ. سَمِّ ذَلِكَ تَشَاؤُمًا أَوْ وَاقِعِيَّةً - فَالْأَمْرُ لَا يُغَيِّرُ شَيْئًا. فَحَارِسُ الْمَرْمَى الْجَيِّدُ، كَمَا فِي كُرَةِ الْقَدَمِ، يَبْقَى دَائِمًا مُتَيَقِّظًا حَتَّى أَمَامَ أَضْعَفِ فَرِيقٍ فِي الْعَالَمِ.

3

 

مِثْلَ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ أَرَى بَرِيقَ بَعْضِ النَّاسِ؛ أَرَى كَيْفَ يَعِيشُ «المَحْظُوظُونَ»، وَأَرَى الاِتِّسَاعَ المُتَزَايِدَ لِلْفَجْوَةِ بَيْنَ الفُقَرَاءِ وَالأَغْنِيَاءِ... وَأَقُولُ لِنَفْسِي: كَانَ قَبْلَنَا، فِي الأَزْمِنَةِ القَدِيمَةِ كَمَا فِي الأَزْمِنَةِ الأَقْرَبِ، نَاسٌ تَمَتَّعُوا هُمْ أَيْضًا بِقَدْرٍ مِنَ البَرِيقِ؛ كَانَ هُنَاكَ رِجَالٌ وُسَمَاءُ وَنِسَاءٌ جَمِيلَاتٌ أَحَبُّوا بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَأَنْجَبُوا أَبْنَاءً، وَعَاشُوا فِي قُصُورٍ جَمِيلَةٍ، وَعَمِلُوا (بَعْضُهُمْ)، وَاسْتَمَعُوا إِلَى المُوسِيقَى، وَتَنَزَّهُوا فِي حَدَائِقَ غَنَّاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَلِمَاتٍ عَذْبَةً، وَتَعَاشَقُوا، وَحَلِمُوا بِأَيَّامٍ أَفْضَلَ، وَمَرِضُوا، وَتَطَلَّقُوا، وَخَاضُوا الحُرُوبَ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأُصِيبُوا، وَمَاتُوا. نَاسٌ مِثْلُنَا تَمَامًا. أَفَهَلْ هُوَ إِذَنْ مُجَرَّدُ اسْتِمْرَارٍ لِلنَّوْعِ الإِنْسَانِيِّ؟ إِلَى أَيْنَ نَحْنُ مُتَّجِهُونَ؟ أَهَلْ سَيَظَلُّ البَشَرُ أَبَدًا يَذُوقُونَ المَتَعَ نَفْسَهَا وَيُعَانُونَ الإِحْبَاطَاتِ نَفْسَهَا؟ لِمَاذَا نَحْنُ هُنَا عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ؟ أَفَلَا يَأْتِي يَوْمٌ يَخْتَفِي فِيهِ الشَّقَاءُ إِلَى الأَبَدِ؟ مَا قِيمَةُ الحَيَاةِ إِنْ لَمْ يَعِشْهَا الإِنْسَانُ عَيْشَةً كَامِلَةً فِي فَرَحٍ وَسَكِينَةٍ؟ وَمَا الجَدْوَى مِنْ إِضَاعَةِ الوَقْتِ فِي مُعَاوَدَةِ طَرْحِ الأَسْئِلَةِ نَفْسِهَا؟ وَمَا نَفْعُ التَّارِيخِ، وَمَا نَفْعُ الفَلْسَفَةِ، وَمَا نَفْعُ الأَدَبِ... إِذَا كَانَ المُؤَرِّخُونَ أَنْفُسُهُمْ، وَالفَلَاسِفَةُ، وَالكُتَّابُ وَالكَاتِبَاتُ يلجؤون أَحْيَانًا إِلَى وُضْعِ حَدٍّ لِحَيَاتِهِمْ هَرَبًا مِنْ وَاقِعِهِمُ المُفْزِعِ؟ لَيْسَ لَدَيَّ أَجْوِبَةٌ عَنْ ذَلِكَ. غَيْرَ أَنِّي أُلَاحِظُ فَقَطْ أَنَّ هُنَاكَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يُقْدِمُونَ عَلَى الاِنْتِحَارِ. إِنَّهُمْ يُوَاجِهُونَ الحَيَاةَ بِمَا لَدَيْهِمْ مِنْ وَسَائِلَ قَلِيلَةٍ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الحَيَاةَ، عَلَى الأَقَلِّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ. فَهَلِ الحَيَاةُ حَقًّا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ—مَهْمَا تَكَاثَرَتْ أَحْزَانُنَا؟

عِنْدَمَا أَقْرَأُ كُتُبَ التَّارِيخِ أَوِ الحِكَايَاتِ القَدِيمَةَ أَوِ القَصَائِدَ أَلَاحِظُ بِسُهُولَةٍ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا دَائِمًا أَهَمَّ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ، أَوْ مَرَاكِبِهِمْ، أَوْ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ مِمَّا يَمْلِكُونَ. لَقَدْ خَافَ الإِنْسَانُ دَائِمًا مِنَ المَرَضِ وَالمَوْتِ وَالفَقْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَانَ دَائِمًا بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ يَشْعُرَ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالحِمَايَةِ وَالأَمَانِ. وَقَدْ صَنَعَ السَّلَامَ بَعْدَ الحُرُوبِ، وَأَقَامَ المَحَاكِمَ لِإِقَامَةِ العَدْلِ، وَبَنَى المَدَارِسَ لِتَعْلِيمِ الأَجْيَالِ القَادِمَةِ، وَشَيَّدَ المُدُنَ وَالقُرَى لِيَشْعُرَ النَّاسُ بِالقُرْبِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلِيُقِيمُوا أَنْوَاعًا شَتَّى مِنَ العَلَاقَاتِ السَّلِيمَةِ، وَلِيَتَعَاوَنُوا وَيَتَبَادَلُوا الخِدْمَاتِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنِ العَلَاقَاتُ الشَّخْصِيَّةُ أَوْ عِلَاقَاتُ الجِيرَةِ أَوِ العَشَائِرِ مِثَالِيَّةً. وَقَدْ يُعَانِي الإِنْسَانُ أَحْيَانًا مِنَ البَرْدِ أَوِ الحَرِّ أَوِ الجُوعِ أَوِ العَطَشِ أَوِ التَّعَبِ أَوِ الخَوْفِ أَوْ فِقْدَانِ الأَحِبَّةِ... لَكِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَذَوَّقُ لَذَّةَ الطَّعَامِ بَعْدَ الجُوعِ، وَلَذَّةَ الشَّرَابِ بَعْدَ العَطَشِ، وَلَذَّةَ الرَّاحَةِ بَعْدَ التَّعَبِ، وَلَذَّةَ الحُبِّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.

فِي المَاضِي كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ المَعْرِفَةَ - فِي رُؤُوسِهِمْ - عَنْ شُيُوخِهِمْ، ثُمَّ يُوَرِّثُونَهَا لِلأَجْيَالِ التَّالِيَةِ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَتْ تُبْنَى قُصُورٌ وَمَدَارِسُ وَطُرُقٌ وَحَدَائِقُ وَمَصَانِعُ جَدِيدَةٌ، وَكَانَتْ مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ بِالعَالَمِ تَتَّسِعُ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَقُومُ مَلَكٌ جَدِيدٌ، حَسَنٌ أَوْ سَيِّئٌ. وَالسُّؤَالُ هُوَ: لِمَاذَا لَمْ تَدُمْ تِلْكَ المَمَالِكُ «الصَّالِحَةُ» إِلَى الأَبَدِ؟ وَلِمَاذَا وُجِدَتْ مَمَالِكُ «سَيِّئَةٌ» أَيْضًا؟ إِنَّهُ سُؤَالٌ عَسِيرُ الجَوَابِ.

إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي نَسْتَعْمِلُهَا اليَوْمَ قَدِ اخْتَرَعَهَا شُعُوبٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ وَفِي أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَالبُرُونْزُ، مَثَلًا، اخْتَرَعَهُ الصِّينِيُّونَ، وَالزُّجَاجُ اخْتَرَعَهُ أُنَاسٌ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَالوَرَقُ اخْتَرَعَهُ المِصْرِيُّونَ، وَالأَبْجَدِيَّةُ اخْتَرَعَهَا الفِينِيقِيُّونَ، وَهَكَذَا دَوَالَيْكَ. وَتَعَلَّمَ كُلُّ شَعْبٍ مِنَ الشُّعُوبِ الأُخْرَى، وَأَضَافَ اخْتِرَاعَاتِهِ الخَاصَّةَ، فَاتَّسَعَتْ بِذَلِكَ مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ بِالعَالَمِ. وَانْتَشَرَتْ هَذِهِ المَعْرِفَةُ عَنْ طَرِيقِ التِّجَارَةِ وَالفُتُوحِ. وَوَرِثَ الفَاتِحُونَ مَعَارِفَ الشُّعُوبِ المَغْلُوبَةِ، فَحَمَلُوهَا إِلَى بِلَادِهِمْ أَوْ نَشَرُوهَا فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ جَلَبَ الفَاتِحُونَ أَيْضًا أَسَالِيبَ حَيَاتِهِمْ وَأَفْكَارَهُمْ وَفُنُونَهُمْ وَدِيَانَتَهُمْ.

وَإِنَّ التَّفَاعُلَ بَيْنَ هَذَا العَدَدِ الكَبِيرِ مِنَ القُوَى وَالحَضَارَاتِ وَأَنْوَاعِ الحَيَاةِ جَعَلَ مِنَ الضَّرُورِيِّ لِكُلِّ شَعْبٍ أَنْ يُدَافِعَ عَنْ وُجُودِهِ. وَكَانَ عَلَى كُلِّ شَعْبٍ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ كُلِّ مَا يُهَدِّدُ مَصَالِحَهُ. وَكَانَتْ ثَقَافَتُهُ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ. فَالَّذِينَ آمَنُوا بِإِلَهٍ - أَيًّا كَانَ هَذَا الإِلَهُ - كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ إِيمَانِهِمْ بِكُلِّ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنْ أَدَوَاتٍ، بِمَا فِيهَا تِلْكَ الَّتِي ابْتَكَرَتْهَا أَوْ طَوَّرَتْهَا أُمَمٌ لَا تُشَارِكُهُمْ بِالضَّرُورَةِ فِي الإِيمَانِ نَفْسِهِ. وَقَدْ تَكُونُ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الأَدَوَاتِ الأَبْجَدِيَّةُ الفِينِيقِيَّةُ وَالمَنْطِقُ اليُونَانِيُّ. وَهَكَذَا فَإِنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ -أَعْنِي الصَّالِحَةَ مِنْهَا وَالسَّيِّئَةَ - لَمْ تَكُنْ أَبَدًا «زَائِدَةً عَنِ الحَاجَةِ». بَلْ كَانَتْ مُفِيدَةً بَعْضُهَا لِبَعْضٍ.

اِسْتَعَارَ العَرَبُ مَعْرِفَةً قَدِيمَةً كَانَتْ خَامِلَةً عِنْدَ اليُونَانِ وَالفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ، فَجَدَّدُوهَا وَأَغْنَوْهَا، ثُمَّ نَشَرُوهَا فِي كُلِّ الاِتِّجَاهَاتِ. وَظَهَرَتْ بَغْدَادُ عَاصِمَةً لِلعِلْمِ فِي العَالَمِ. وَفِي الغَرْبِ كَانَتْ قُرْطُبَةُ فِي إِسْبَانِيَا، حَيْثُ انْتَقَلَ العِلْمُ العَرَبِيُّ إِلَى أُورُوبَّا عَنْ طَرِيقِ التَّرْجَمَةِ. وَتَحَدَّثَ ابْنُ رُشْدٍ إِلَى المُسْلِمِينَ وَإِلَى الأُورُوبِّيِّينَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ عَنِ اللهِ بِمَنْطِقِ أَرِسْطُو.

دُمِّرَتْ بَغْدَادُ، وَلَكِنَّ المَعْرِفَةَ الإِسْلَامِيَّةَ بَقِيَتْ حَيَّةً. بَقِيَتْ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي الكُتُبِ الَّتِي أَلْقَاهَا المَغُولُ فِي نَهْرِ دِجْلَةَ فَقَطْ، بَلْ كَانَتْ أَيْضًا فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَعُقُولِهِمْ. وَمِثْلَمَا كَانَ تَدْمِيرُ مَكْتَبَةِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي العُصُورِ القَدِيمَةِ، كَانَ فَقْدَانُ مَكْتَبَاتِ بَغْدَادَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَأْسَاةً أَفْظَعَ بِكَثِيرٍ لَوْلَا مَا سَمَّيْتُهُ بِالتَّفَاعُلِ. أَمَّا مَرَّاكِشُ، الَّتِي بَنَاهَا المُرَابِطُونَ وَجَعَلُوهَا عَاصِمَتَهُمْ فِي المَغْرِبِ، فَقَدْ دَمَّرَهَا خَلَفُهُمُ المُوَحِّدُونَ تَدْمِيرًا مُتَعَمَّدًا كَامِلًا. ثُمَّ أَعَادُوا بِنَاءَ المَدِينَةِ كُلِّهَا عَلَى أَجْمَلِ وَجْهٍ مُمْكِنٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ «تَلَقَّوْا» المَعْرِفَةَ اللَّازِمَةَ مِنْ سَلَفِهِمْ.

فِي سَنَةِ البَكَالُورِيَا خُصِّصَ لِي أَنْ أُلْقِيَ مُحَاضَرَةً بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عَنْ مَحْمُودِ سَامِي البَارُودِيِّ، وَهُوَ شَاعِرٌ مِصْرِيٌّ بَارِزٌ مِنْ أَصْلٍ تُرْكِيٍّ. كَانَ بَعْضُ زُمَلَائِي شُغُوفِينَ بِالقِرَاءَةِ، يَقْرَؤُونَ كُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا، وَخَاصَّةً الفَلْسَفَةَ وَالأَدَبَ. كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّنِي سَأُوَاجِهُ صُعُوبَةً كَبِيرَةً حَالَمَا يَبْدَؤُونَ فِي طَرْحِ الأَسْئِلَةِ، مَهْمَا كَانَتْ مُحَاضَرَتِي. وَكَانَتْ أَسْئِلَتُهُمْ فِعْلًا صَعْبَةً جِدًّا، وَشَعَرْتُ بِالإِحْرَاجِ، لَكِنْ كَانَ لَدَيَّ حِيلَةٌ صَغِيرَةٌ. فَعِنْدَمَا شَعَرْتُ أَنَّنِي أَوْشَكُ عَلَى العَجْزِ، عَرَضْتُ أَنْ أَقْرَأَ بَعْضَ المُقْتَطَفَاتِ مِنْ شِعْرِ البَارُودِيِّ. فَقَرَأْتُ قَصِيدَةً لَهُ فِي الحُبِّ، فَتَعَالَتِ التَّصْفِيقَاتُ فِي القَاعَةِ! حَتَّى أُولَئِكَ الجَدَلِيُّونَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يَقْتَنِعُونَ بِإِجَابَاتِ أَحَدٍ، فُتِنُوا بِجَمَالِ قَصِيدَةِ البَارُودِيِّ. كَانَ البَارُودِيُّ جُنْدِيًّا يُحِبُّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ. أَعْطَاهَا قَلْبَهُ، فَأَعْطَتْهُ الشُّهْرَةَ وَالمَجْدَ. (وَقَدْ أَصْبَحَ فِيمَا بَعْدُ رَئِيسَ وُزَرَاءِ مِصْرَ.) وَقَدْ مَثَّلَ عَصْرُهُ بَدَايَةَ النَّهْضَةِ العَرَبِيَّةِ. وَقَدْ بَدَأَتْ هَذِهِ النَّهْضَةُ العَرَبِيَّةُ بِالشِّعْرِ العَرَبِيِّ. وَكَانَ أَحْمَدُ شَوْقِي - الَّذِي لُقِّبَ بِـ«أَمِيرِ الشُّعَرَاءِ» - مِصْرِيًّا مِنْ أَصْلٍ تُرْكِيٍّ أَيْضًا. وَقَدْ وَحَّدَتْ قَصَائِدُهُ الَّتِي غَنَّتْهَا أُمُّ كُلْثُومٍ أَرْوَاحَ كَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ وَالمُسْلِمِينَ فِي أَنْحَاءِ العَالَمِ. وَقَدْ أَدْرَكَ أُولَئِكَ «العَرَبُ الجُدُدُ» مَا لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحَى مِنْ أَهَمِّيَّةٍ حَتَّى فِي عَصْرِهِمْ. وَأَحْيَتِ القَاهِرَةُ وَبَيْرُوتُ وَبَغْدَادُ تِلْكَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ الجَمِيلَةَ. وَكُنْتُ، وَأَنَا طَالِبٌ، أَسْمَعُ القَوْلَ المَأْثُورَ: «القَاهِرَةُ تَكْتُبُ، وَبَيْرُوتُ تَطْبَعُ، وَبَغْدَادُ تَقْرَأُ»! وَكَانَ هُنَاكَ قُرَّاءٌ وَكُتَّابٌ وَصُحُفٌ عَرَبِيَّةٌ حَتَّى فِي القَارَّتَيْنِ الأَمْرِيكِيَّتَيْنِ! وَقَدْ أَثْرَى كُتَّابٌ عَرَبٌ مَسِيحِيُّونَ - مِثْلُ جُبْرَانَ خَلِيلِ جُبْرَانَ، وَإِيلِيَّا أَبِي مَاضِي، وَمِخَائِيلَ نُعَيْمَةَ - الَّذِينَ عَاشُوا فِي الوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ الأَدَبَ العَرَبِيَّ بِشِعْرِهِمْ وَنَثْرِهِمْ. وَقَدِ انْتُشِلَتْ كَثِيرٌ مِنَ الكُتُبِ العَرَبِيَّةِ وَالإِسْلَامِيَّةِ القَدِيمَةِ مِنَ النِّسْيَانِ (عَلَى أَيْدِي العَرَبِ وَالمُسْتَشْرِقِينَ)، وَصَدَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي طَبْعَاتٍ مَنْشُورَةٍ. وَأَصْبَحَتِ القَاهِرَةُ مَكَّةَ كُتَّابِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَمُتَرْجِمِيهَا.

4

إِنَّ إِلْقَاءَ اللَّوْمِ عَلَى الآخَرِينَ جُزْءٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ الإِنْسَانِيَّةِ. فَنَحْنُ جَمِيعًا نُلْقِي اللَّوْمَ عَلَى غَيْرِنَا فِي مِحَنِنَا. وَإِذَا لَمْ نَجِدْ شَخْصًا مُحَدَّدًا نُلْقِي عَلَيْهِ اللَّوْمَ، فَإِنَّنَا نَلُومُ سُوءَ الحَظِّ. وَلَكِنْ لِنَكُنْ مَوْضُوعِيِّينَ لِبُرْهَةٍ! فَإِنَّ أَفْضَلَ حُكُومَةٍ حُسْنَ نِيَّةٍ وَأَعْلَاهَا كَفَاءَةً لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْمَنَ الوَظَائِفَ لِلْجَمِيعِ. وَكَذَلِكَ فَإِنَّ أَرْقَى المُؤَسَّسَاتِ الاِقْتِصَادِيَّةِ فِي العَالَمِ، مَهْمَا بَلَغَتْ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالوَطَنِيَّةِ، لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْمَنَ نُمُوًّا اِقْتِصَادِيًّا دَائِمًا. وَلَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى دَائِمًا أَقَلِّيَّةٌ مِنَ «التَّعِيسِينَ حَظًّا». وَحَتَّى الأَشْخَاصُ ذَوُو التَّعْلِيمِ العَالِي (مِثْلُ الأَطِبَّاءِ وَالمُهَنْدِسِينَ وَكِبَارِ المُدِيرِينَ...) قَدْ يُفَاجَأُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ البُلْدَانِ حَوْلَ العَالَمِ بِعَدَمِ وُجُودِ وَظَائِفَ تُنَاسِبُهُمْ.

كَمَا نَعْلَمُ جَمِيعًا، يَتَفَاوَضُ بَعْضُ المُوَظَّفِينَ مَعَ أَصْحَابِ العَمَلِ حَوْلَ أُجُورِهِمْ. وَعَادَةً مَا يَحْصُلُ أَصْحَابُ المَهَارَاتِ العَالِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ الجَامِعِيَّةِ المَرْمُوقَةِ عَلَى أَفْضَلِ الرَّوَاتِبِ. وَيُغَيِّرُ بَعْضُهُمْ وَظَائِفَهُمْ بَحْثًا عَنْ أُجُورٍ أَفْضَلَ أَوْ ظُرُوفِ عَمَلٍ أَرْيَحَ. أَمَّا العُمَّالُ الأَقَلُّ تَأْهِيلًا فَقَدْ يَنْضَمُّونَ إِلَى النِّقَابَاتِ لِلمُطَالَبَةِ بِزِيَادَةِ الأُجُورِ أَوْ بِحُقُوقٍ أُخْرَى. وَلَكِنْ، أَهَذَا كُلُّ شَيْءٍ؟

وَمِنَ اللاَّفِتِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَخْتَارُونَ تَبْسِيطَ حَيَاتِهِمْ مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ النَّفْسِيِّ. فَهُمْ يَتْرُكُونَ مَنَاصِبَ كَانُوا يَتَقَاضَوْنَ فِيهَا أُجُورًا مُسْتَحِقَّةً، وَيَقْبَلُونَ بِوَظَائِفَ مُخَصَّصَةٍ لِمَنْ هُمْ أَقَلُّ تَأْهِيلًا. وَالسَّبَبُ، كَمَا يَقُولُونَ، هُوَ الضَّغْطُ النَّفْسِيُّ. فَقَدْ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّضْحِيَةِ بِجُزْءٍ مِنْ دَخْلِهِمْ السَّابِقِ حِفَاظًا عَلَى أَعْصَابِهِمْ.

وَهُنَاكَ فِئَةٌ أُخْرَى مِنَ العُمَّالِ. وَهَؤُلَاءِ أَشْخَاصٌ لَا «يَعْمَلُونَ» وَمَعَ ذَلِكَ يَتَقَاضَوْنَ رَوَاتِبَهُمْ كُلَّ شَهْرٍ. فَهُمْ يَذْهَبُونَ فَقَطْ إِلَى أَمَاكِنِ عَمَلِهِمْ، وَيُسَجِّلُونَ حُضُورَهُمْ، ثُمَّ يَجْلِسُونَ خَامِلِينَ عَلَى الكَرَاسِي بَيْنَمَا يَعْمَلُ غَيْرُهُمْ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً لِيَحْصُلُوا فِي نِهَايَةِ الشَّهْرِ عَلَى الرَّاتِبِ نَفْسِهِ. وَالغَرِيبُ أَنَّ الَّذِينَ «يَعْمَلُونَ» أَكْثَرُ سَعَادَةً مِنَ الَّذِينَ «لَا يَعْمَلُونَ». إنَّهم لَا يَشْعُرُونَ بِالسَّعَادَةِ أَبَدًا، لِأَنَّ زُمَلَاءَهُمُ العَامِلِينَ يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ دَائِمًا، وَيَقُولُونَ لَهُمْ مِثْلًا: «أَنْتُمْ أُنَاسٌ عَدِيمُو الفَائِدَةِ؛ نَحْنُ نَعْمَلُ لِنُطْعِمَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَسْرِقُونَ أَمْوَالَنَا!»

وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ قَبْلَ أَنْ يَتَقَاضَوْا أُجُورَهُمْ لَيْسُوا سُعَدَاءَ أَيْضًا. وَقَدْ يَكُونُ السَّبَبُ ضَغْطَ العَمَلِ أَوِ المُضَايَقَةَ أَوِ التَّنَمُّرَ أَوْ أَيَّ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ الظُّلْمِ. وَقَدْ يَكُونُ صَاحِبُ العَمَلِ عَادِلًا وَمُنْصِفًا، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَا يَكْفِي مِنَ الاِهْتِمَامِ وَالتَّفَهُّمِ. فَقَدْ لَا يَكْتَرِثُ إِذَا كَانَتْ لَدَيْكَ مَشَاكِلُ شَخْصِيَّةٌ أَوْ عَائِلِيَّةٌ. فَمَشَاكِلُكَ مَشَاكِلُكَ أَنْتَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُؤَثِّرَ فِي عَمَلِكَ.

وَهُنَاكَ عُمَّالٌ آخَرُونَ يَتَّخِذُونَ الأُمُورَ بِبَسَاطَةٍ، وَنَادِرًا مَا يَحْتَجُّونَ. وَبَعْضُهُمْ لَا يَأْخُذُونَ إِجَازَةً قَطُّ أَوْ نَادِرًا جِدًّا. وَيَعْمَلُ بَعْضُهُمْ فِي مَنَاجِمَ خَطِرَةٍ أَوْ فِي صِنَاعَةِ الفُولَاذِ حَيْثُ تَكُونُ النِّيرَانُ مَنْظَرًا يَوْمِيًّا. وَيَعْمَلُ آخَرُونَ فِي الحُقُولِ تَحْتَ الشَّمْسِ المُحْرِقَةِ. وَيَعْمَلُ آخَرُونَ بَعِيدًا عَنْ بُيُوتِهِمْ، تَارِكِينَ أَزْوَاجَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَقَارِبَهُمْ خَلْفَهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ هُمْ مُهَاجِرُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُمْ جُنُودٌ فِي الجَيْشِ، أَوْ بَحَّارُونَ فِي أَعَالِي البِحَارِ. وَهُمْ يَفْعَلُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِأَقَلِّ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الشَّكْوَى، لِأَنَّهُمْ لَنْ يَتَقَاضَوْا أَجْرًا إِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.

إِنَّ العَمَلَ الشَّاقَّ خَيْرٌ بِكَثِيرٍ مِنَ البَطَالَةِ. فَالعَامِلُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ ثَمَنَ أَشْيَاءَ لَا يَقْدِرُ العَاطِلُ عَنِ العَمَلِ عَلَى دَفْعِهَا. وَيَكُونُ الفَرْقُ كَبِيرًا عِنْدَمَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقْتَرِضَ مَالًا لِتُلَبِّيَ حَاجَةً عَاجِلَةً، لِأَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْمَنَ سَدَادَهُ، بَيْنَمَا يَسْتَطِيعُ العَامِلُ ذُو الدَّخْلِ الثَّابِتِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. وَالأَشَدُّ إِيلَامًا أَنْ تَرَى نَفْسَكَ عَاطِلًا عَنِ العَمَلِ وَأَنْتَ فِي الأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِكَ أَوْ أَكْبَرَ، بَيْنَمَا أَصْدِقَاؤُكَ وَأَقَارِبُكَ الأَصْغَرُ سِنًّا قَدْ أَصْبَحُوا مُيَسَّرِي الحَالِ.

وَلَكِنْ، مَا إِنْ تَحْصُلْ عَلَى عَمَلٍ حَتَّى تُصْبِحَ مِثْلَ سَائِرِ العُمَّالِ. فَتَبْدَأُ أَنْتَ أَيْضًا تُعَانِي مِنْ مَشَاكِلَ جَدِيدَةٍ وَقَدِيمَةٍ. وَتَبْدَأُ فِي التَّفْكِيرِ فِي الإِجَازَاتِ، مِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى.

الإِجَازَاتُ فُرْصَةٌ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ لِلرَّاحَةِ وَالاِسْتِمْتَاعِ. وَمَا إِنْ يَعُودَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ إِجَازَتِهِمُ السَّنَوِيَّةِ حَتَّى يَبْدَؤُوا فِي الاِسْتِعْدَادِ لِلإِجَازَةِ التَّالِيَةِ، الَّتِي لَنْ تَأْتِيَ بِالطَّبْعِ قَبْلَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا طَوِيلًا. وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الأَسْبَابِ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ التَّبَاهِيَ بِإِجَازَاتِهِمْ. وَقَدْ يَكُونُ السَّبَبُ الآخَرُ أَنَّهُمْ بَسَاطَةً يَسْأَمُونَ العَمَلَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ جُدْرَانٍ.

وَمِمَّا كَانَ يُثِيرُ دَهْشَتِي دَائِمًا أَنَّ مُعْظَمَ الَّذِينَ يَمْلَؤُونَ حَافِلَاتِ السِّيَاحَةِ فِي بَلَدِي هُمْ مِنَ المُسِنِّينَ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِي هَذَا مَا يَدْعُو إِلَى أَنْ يَبْقَى كِبَارُ السِّنِّ فِي بُيُوتِهِمْ لِيُسَاعِدُوا أَحْفَادَهُمْ فِي وَاجِبَاتِهِمُ المَدْرَسِيَّةِ. وَلَكِنَّ هَذَا يَجْعَلُنِي أَتَسَاءَلُ عَمَّا إِذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَتَطَلَّعُونَ حَقًّا إِلَى الشَّيْخُوخَةِ وَالتَّقَاعُدِ. أَلَيْسَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَقْتُ، بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، فُرْصَةً لِتَعْوِيضِ «الوَقْتِ الضَّائِعِ» الَّذِي قَضَوْهُ «بَيْنَ أَرْبَعَةِ جُدْرَانٍ»؟

فَلِمَاذَا يَنْتَظِرُ الإِنْسَانُ كُلَّ هَذَا الزَّمَنِ؟ فَالعَمَلُ، فِي النِّهَايَةِ، لَيْسَ لَعْنَةً. بَلْ إِنَّ العَمَلَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ شَيْءٌ رَائِعٌ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الأَجْرَ الَّذِي يَدْفَعُهُ صَاحِبُ العَمَلِ لِمُوَظَّفِهِ لَيْسَ إِلَّا تَعْوِيضًا رَمْزِيًّا - أَوْ لِنَقُلْ أَدَبِيًّا -عَنِ الجُهْدِ المَبْذُولِ فِي العَمَلِ. فَهَذَا الأَجْرُ لَا يَسْتَطِيعُ أَبَدًا أَنْ يُعَوِّضَ عَنْ كُلِّ الجُهْدِ الَّذِي يَبْذُلُهُ العَامِلُ فِي عَمَلِهِ. فَكُلُّ جُهْدٍ جَسَدِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ أَوْ نَفْسِيٍّ تَبْذُلُهُ لِتُؤَدِّيَ مَا يُنْتَظَرُ مِنْكَ فِي عَمَلِكَ سَيَكُونُ لَهُ، لَا مَحَالَةَ، أَثَرٌ مَا (سَلْبِيٌّ) عَلَى جَسَدِكَ أَوْ نَفْسِيَّتِكَ فِي مَرْحَلَةٍ مَا مِنْ حَيَاتِكَ اللَّاحِقَةِ. وَأَيًّا كَانَ المَالُ أَوِ الاِمْتِيَازَاتُ الَّتِي قَدْ تَحْصُلُ عَلَيْهَا مُقَابِلَ عَمَلِكَ، فَإِنَّهَا لَنْ تُعَوِّضَ أَيَّ جُزْءٍ مِنْ جَسَدِكَ إِذَا تَلِفَ. فَالمَالُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَوِّضَ عَصَبًا فُقِدَ أَوْ رِئَةً تَلِفَتْ.

وَيُعَدُّ التَّدْخِينُ وَالسِّمْنَةُ وَارْتِفَاعُ ضَغْطِ الدَّمِ مِنْ بَيْنِ بَعْضِ المَشَاكِلِ المُرْتَبِطَةِ بِالعَمَلِ. فَإِذَا أَضَفْتَ إِلَى ذَلِكَ المُضَايَقَةَ أَوِ التَّنَمُّرَ، مَثَلًا، فَكَيْفَ تَكُونُ حَيَاتُكَ؟ كَيْفَ سَتَتَصَرَّفُ مَعَ أُسْرَتِكَ؟ أَيَكُونُ مِنَ الصَّوَابِ أَنْ تَصْرُخَ فِي وَجْهِ زَوْجِكَ المُحِبِّ فِي البَيْتِ، وَأَنْ تَبْتَسِمَ لِرَئِيسِكَ المُتَنَمِّرِ فِي العَمَلِ؟ وَكَيْفَ تَتَحَمَّلُ ضَغْطَ الرَّسْمِيَّاتِ وَآدَابِ السُّلُوكِ إِذَا كَانَ طِفْلُكَ يَتَأَلَّمُ فِي المُسْتَشْفَى؟

وَتَزْدَادُ الأُمُورُ سُوءًا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَمَلُكَ ثَابِتًا. فَمَا دَامَ عَمَلُكَ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، فَإِنَّ القَلَقَ نَادِرًا مَا يُفَارِقُكَ. وَإِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُؤَمِّنَ مَعَاشًا لِمَا بَعْدَ التَّقَاعُدِ، فَمَاذَا تَفْعَلُ؟

وَسَيُعَانِي أَبْنَاؤُكَ أَيْضًا إِذَا فَقَدْتَ عَمَلَكَ. فَقَدْ يَتَجَنَّبُونَ أَصْدِقَاءَهُمُ المُقَرَّبِينَ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَدْفَعُوا ثَمَنَ تِلْكَ الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي يَدْفَعُهَا الآخَرُونَ بِسُهُولَةٍ. فَمَاذَا تَفْعَلُ إِذَنْ؟ أَتَنْتَظِرُ الاِنْتِخَابَاتِ القَادِمَةَ لِتُصَوِّتَ لِحِزْبٍ يَعِدُ بِمَزِيدٍ مِنَ الوَظَائِفِ؟

وَحَتَّى إِذَا حَصَلْتَ عَلَى عَمَلٍ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الاِنْتِظَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَنْ «يُمْحِيَ» آثَارَ بَطَالَتِكَ السَّابِقَةِ. فَالخَوْفُ مِنْ فَقْدَانِ العَمَلِ سَيَبْقَى مُلَازِمًا لَكَ، وَهَذَا الخَوْفُ سَيُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِكَ فِي مَرْحَلَةٍ مَا مِنْ حَيَاتِكَ اللَّاحِقَةِ.

وَيَخْسَرُ مُعْظَمُ العُمَّالِ شَيْئًا مَا أَثْنَاءَ عَمَلِهِمْ. فَالفَلَّاحُ الَّذِي يَعْمَلُ فِي الحُقُولِ تَحْتَ الشَّمْسِ المُحْرِقَةِ سَيُعَانِي يَوْمًا مَا مِنْ صُدَاعٍ مُؤْلِمٍ. وَسَيَزِيدُ الخَوْفُ الدَّائِمُ مِنْ سَنَةٍ زِرَاعِيَّةٍ سَيِّئَةٍ مِنْ مَتَاعِبِهِ. وَالأَمْرُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ العُمَّالِ الآخَرِينَ.

فَإِذَا كَانَ العَمَلُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ «شَيْئًا رَائِعًا» كَمَا قَدْ يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ؟

قَدْ يَتَخَيَّلُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ بَعْضَ «العَامِلِينَ» لَيْسَ لَدَيْهِمْ مَا يَقْلَقُونَ بِشَأْنِهِ. فَقَدْ يَتَصَوَّرُونَ أَنَّ الفَنَّانَ، مَثَلًا، شَخْصٌ حُرٌّ يَعْمَلُ مَتَى شَاءَ وَيَحْيَا حَيَاةً مِهْنِيَّةً نَاجِحَةً مُتْعِبَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَلَكِنَّ الفَنَّانِينَ يُعَانُونَ هُمْ أَيْضًا. فَقَدْ يَبْكِي الفَنَّانُ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ، بَلْ رُبَّمَا سِنِينَ، قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَكَ تَبْتَسِمُ لِبِضْعِ ثَوَانٍ. وَالفَنَّانُ يَعْرِفُ أَيْضًا مَا يُعْرَفُ بِالضَّغْطِ وَالقَلَقِ. وَهُوَ أَيْضًا يَحْتَاجُ إِلَى المَالِ وَالاِسْتِقْرَارِ. وَلَهُ أَيْضًا عِلَاقَاتُهُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ. وَهُوَ أَيْضًا يَخَافُ الفَقْرَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا أَصْلًا. (وَهَذَا لَيْسَ أَمْرًا جَدِيدًا.) وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الفَنَّانِينَ يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ سُعَدَاءَ مُكْتَمِلِينَ.

وَحَتَّى أُولَئِكَ النُّجُومُ المَشْهُورُونَ لَدَيْهِمْ هُمْ أَيْضًا «مَشَاكِلُ عَمَلٍ». فَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يُصْبِحَ الإِنْسَانُ نَجْمًا. وَقَدْ لَا يَدُومُ بَرِيقُ الشُّهْرَةِ وَالثَّرَاءِ طُولَ الحَيَاةِ. وَهَذَا أَمْرٌ مُؤْلِمٌ لِلْفَنَّانِينَ. فَمَا إِنْ يَصْبِحَ النَّجْمُ شَهْرَةً مَاضِيَةً حَتَّى تَتَرَاكَمَ مَشَاكِلُهُ. وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ يَحْدُثُ لَنَا جَمِيعًا بِشَكْلٍ مَا. فَمَا إِنْ نَبْلُغَ سِنًّا مُعَيَّنَةً حَتَّى تَبْدَأَ مَخَاوِفُنَا الصِّحِّيَّةُ، مِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى.

وَلَيْسَ مِنَ الغَرِيبِ أَنْ تَرَى كَاتِبًا يَبْتَسِمُ سَعِيدًا بَعْدَ أَنْ يُنْهِيَ رِوَايَةً طَوِيلَةً. وَلَيْسَ مِنَ الغَرِيبِ أَنْ تَرَى امْرَأَةً تَبْتَسِمُ فِي غِبْطَةٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ طِفْلًا. وَلَيْسَ مِنَ الغَرِيبِ أَنْ تَرَى طَالِبًا فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ بَعْدَ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى شَهَادَةٍ جَامِعِيَّةٍ. وَلَكِنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ لَا يَزَالُ يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ، وَذَلِكَ الطِّفْلُ يَجِبُ أَنْ يُرَبَّى، وَتِلْكَ الشَّهَادَةُ يَجِبُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهَا صَاحِبُ عَمَلٍ. هكذا هِيَ الحَيَاةُ. وَذَلِكَ هُوَ سِحْرُ الحَيَاةِ.

وَلِهَذَا السَّبَبِ يَكُونُ مِنَ النَّافِعِ أَنْ يَخْلُوَ الإِنْسَانُ إِلَى نَفْسِهِ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ، لِيَتَأَمَّلَ وَيُفَكِّرَ فِي مُحَاوَلَةٍ لِفَهْمِ الحَيَاةِ وَالعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا.

5

لَمْ يَسْتَطِعْ أَيُّ نِظَامٍ سِيَاسِيٍّ أَوِ اقْتِصَادِيٍّ قَطُّ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الفَقْرِ قَضَاءً نِهَائِيًّا. وَيَرْوِي المُؤَرِّخُونَ أَنَّهُ فِي عَهْدِ الخَلِيفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (٦٨٢–٧٢٠م) لَمْ يَكُنْ فِي النَّاسِ فَقِيرٌ عَلَى الإِطْلَاقِ. كَانَ جَمِيعُ الرِّجَالِ مُتَزَوِّجِينَ، إِمَّا مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ مِنْ أَمْوَالِ الدَّوْلَةِ. وَكَانَتْ أَمْوَالُ بَيْتِ المَالِ وَافِرَةً إِلَى دَرَجَةٍ أَنَّ الخَلِيفَةَ قَالَ لِوَزِيرِهِ: «إِذَا لَمْ يَبْقَ فِي النَّاسِ فَقِيرٌ، وَكَانَ جَمِيعُ الرِّجَالِ قَدْ تَزَوَّجُوا، وَبَقِيَ فِي خَزَائِنِنَا مَالٌ كَثِيرٌ، فَاشْتَرُوا كَمِّيَّاتٍ ضَخْمَةً مِنَ الحُبُوبِ وَأَطْعِمُوا بِهَا جَمِيعَ طُيُورِ البِلَادِ!» وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُفْ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَمْ يَطُلْ عَهْدُ خِلَافَتِهِ بَعْدَهُ كَثِيرًا. وَالسُّؤَالُ هُنَا: لِمَاذَا لَمْ يَكُنْ جَمِيعُ الحُكَّامِ بِمِثْلِ صَلَاحِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ؟ وَلِمَاذَا لَمْ يَكُنُوا جَمِيعًا بِمِثْلِ عَدْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (٥٨٤–٦٤٤م)؟ وَلِمَاذَا لَمْ يَكُونُوا جَمِيعًا بِمِثْلِ حُبِّ العِلْمِ الَّذِي عُرِفَ بِهِ الخَلِيفَةُ العَبَّاسِيُّ المَأْمُونُ (٧٨٦–٨٣٣م)؟ أَتُرَى أَسْبَابُ ذَلِكَ دَاخِلِيَّةٌ أَمْ خَارِجِيَّةٌ؟ أَهَلْ فَعَلَ أُولَئِكَ الحُكَّامُ الصَّالِحُونَ مَا فَعَلُوهُ لِيَحْفَظُوا سُلْطَانَهُمْ فَقَطْ، أَمْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ عَلَى طَبِيعَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا؟

قَبْلَ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ كَانَ الأَطْفَالُ يَنْظُرُونَ إِلَى آبَائِهِمْ وَيُنْصِتُونَ إِلَيْهِمْ حِينَ يَتَكَلَّمُونَ. وَقَبْلَ عُقُودٍ قَلِيلَةٍ أَصْبَحَ الجَمِيعُ يَنْظُرُونَ إِلَى شَاشَةِ التِّلْفَازِ، وَيُسْكِتُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِذَا كَانَ مُمَثِّلٌ وَسِيمٌ يَتَكَلَّمُ أَوْ مُغَنِّيَةٌ فَاتِنَةٌ تُغَنِّي. وَحَتَّى ذَلِكَ الحِينِ كَانَ القُرْآنُ هُوَ التِّلْفَازَ. وَكَانَ الإِنْجِيلُ هُوَ التِّلْفَازَ. وَكَانَتِ الحَقِيقَةُ هِيَ التِّلْفَازَ. وَكَانَتِ السَّعَادَةُ هِيَ التِّلْفَازَ. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ تُشْبِهُ الأَشْخَاصَ الَّذِينَ تُعْجَبُ بِهِمْ فِي التِّلْفَازِ، فَكَأَنَّكَ لَا تَنْتَمِي إِلَى عَالَمِ اليَوْمِ.

وَحَتَّى فِي وَقْتِنَا الحَاضِرِ، حَيْثُ أَصْبَحَ الهَاتِفُ الذَّكِيُّ وَالجِهَازُ اللَّوْحِيُّ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الطَّاغِيَةِ، وَحَيْثُ جَعَلَتْ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ مِنَ النَّاسِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَعْمَارِهِمْ، أَشْبَاهَ مُدْمِنِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مَا زَالَ التِّلْفَازُ مَلِكَ البُيُوتِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَنْحَاءِ العَالَمِ. فَمَاذَا نَرَى فِي التِّلْفَازِ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ، فِيمَا رَأَيْتُ، بَرَامِجَ تِلْفِزِيُونِيَّةً تَسْتَطِيعُ فِيهَا فَتَاةٌ أَنْ تَرْبَحَ فِي نِصْفِ سَاعَةٍ - بِمُجَرَّدِ أَنْ تَعُدَّ أَكْبَرَ عَدَدٍ مِنَ الأُغْنِيَاتِ وَالمُغَنِّينَ - مَا يَكْسِبُهُ مُهَنْدِسٌ مُتَمَيِّزٌ فِي سِتِّينَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ. وَرَأَيْتُ أُمُورًا تُوحِي بِأَنَّهُ مِنَ الأَفْضَلِ لِتِلْمِيذٍ فِي المَدْرَسَةِ أَنْ يُصْبِحَ عَدَّاءً لِلمَسَافَاتِ الطَّوِيلَةِ أَوْ لَاعِبَ تِنِسٍ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ طَبِيبًا فِي مُسْتَشْفَاهُ الخَاصِّ فِي أَكْبَرِ مُدُنِ البِلَادِ. وَرَأَيْتُ طَبَّاخَاتٍ أُمِّيَّاتٍ وَمُغَنِّيَاتٍ مُرَاهِقَاتٍ هَوَاةً يُصْبِحْنَ نُجُومًا فِي التِّلْفَازِ، بَيْنَمَا لَا يُذْكَرُ أَعْظَمُ عُقُولِ البِلَادِ إِلَّا عِنْدَ الإِعْلَانِ عَنْ وَفَاتِهِمْ فِي الصُّحُفِ.

إِنَّ مُشَاهَدَةَ التِّلْفَازِ كُلَّ يَوْمٍ قَدْ تُشْعِرُ المَرْءَ بِأَنَّ «النَّاجِحِينَ» قَدْ سَبَقُوا فَاحْتَلُّوا الشَّاشَةَ بِبَرِيقِهِمْ وَابْتِسَامَاتِهِمُ المُشْرِقَةِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلمُشَاهِدِ الفَقِيرِ مَا يَحْلُمُ بِهِ. وَقَدْ حَدَثَ هَذَا حَتَّى قَبْلَ ظُهُورِ عَصْرِ «المُؤَثِّرِينَ».

وَلَكِنْ، أَهُوَ خَطَأُ التِّلْفَازِ؟ أَهُوَ المُذْنِبُ الوَحِيدُ؟ إِنِّي، إِذَا تَكَلَّمْتُ عَنْ نَفْسِي، فَقَدْ تَعَلَّمْتُ كَثِيرًا مِنَ التِّلْفَازِ كَمَا تَعَلَّمْتُ كَثِيرًا مِنَ الإِنْتَرْنِتِ. فَهَلِ المُشْكِلَةُ فِي التِّلْفَازِ أَمْ فِي المُشَاهِدِينَ؟ أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: أَلَا يَنْبَغِي لِي، أَنَا المُشَاهِدَ، أَنْ أَمْتَلِكَ نَوْعًا مِنَ «المَنَاعَةِ» وَأَنَا أُشَاهِدُ التِّلْفَازَ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَكْتَسِبَ هَذِهِ المَنَاعَةَ؟

فِي الأَزْمِنَةِ القَدِيمَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تِلْفَازٌ، وَلَكِنْ كَانَتْ هُنَاكَ مَدَارِسُ. كَانَ النَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى المَدْرَسَةِ لِيَتَعَلَّمُوا، وَلَكِنْ أَيْضًا لِيَحْلُمُوا. فَحِينَ تَكُونُ وَحْدَكَ تَقْرَأُ كِتَابًا فِي التَّارِيخِ أَوْ فِي الشِّعْرِ أَوْ رِوَايَةً، أَوْ أَيَّ كِتَابٍ آخَرَ، تَجِدُ نَفْسَكَ تُفَكِّرُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَأَنْتَ تَقْرَأُ. وَلَكِنْ هَذَا قَدْ يَصِحُّ أَيْضًا فِي حَقِّ كَثِيرٍ مِنْ مُشَاهِدِي التِّلْفَازِ! فَقَدْ أَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ نُجُومًا فِي السِّينِمَا أَوْ رِيَاضِيِّينَ مَشْهُورِينَ أَوْ حَتَّى عُلَمَاءَ وَكُتَّابًا مُتَمَيِّزِينَ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أُمُورًا فِي التِّلْفَازِ. وَحَتَّى فِي المَدْرَسَةِ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَجِدُ فُرْصَةً لِيَحْلُمَ عَلَى مَهْلٍ.

نَعَمْ، فِي المَدْرَسَةِ يُمْكِنُ لِلطَّالِبِ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَثِيرًا عَنِ العَالَمِ وَعَنِ الحَيَاةِ وَعَنِ المُشْكِلَاتِ وَعَنْ طُرُقِ حَلِّهَا. وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ. فَالحَيَاةُ قَدْ تَكُونُ أَحْيَانًا - وَسَتُصْبِحُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ - مُعَقَّدَةً حَتَّى لِأُولَئِكَ الَّذِينَ دَرَسُوا فِي صِغَرِهِمْ أَرْبَعِينَ سَاعَةً مِنَ الرِّيَاضِيَّاتِ فِي الأُسْبُوعِ أَوْ تَعَلَّمُوا بَرْمَجَةَ الحَاسُوبِ فِي سِنِّ السَّادِسَةِ. فَلَيْسَ بِإِمْكَانِكَ أَنْ تَحُلَّ جَمِيعَ مُشْكِلَاتِكَ بِحِسَابَاتٍ عَبْقَرِيَّةٍ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ العَالَمِ أَمْرٌ حَسَنٌ، وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَنِنَا الَّذِي يَتَقَدَّمُ فِيهِ الفَرْدُ عَلَى الجَمَاعَةِ.

فَلَوْ ذَهَبْتَ إِلَى المَدْرَسَةِ، وَحَصَلْتَ عَلَى شَهَادَةٍ، ثُمَّ عَلَى وَظِيفَةٍ جَيِّدَةٍ، وَكُنْتَ تُشَاهِدُ التِّلْفَازَ كَثِيرًا، فَهَلْ سَتَكُونُ سَعِيدًا؟ لَا أَظُنُّ ذَلِكَ، عَلَى الأَقَلِّ مِمَّا أَسْمَعُهُ فِي الإِذَاعَةِ أَوْ أَرَاهُ فِي شَبَكَةِ الإِنْتَرْنِتِ. فِي بَلَدِي، عَلَى الأَقَلِّ، أَسْمَعُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَشْكُونَ مِنَ المُجْتَمَعِ وَمِنَ الجِيرَانِ وَالأَقَارِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالأَمْثِلَةُ سَهْلَةٌ: فَكَثِيرٌ مِنَ المُتَزَوِّجِينَ لَا يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَحُلُّونَ مُشْكِلَاتِهِمْ مَعَ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَعَ أَبْنَائِهِمْ أَوْ مَعَ زُمَلَائِهِمْ فِي العَمَلِ أَوْ مَعَ أَرْبَابِ عَمَلِهِمْ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّحَمُّلَ مَعَ مُشْكِلَاتِهِمُ الصِّحِّيَّةِ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُعَانُونَ مُشْكِلَاتٍ نَفْسِيَّةً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَهَا. وَصَدِّقْ أَوْ لَا تُصَدِّقْ، فَقَدْ سَمِعْتُ ضَيْفًا دَائِمًا فِي بَرْنَامَجٍ إِذَاعِيٍّ مُحْتَرَمٍ لِلمُنَاقَشَةِ يَقُولُ إِنَّهُ يَعْرِفُ عَدَدًا مِنَ الأَطِبَّاءِ النَّفْسِيِّينَ وَالأَخِصَّائِيِّينَ النَّفْسِيِّينَ الَّذِينَ يَسْتَشِيرُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ أَخِصَّائِيِّينَ نَفْسِيِّينَ! وَكَذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الدُّوَلِ الغَنِيَّةِ - الَّتِي يُظَنُّ أَنَّ مُوَاطِنِيهَا سُعَدَاءُ - تُعَانِي أَيْضًا مُشْكِلَاتٍ كَثِيرَةً، وَلَيْسَ أَقَلَّهَا مَشْكِلَةُ السِّمَنَةِ. إِنَّنَا جَمِيعًا فِي القَارِبِ نَفْسِهِ!

6

مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَعَلَّمَ - أَوْ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَلَّمَ - مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الكَوَارِثِ الَّتِي يَفْقِدُ فِيهَا آلَافُ النَّاسِ حَيَاتَهُمْ، وَيُصْبِحُ فِيهَا آلَافٌ آخَرُونَ مُعَوَّقِينَ أَوْ أَيْتَامًا أَوْ أَرَامِلَ أَوْ مُشَرَّدِينَ؛ وَالَّتِي تُسَوَّى فِيهَا مُدُنٌ وَقُرًى كَامِلَةٌ بِالأَرْضِ؛ وَتَتَحَوَّلُ فِيهَا المَنَاظِرُ الَّتِي كَانَتْ أَشْبَهَ بِالفِرْدَوْسِ إِلَى أَمَاكِنَ خَرِبَةٍ مُوحِشَةٍ؟ لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ دَائِمًا أَمْرًا مُفْزِعًا. وَقَدْ يَجْلِسُ أُنَاسٌ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ فِي كُرُسِيِّهِمُ الوَثِيرَةِ الدَّافِئَةِ فَيُكْثِرُونَ مِنَ الوَعْظِ وَالتَّأَمُّلِ كَمَا شَاءُوا - وَلَكِنْ هَلْ كَانُوا سَيَقُولُونَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ (بِالأَلْفَاظِ نَفْسِهَا وَبِالنَّبْرَةِ نَفْسِهَا وَبِالقُوَّةِ نَفْسِهَا فِي الاِقْتِنَاعِ) لَوْ كَانُوا فِي قَلْبِ الكَارِثَةِ؟

أَذْكُرُ أَنَّنِي شَاهَدْتُ بَرْنَامَجًا عَنْ الغَابَاتِ الاِسْتِوَائِيَّةِ فِي أُسْتَرَالِيَا. كَانَتْ كَامِيرَاتُ التِّلْفَازِ تَنْتَقِلُ بِرِفْقٍ بَيْنَ أَشْجَارٍ بَاهِرَةٍ، وَأَزْهَارٍ مَحَلِّيَّةٍ جَمِيلَةٍ، وَطُيُورٍ وَحَيَوَانَاتٍ غَرِيبَةِ الشَّكْلِ. فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَكَانٌ أَكْثَرُ إِغْرَاءً لِقَضَاءِ عُطْلَةٍ. وَلَكِنْ فَجْأَةً انْدَلَعَ حَرِيقٌ جَهَنَّمِيٌّ فَدَمَّرَ الأَشْجَارَ وَالأَزْهَارَ وَالطُّيُورَ وَالحَيَوَانَاتِ. تَنَهَّدْتُ وَأَنَا أَسْمَعُ الصَّوْتَ الَّذِي يُعَلِّقُ عَلَى المَشْهَدِ يَقُولُ إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَائِقِ شَيْءٌ مَأْلُوفٌ فِي تِلْكَ الغَابَاتِ، وَأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ جِدًّا. وَكَانَ مِنَ الجَيِّدِ أَنْ يُقَدِّمَ البَرْنَامَجُ هَذَا التَّنْبِيهَ لِلسُّيَّاحِ المُحِبِّينَ لِلطَّبِيعَةِ، وَذَلِكَ الدَّرْسَ لِمَنْ يَنْخَدِعُونَ بِالجَمَالِ سَرِيعًا. وَلَكِنَّ الظَّوَاهِرَ الطَّبِيعِيَّةَ لَا يُمْكِنُ التَّنَبُّؤُ بِهَا كُلِّهَا. فَقَدْ مَاتَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ السُّيَّاحِ (مِنْ مُخْتَلِفِ أَنْحَاءِ العَالَمِ) فِي كَارِثَةِ التِّسُونَامِي فِي دِيسَمْبِرَ ٢٠٠٤. وَلَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِ أَحَدٍ - وَلَا سِيَّمَا السُّكَّانُ المَحَلِّيُّونَ - أَنْ يَتَوَقَّعَ مِثْلَ هَذِهِ الكَارِثَةِ. وَكَالْعَادَةِ طَرَحَ النَّاسُ كَثِيرًا مِنَ الأَسْئِلَةِ الوُجُودِيَّةِ. فَغَيَّرَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا فِي حَيَاتِهِ، بَيْنَمَا وَاصَلَ آخَرُونَ العَيْشَ كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ. أَمَّا أَنَا فَإِنَّنِي أَطْرَحُ الأَسْئِلَةَ أَيْضًا. لَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى الإِنْتَرْنِتِ سُؤَالًا كُنْتُ قَدْ طَرَحْتُهُ عَلَى نَفْسِي حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الإِنْتَرْنِتُ إِلَى بَلَدِنَا: هَلْ كَانَتِ الحَرْبُ العَالَمِيَّةُ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ عِقَابًا إِلَهِيًّا؟ هَذَا هُوَ السُّؤَالُ. كُنْتُ أَتَسَاءَلُ لِمَاذَا وَقَعَ مِثْلُ هَذَا عَلَى أُنَاسٍ كَانُوا وَرَاءَ ذَلِكَ التَّقَدُّمِ التِّقْنِيِّ المُدْهِشِ الَّذِي نَنْعَمُ بِثِمَارِهِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ. فَقَدْ أَنْجَزَ أُولَئِكَ النَّاسُ اخْتِرَاعَاتٍ عَظِيمَةً، وَعَمِلُوا فِي مَنَاجِمِ الفَحْمِ، وَكَافَحُوا مِنْ أَجْلِ حُقُوقِ الإِنْسَانِ، إِلَى آخِرِ ذَلِكَ. فَلِمَاذَا كَانَ جَزَاؤُهُمْ حَرْبَيْنِ دَمَوِيَّتَيْنِ؟ وَالعَجِيبُ أَنَّهُ خِلَالَ هَاتَيْنِ الحَرْبَيْنِ (وَخِلَالَ الحَرْبِ البَارِدَةِ الَّتِي تَلَتْهُمَا) حَدَثَ تَطَوُّرٌ تِقْنِيٌّ هَائِلٌ - كَأَنَّ طَائِرَاتِنَا المَدَنِيَّةَ اليَوْمَ لَمْ تَكُنْ لِتَطِيرَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ وَهَذَا المَدَى، وَكَأَنَّ هَوَاتِفَنَا المَحْمُولَةَ وَشَبَكَاتِ الإِنْتَرْنِتِ وَأَجْهِزَةَ التِّلْفَازِ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَبْقَى مَوَاضِيعَ لِكُتُبِ الخَيَالِ العِلْمِيِّ لَوْلَا تِلْكَ الحُرُوبُ المُدَمِّرَةُ. فَقَدْ وُلِدَتِ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ بَعْدَ تِلْكَ الحُرُوبِ فَقَطْ، وَانْتَشَرَتِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ بَعْدَهَا أَيْضًا، وَهِيَ الحُرُوبُ الَّتِي أَوْدَتْ بِحَيَاةِ أَبْنَاءِ وَأَحْفَادِ المُخْتَرِعِينَ وَالمُهَنْدِسِينَ وَالمُعَلِّمِينَ وَالعُمَّالِ الصَّابِرِينَ فِي مَنَاجِمِ الفَحْمِ. فَهَلْ يَكُونُ مِنَ الخُرَافَةِ أَنْ نَرْبِطَ ذَلِكَ بِمَا يُسَمَّى فَصْلَ الدِّينِ عَنِ الدَّوْلَةِ (كَمَا حَدَثَ فِي فَرَنْسَا عَامَ ١٩٠٥)؟ أَمْ يُفَسَّرُ ذَلِكَ بِـ «تَزَايُدِ لاَأَخْلَاقِيَّةِ النَّاسِ»؟ (مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى أَنَّ «الاِنْحِلَالَ الحَقِيقِيَّ» ازْدَادَ بَعْدَ عَامِ ١٩٦٨، أَيْ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ عِقْدَيْنِ عَلَى انْتِهَاءِ الحَرْبِ!) وَقَدْ يَقُولُ آخَرُونَ إِنَّ الحَرْبَ كَانَتْ نَتِيجَةً لِصِرَاعِ القُوَى الكُبْرَى فِي ذَلِكَ الحِينِ عَلَى الهَيْمَنَةِ وَالتَّنَافُسِ عَلَى الأَرَاضِي البَعِيدَةِ. وَمَهْمَا تَكُنْ أَسْبَابُ هَذِهِ الكَارِثَةِ أَوْ تِلْكَ، فَلَيْسَ مِنَ السُّوءِ أَبَدًا أَنْ نَطْرَحَ الأَسْئِلَةَ حَوْلَهَا.

غَالِبًا - وَلَيْسَ دَائِمًا - يَكُونُ الَّذِينَ اقْتَرَبُوا مِنَ المَوْتِ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الكَوَارِثِ هُمُ الَّذِينَ لَا يَطْرَحُونَ أَصْعَبَ الأَسْئِلَةِ، مِثْلَ: «لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ كَهَذَا أَصْلًا؟» لَقَدْ تَأَثَّرْتُ بِقِصَّةِ شَابَّةٍ أَلْمَانِيَّةٍ وَأُمِّهَا كَانَتَا فِي سِرِيلَانْكَا أَثْنَاءَ كَارِثَةِ التِّسُونَامِي. فِي بَرْنَامَجٍ تِلْفِزِيُونِيٍّ شَرَحَتِ الشَّابَّةُ كَيْفَ أَنْقَذَهَا شَابٌّ سِرِيلَانْكِيٌّ مُغَامِرًا بِحَيَاتِهِ. ثُمَّ تَكَلَّمَ الشَّابُّ نَفْسُهُ، بَيْنَمَا كَانَتِ المَرْأَتَانِ - وَقَدْ عَادَتَا إِلَى سِرِيلَانْكَا لِلِقَائِهِ وَاسْتِذْكَارِ الحَادِثَةِ - تُصْغِيَانِ إِلَيْهِ وَرَأْساهُمَا مُنْحَنِيَتان فِي تَأَمُّلٍ. إِنَّ هَذِهِ الصَّدَاقَةَ المُفَاجِئَةَ مِثَالٌ عَلَى الأَشْيَاءِ العَجِيبَةِ الَّتِي قَدْ تَحْدُثُ - عَلَى نَحْوٍ مُتَنَاقِضٍ - أَثْنَاءَ الكَوَارِثِ وَبَعْدَهَا. وَلَكِنَّ السُّؤَالَ يَبْقَى: لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ كَهَذَا أَصْلًا؟

بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلكَارِثَةِ وَجْهٌ خَيِّرٌ؟ هَلِ الزَّلَازِلُ وَالأَعَاصِيرُ وَالبَرَاكِينُ وَحَرَائِقُ الغَابَاتِ وَالفَيَضَانَاتُ مُجَرَّدُ حَوَادِثَ طَبِيعِيَّةٍ تَقَعُ عَشْوَائِيًّا وَتُفْسِدُ حَيَاةَ النَّاسِ؟ حَتَّى لَوْ أَثْبَتَ العُلَمَاءُ - الَّذِينَ بَدَأوا يَطُوِّرُونَ نَظَرِيَّاتٍ جَادَّةً حَوْلَ ذَلِكَ فِي سِتِّينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ - بِالأَدِلَّةِ التَّجْرِيبِيَّةِ أَنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ ضَرُورِيَّةٌ لِتَوَازُنِ كَوْكَبِ الأَرْضِ كَكُلٍّ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ سَيَسْأَلُ: «لِمَاذَا يَحْتَاجُ كَوْكَبُ الأَرْضِ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الكَوَارِثِ لِيُحَافِظَ عَلَى تَوَازُنِهِ؟» أَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ «مُحَاسَبَةَ اللهِ» فَقَدْ يَقُولُونَ: «إِذَا كَانَ اللهُ كَامِلًا، فَلِمَاذَا خَلَقَ أَرْضًا غَيْرَ كَامِلَةٍ؟ وَلِمَاذَا يُضَحَّى بِسُكَّانِ مَنْطِقَةٍ مِنَ العَالَمِ لِإِنْقَاذِ سُكَّانِ مَنَاطِقَ أُخْرَى؟»

أَنَا لَا أَدَّعِي أَنَّ لَدَيَّ إِجَابَاتٍ عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ. وَلَكِنْ لِنَنْظُرْ إِلَى الأُمُورِ كَمَا هِيَ.

قَدْ لَا تَكُونُ الأَرْضُ كَامِلَةً، وَلَكِنْ مَاذَا يُقَالُ عَنْ أُولَئِكَ السُّيَّاحِ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ عَامًا كَامِلًا وَيُنْفِقُونَ أَمْوَالًا طَائِلَةً لِيَصِلُوا إِلَى مَكَانٍ مَا؟ لِمَاذَا يَخْتَارُونَ مَكَانًا دُونَ آخَرَ؟ أَيَذْهَبُ السُّيَّاحُ إِلَى أَمَاكِنَ سَمَاوِيَّةٍ أَمْ إِلَى زَوَايَا جَهَنَّمِيَّةٍ مِنَ العَالَمِ؟

وَعَلَى أَيِّ حَالٍ، يَقُولُ العُلَمَاءُ - مَثَلًا - إِنَّ «مُعْظَمَ الزَّلَازِلِ لَا تُسَبِّبُ ضَرَرًا يُذْكَرُ». وَيَقُولُونَ أَيْضًا إِنَّ «مُعْظَمَ النَّشَاطِ البُرْكَانِيِّ يَحْدُثُ تَحْتَ البِحَارِ، حَيْثُ يُشَكِّلُ قِيعَانًا جَدِيدَةً لِلمُحِيطَاتِ» - بَعِيدًا عَنْ مُدُنِنَا وَقُرَانَا.

وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ «عَدَمَ الكَمَالِ»، إِنْ وُجِدَ، فَهُوَ فِي الغَالِبِ مِنْ صُنْعِ الإِنْسَانِ. فَيَقُولُ العُلَمَاءُ إِنَّ «التَّلَوُّثَ الَّذِي يُسَبِّبُهُ الإِنْسَانُ هُوَ السَّبَبُ الرَّئِيسِيُّ فِي الاِحْتِبَاسِ الحَرَارِيِّ»، الَّذِي يُؤَدِّي بَدَوْرِهِ إِلَى تَغَيُّرَاتٍ طَبِيعِيَّةٍ خَطِيرَةٍ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الاِتِّفَاقَاتِ الدُّوَلِيَّةِ لِلمُنَاخِ.

فَالْفُقَرَاءُ اليَوْمَ يَتَوَسَّلُونَ إِلَى الأَغْنِيَاءِ أَنْ يَكُفُّوا عَنْ تَلْوِيثِ الأَرْضِ (مِمَّا يُسَبِّبُ الجَفَافَ وَالفَيَضَانَاتِ وَالأَعَاصِيرَ وَغَيْرَهَا مِنَ الكَوَارِثِ)، بَيْنَمَا يَتَوَسَّلُ الأَغْنِيَاءُ إِلَى الفُقَرَاءِ أَنْ يَقْبَلُوا الأَمْوَالَ مُقَابِلَ السَّمَاحِ لَهُمْ بِـ «حَقِّ التَّلَوُّثِ» فِي بِلَادِهِمْ.

وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الأَرْضُ غَيْرَ كَامِلَةٍ أَمْ أَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهَا كَذَلِكَ، فَلَيْسَ فِي الأَمْرِ تَأَخُّرٌ أَبَدًا لِيُحَاوِلَ الإِنْسَانُ أَنْ يَجْعَلَهَا أَفْضَلَ - أَوْ أَقْرَبَ إِلَى الكَمَالِ مَا اسْتَطَاعَ.

فِي الأَوْقَاتِ الطَّبِيعِيَّة، يُمْكِنُ أَنْ يَجِدَ الإِنْسَانُ أَمَاكِنَ جَنَّةٍ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العَالَمِ. وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأَمَاكِنُ جَمِيلَةً، لِمَاذَا يَتَجَهَّمُ السُّيَّاحُ لِزِيَارَتِهَا؟ فَإِذَا وَجَدَ كَثِيرٌ مِنَ السُّيَّاحِ الأَجَانِبِ نَفْسَهُمْ فِي جَنُوبِ شَرْقِ آسِيَا أَثْنَاءَ تَسُونَامِي 2004، فَذَلِكَ لأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَذَبِينَ بِجَمَالِ تِلْكَ المِنْطَقَةِ.

وَحَتَّى بَعْدَ أَنْ تُدَمَّرَ مَنَاطِقُ كُلِّيًّا فِي كَارِثَةٍ، يَبْقَى الإِنْسَانُ هُنَاكَ لِيَفْعَلَ شَيْئًا حَوْلَهَا. وَمِنْ هُنَا نَتَكَلَّمُ عَنِ التَّضَامُنِ.

وَعِنْدَمَا نَتَكَلَّمُ عَنِ التَّضَامُنِ، نَعْنِي بِهِ أَيْضًا الإِحْسَاسَ بِالمُحَاسَبَةِ، وَالرَّحْمَةَ، وَالإِيثَارَ، وَالتَّطَوُّعَ لِمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ مِنْ أَجْلِ المَحَبَّةِ، لَا مِنْ أَجْلِ المَالِ. وَعِنْدَمَا تَرَى النَّاسَ مِنْ كُلِّ مَجَالٍ يَسْرَعُونَ لِمُسَاعَدَةِ بَعْضِهِم البَعْضِ، وَتَرَى آلَافَ الطُّلَّابِ يُتَبَرَّعُونَ بِالدَّمِ وَيَتَجَهَّمُونَ إِلَى أَكْثَرِ المَنَاطِقِ تَأْثِيرًا لِإِنْقَاذِ الأَرْوَاحِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّضَامُنُ حَقًّا.

وَطَبْعًا، لَيْسَ جَمِيعُ النَّاسِ مُتَشَابِهِينَ. فَبَيْنَمَا يَكُونُ مُحَرِّكُو الحُرُوبِ يَتَشَاجَرُونَ وَيُقَاتِلُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، تَنْضَمُّ الصَّليب الأَحمرُ وَالهِلَالُ الأَحْمَرُ لِإِنْقاذِ النَّاسِ مِنْ دِيَانَاتٍ وَ أَعْراق مُخْتَلِفَةٍ. وَمَا يَهُمُّ هُنَا هُوَ إِطْفَاءُ النَّارِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَنْ أَشْعَلَهَا.

وَعِنْدَمَا تَعْلَمُ أَنَّ 200 عَامِلَ إِنْقَاذٍ فَقَدُوا أَرْوَاحَهُمْ أَثْنَاءَ مُحَاوَلَتِهِم مُسَاعَدَةَ مُواطِنِيهِم فِي الصِّينِ (فِي مَايُو 2008)، وَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ المُعَلِّمِينَ لَقُوا حَتْفَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذُوا طُلَّابَهُمْ، فَإِنَّكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ تَفْخَرَ بِكَوْنِكَ بَشَرًا. فَنَحْنُ الإِنْسَانُ قَادِرُونَ عَلَى جَعْلِ العَالَمِ أَفْضَلَ مَكَانٍ - بِخِدْمَةِ بَعْضِنَا البَعْضِ.

قَارِنْ ذَلِكَ التَّضَامُنَ الَّذِي يُظْهِرُهُ النَّاسُ مِنْ دَاخِلِ وَخَارِجِ المَنَاطِقِ المُتَأَثِّرَةِ بالكَوارِثِ مَعَ أَعمالِ النَّهْبِ الَّذِي يَحْدُثُ أَحْيَانًا فِي تِلْكَ المَنَاطِقِ. وَقَارِنْ ذَلِكَ التَّضَامُنَ مَعَ التَّرَابُطَاتِ وَالانْدِفَاعَاتِ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى الحُرُوبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ. وَقَارِنْ سَفْكَ الدِّمَاءِ فِي تِلْكَ الحُرُوبِ مَعَ الرُّوحِ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى تَشْكِيلِ الوِلاَيَاتِ الأُورُوبِّيَّةِ. فَلا شَكَّ أَنَّ الإِنْسَانَ قَادِرٌ عَلَى أَفْضَلِ وَأَسْوَأِ الأَشْيَاءِ.

وَمَا أَجْمَلَ مَا يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ أَكْثَرَ مِنْ إِعَادَةِ بِنَاءِ الحَيَاةِ المُتَحَطِّمَةِ؟ فَالتَّدْمِيرُ، لَا شَكَّ فِيهِ، مُرِيعٌ، وَعَوَاقِبُهُ قَدْ تَسْتَمِرُّ لِسَنَوَاتٍ وَتَكُلِّفُ الذَّهَبَ وَالحَيَاةَ. وَلَكِنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنَ الحَيَاةِ. وَمَا نَنْسَاهُ أَكْثَرَ أَيَّامِنَا أَنَّ أَكْثَرَ التَّدْمِيرِ صُنْعُ الإِنْسَانِ. فَلَمْ تَلْعَبِ الكَوارِثِ الطَّبِيعِيَّةُ دَوْرًا فِي التَّدْمِيرِ الغَيْرِ مُعْتَادِ الَّذِي حَدَثَ فِي قَلْبِ أُورُوبَّا فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ العِشْرِينَ.

وَالْمُتَفَكِّرُونَ وَالعَمَلِيُّونَ يَبدَؤون عَمَلَهُمْ عَلَى الفَوْرِ لِإِصْلَاحِ التَّدْمِيرِ، وَيَتْرُكُونَ لِلَّهِ مَا هُوَ لِلَّهِ وَلِلقَيْصَرِ مَا هُوَ لِلْقَيْصَرِ. وَأَحْيَانًا يَسْرِعُ مُخَرِّبُو المَكَانِ أَنْفُسُهُمْ إِلَى الإِعَادَةِ البِنَائِيَّةِ. فَالْوِلَايَاتُ المُتَّحِدَةُ، الَّتِي سَاعَدَتْ فِي إِسْقَاطِ رِيخْ هِتْلِر وَإِمْبِرَاطُورِيَّةِ اليَابَانِ، وَضَعَتْ خُطَّةَ مَارْشَال لِإِعَادَةِ بِنَاءِ أُورُوبَّا وَاليَابَانِ بَعْدَ الحَرْبِ. وَاسْتَمْتَعَ جِيلُ البِيبِي بُومَر المُزْدَهِرُ بِثِمَارِ تِلْكَ الإِعَادَةِ، مِمَّا أَمْكَنَهُ مِنَ تَغْلِيفِ صَفْحَةِ الرُّعْبِ الَّتِي شَهِدَهَا آبَاؤُهُمْ فِي الحَرْبِ. وَكَما يَقُولُ المَثَلُ الفَرَنْسِيُّ: "شَرٌّ لِبَعْضٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَعَادَةً لِآخَرِينَ."

وَبَعْدَ كُلِّ كَارِثَةٍ، يَحْصُلُ كَثِيرُونَ عَلَى عَمَلٍ وَدَخْلٍ ثَابِتٍ لِسَنَوَاتٍ. وَتَزْدَهِرُ العَدِيدُ مِنَ الشَّرِكَاتِ وَتَتَنَامَى التِّجَارَةُ. وَلَا تَتَحَسَّنُ المَدَارِسُ المُهْدَمَةُ فَقَطْ، بَلْ كُلُّ البُنى التَّحْتِيَّةِ القَدِيمَةِ تَصْبَحُ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الزِّلْزَالِ. وَيُعْطِي هَذَا الفُرْصَةَ لِلْمُهَنْدِسِينَ وَالفَنِّيِّينَ الجُدُدِ لِيُظْهِرُوا قُدْرَاتِهِمْ وَيَبْنُوا حَيَاتَهُمْ، وَتَزْدَهِرُ الشَّرِكَاتُ الصَّغِيرَةُ وَالمُتَوَسِّطَةُ.

وَمَاذَا عَنْ العِقَابِ الإِلَهِيِّ؟ حَسَنًا، فَهُوَ يَعْنِي أُمُورًا مُخْتَلِفَةً لِمُؤْمِنِينَ مُخْتَلِفِينَ. فَالْيَهُودُ وَالمَسِيحِيُّونَ وَالمُسْلِمُونَ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، يَعْرِفُونَ قِصَّةَ نُوحٍ، الَّتِي دُمِّرَ فِيهَا العَالَمُ بِالفَيْضَانِ، وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَمَرَّتِ الحَيَاةُ بِأَقَلِّ النَّاسِ وَبِعَدَدٍ مَحْدُودٍ مِنَ الكَائِنَاتِ. وَاللهُ الَّذِي أَعَادَ الحَيَاةَ بَعْدَ الطُّوفَانِ، قَادِرٌ بِالطَّبِيعَةِ عَلَى حِمَايَةِ الكَوْكَبِ الأَرْضِيِّ مِنْ أَخْطَرِ تَبِعَاتِ تَغَيُّر المُنَاخِ، إِنْ شَاءَ. وَإِذَا شَاءَ أَمْ لَمْ يَشَأْ، فَذَلِكَ رُبَّمَا يَعْتَمِدُ عَلَى سُلُوكِ البَشَرِ. وَمِنْ ثَمَّ يَخَافُ بَعْضُ النَّاسِ العِقَابَ الإِلَهِيَّ. فَالْقُرْآنُ عَلَى سَبِيلِ المِثَال، مُمْتَلِئٌ بِالتَّحْذِيرَاتِ فِي هَذَا الصَّدَدِ.

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَإِنَّ عَدَدًا مُتَزَايِدًا مِنَ الشَّبَابِ يُعَانُونَ مِنْ أَشْكَالٍ وَدَرَجَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ قَلَقِ المُنَاخِ. هُمْ قَلِقُونَ لَيْسَ فَقَطْ لِمُسْتَقْبَلِ كَوْكَبِ الأَرْضِ، بَلْ لِبِيئَتِهِمِ المُحِيطَةِ أَيْضًا. وَيُؤْمِنُ بَعْضُهُمْ أَنَّ كَوْكَبَنَا مُحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالهَلَاكِ، أَوْ "عَلَى حَافَّةِ الهاوِيَةِ". وَالحَقِيقَةُ أَنَّ الظُّرُوفَ الجَوِّيَّةَ المُتَطَرِّفَةَ لَا يُمْكِنُ نَفِيُهَا.

وَلَكِنْ أُخْبِرْ هَؤُلَاءِ المُغَامِرِينَ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ لِطَلَبِ حَظِّهِمْ إِلَى أَمَاكِنَ تَكُونُ فِيهَا البِيئَةُ أَكْثَرَ ع قَساوةً ، حَيْثُ تَزْدَهِرُ تِجَارَةُ الحَيَوَانَاتِ الغَيْرِ قَانُونِيَّةِ، وكُلّ أَشكالِ الإِستغلال اللّا قانوني للغابة والمَناجمِ وَالصَّيْدِ … حَيْثُ لَا مَدَارِسَ وَلَا مُسْتَشْفَيَاتٍ وَلَا حَتَّى طُرُقٌ مُعَبَّدة … حَيْثُ لا يَعْنِي الإِبْتِسَامُ شَيْئًا.

وَالْتَفَاصِيلُ وَفِيرَةٌ. مَنْ لَا يَعْرِفُ السَّوَاحِلَ الغَارِقَةَ وَعَوَاقِبَهَا، وَالمِيَاهَ الصَّاعِدَةَ الَّتِي تُهَدِّدُ حَيَاةَ وَمَعِيشَةَ مَلايين النَّاسِ، وَالمُكَبَّاتِ العَامَّةَ المُخِيفَةَ فِي كَثِيرٍ مِنَ المُدُنِ؟ طَبْعًا هُنَاكَ سَبَبٌ لِلْقَلَقِ. وَهُنَاكَ نَاسٌ يَخْتَنِقُونَ فِي مَوْجَةِ الحَرّ فِي وَسَطِ الرَّبِيعِ، وَنَاسٌ يُشَاهِدُونَ حَيَوَانَاتِهِمْ تَمُوتُ مِنَ العَطَشِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ، وَمَعْزٌ يَأْكُلُ خِرَافَهُ، وَجِمَالٌ تَأْكُلُ جِمَالًا أُخْرَى، وَسَوَاحِلُ تَغرق تَحْتَ المِيَاهِ كُلَّ يَوْمٍ أكثَر، وَمِيَاهٌ جَوْفِية غَيْرُ مُتَجَدِّدَةٍ، وَآبَارُ جَافَّةٌ أَوْ شِبْهُ جَافَّةٍ …؟ لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ تَكُونَ قَوِيًّا ذِهْنِيًّا فِي وَجْهِ مِثْلِ هَذِهِ النَّوَازِلِ. وَلَكِنْ أَحْيَانًا كُلُّ مَا يَحْتَاجُهُ الأَمْرُ هُوَ المَطَرُ، وَالجَوُّ الجَيِّدُ، وَحَصَادٌ مُوفَّقٌ… لِتَرْفَعَ رُوحَكَ وَتَشْعُرَ بِالخَيْرِ.

فَلَنَا نَعْلَمْ أَنَّنَا لَيْسَنَا فِي الجَنَّةِ. فَالكَارِثَةُ تَبْقَى تَجْرِبَةً أَلِيمَةً - سَوَاءٌ كَانَتْ طَبِيعِيَّةً أَمْ لَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عِقَابًا إِلَهِيًّا أَمْ لَا. وَالسُّؤَالُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَجِبُ طَرْحُهُ هُوَ: مَاذَا لَوْ كُنْتُ أَنَا مِنْ بَيْنِ الضَّحَايَا؟

 

 

7

 

يَتَعَلَّمُ طُلَّابُ الصِّحَافَةِ أَنَّهُ «إِذَا عَضَّ كَلْبٌ رَجُلًا فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ»؛ أَمَّا «إِذَا عَضَّ رَجُلٌ كَلْبًا» فَذَلِكَ هُوَ الخَبَرُ. اتَّصَلَتِ امْرَأَةٌ بِطَبِيبٍ عَلَى الهَوَاءِ فِي بَرْنَامَجٍ إِذَاعِيٍّ لِتَسْأَلَ لِمَاذَا مَا زَالَتِ ابْنَتُهَا ذَاتُ الثَّلَاثِ سَنَوَاتٍ تَمْصُّ رَضَّاعَتَهَا حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ فَارِغَةً! سَيَقُولُ المَرْءُ: هَذَا لَيْسَ خَبَرًا. وَهَذَا صَحِيحٌ. وَفِيمَا بَعْدُ اتَّصَلَ مُسْتَمِعٌ آخَرُ لِيَنْصَحَ تِلْكَ المَرْأَةَ بِأَنْ تَضَعَ شَيْئًا مُرًّا فِي الرَّضَّاعَةِ أَوْ عَلَى حَلَمَتِهَا حَتَّى تَصِيرَ مُقْزِزَةً لِلطِّفْلِ. وَقَالَ إِنَّهُ جَرَّبَ ذَلِكَ مَعَ ابْنَتِهِ عِنْدَمَا كَانَتْ فِي الثَّالِثَةِ مِنْ عُمْرِهَا فَنَجَحَ الأَمْرُ. وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ خَبَرًا. وَلَكِنَّ الرَّجُلَ اعْتَرَفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ مُشْكِلَةً أَكْبَرَ ظَهَرَتْ. قَالَ: «الآنَ ابْنَتِي تَبْلُغُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَهِيَ أُسْتَاذَةٌ جَامِعِيَّةٌ فِي بَلَدٍ أَجْنَبِيٍّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ مَا زَالَتْ تَمْصُّ إِبْهَامَهَا!» هَذَا خَبَرٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلَكِنْ هَلْ هُوَ غَرِيبٌ بِالقَدْرِ الَّذِي يُثِيرُ الدَّهْشَةَ لَدَى الجَمِيعِ؟

فِي كِتَابِ العِقْدِ الفَرِيدِ يَرْوِي ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ (٨٦٠–٩٤٠) قِصَّةَ تَابِعِيٍّ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ بَعْضِ طُلَّابِهِ، فَمَرُّوا بِرَجُلٍ سَكْرَانَ يُنْشِدُ بَيْتًا جَمِيلًا بِالعَرَبِيَّةِ:

أَذَلَّنِي الْهَوَى فَأَنَا الذَّلِيلُ      وَلَيْسَ إِلَى الَّذِي أَهْوَى سَبِيلُ

فَنَزَلَ التَّابِعِيُّ مِنْ فَوْقِ فَرَسِهِ وَأَسْرَعَ لِيَكْتُبَ ذَلِكَ البَيْتَ. فَتَعَجَّبَ طُلَّابُهُ وَقَالُوا: «أَتَكْتُبُ كَلَامًا قَالَهُ رَجُلٌ سَكْرَانُ؟» فَأَجَابَهُمْ: «أَمَا تَعْرِفُونَ المَثَلَ الَّذِي يَقُولُ: رُبَّ لُؤْلُؤَةٍ تُوجَدُ فِي المَزْبَلَةِ؟ فَهَذِهِ لُؤْلُؤَةٌ فِي مَزْبَلَةٍ!»

وَقَدِّمَ رَجُلٌ مَرَّةً إِلَى الخَلِيفَةِ العَبَّاسِيِّ هَارُونُ الرَّشِيدُ عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ عَبْقَرِيٌّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُدْخِلَ مِئَةَ إِبْرَةٍ فِي عُيُونِ بَعْضِهَا بَعْضًا دُونَ أَنْ تَسْقُطَ إِبْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَطَلَبَ الخَلِيفَةُ مِنْهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. فَلَمَّا فَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ بِمَهَارَةٍ بَاهِرَةٍ، اِلْتَفَتَ الخَلِيفَةُ إِلَى رِجَالِهِ وَقَالَ: «أَعْطُوا هَذَا الرَّجُلَ مِئَةَ دِينَارٍ وَمِئَةَ جَلْدَةٍ.» فَدُهِشَ الرَّجُلُ العَبْقَرِيُّ وَقَالَ: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَفْهَمُ لِمَاذَا تُعْطِينِي مِئَةَ دِينَارٍ، وَلَكِنْ لَا أَفْهَمُ لِمَاذَا تُعْطِينِي مِئَةَ جَلْدَةٍ!» فَقَالَ الخَلِيفَةُ: «أُعْطِيكَ مِئَةَ دِينَارٍ لِعَبْقَرِيَّتِكَ، وَمِئَةَ جَلْدَةٍ لِأَنَّكَ أَضَعْتَ عَبْقَرِيَّتَكَ فِي التَّفَاهَاتِ.»

نَحْنُ جَمِيعًا أَذْكِيَاءُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلَكِنْ هَلْ نَسْتَعْمِلُ ذَكَاءَنَا دَائِمًا فِي مَا يَنْبَغِي؟

عِنْدَمَا كُنْتُ طَالِبًا فِي العِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي، كُنْتُ وَاقِفًا مَرَّةً وَحْدِي أَمَامَ قَاعَةِ الدَّرْسِ، فَجَاءَ أَحَدُ زُمَلَائِي وَهُوَ يَرْتَجِفُ مِنَ الضَّحِكِ وَقَالَ: «فِي طَرِيقِي إِلَى الكُلِّيَّةِ أَوْقَفَنِي مَجْمُوعَةٌ مِنَ الأَطْفَالِ الصِّغَارِ وَقَالُوا لِي: قُلْ لَنَا إِذَا كُنْتَ تَعْرِفُ: هَلْ تَتَبَوَّلُ الدَّجَاجَةُ؟» تَعْلَمُ مَاذَا؟ لَمْ يَكُنْ قَدْ خَطَرَ لِي ذَلِكَ عَلَى بَالٍ مِنْ قَبْلُ!

إِنَّنَا نَأْخُذُ كَثِيرًا مِنَ الأَشْيَاءِ عَلَى أَنَّهَا مُسَلَّمَاتٌ -أَعْنِي الأَشْيَاءَ الصَّغِيرَةَ. كَمْ مَرَّةً تَوَقَّفْتَ لِتُفَكِّرَ فِي دَقَّاتِ سَاعَتِكَ، أَوْ فِي تِلْكَ الحَشَرَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَرَاهَا أَحْيَانًا تَعْدُو عَلَى صَفْحَةِ الكِتَابِ وَأَنْتَ تَقْرَأُ، أَوْ فِي الأَوْرَاقِ المُتَسَاقِطَةِ فِي حَدِيقَتِكَ أَوْ فِي الغَابَةِ، أَوْ فِي العَقْلِ البَشَرِيِّ الَّذِي صَنَعَ كُلَّ هَذِهِ الاِخْتِرَاعَاتِ الَّتِي تَسْتَعْمِلُهَا كُلَّ يَوْمٍ؟ مِثْلَمَا كَانَ أَهْلُ القِدَمِ يَتَعَجَّبُونَ مِنَ العَجَائِبِ السَّبْعِ وَيَنْسَوْنَ مِلْيُونَ عَجِيبَةٍ صَغِيرَةٍ حَوْلَهُمْ، فَإِنَّنَا مَا زِلْنَا نَنْبَهِرُ بِالأَشْيَاءِ الكَبِيرَةِ كَالأَهْرَامَاتِ وَنَنْسَى أَنْ نُفَكِّرَ فِي الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ فِي أَنْفُسِنَا وَفِي بِيئَتِنَا.

لَقَدْ دُهِشَ النَّاسُ لِمِنْطَادِ مُونْتْغُولْفِييه، وَلِأَوَّلِ رِحْلَةٍ جَوِّيَّةٍ مُنْفَرِدَةٍ وَمُتَوَاصِلَةٍ عَبْرَ الأَطْلَنْطِيِّ فِي التَّارِيخِ، وَلِطَائِرَةِ إِيربَاص A380. وَمَا زَالُوا يَنْبَهِرُونَ بِسُورِ الصِّينِ العَظِيمِ، وَبِأَهْرَامَاتِ الجِيزَةِ، وَبِبُرْجِ إِيفِل، وَبِتِمْثَالِ الحُرِّيَّةِ. وَمَا زِلْنَا نَنْبَهِرُ بِالعُرُوضِ المُدْهِشَةِ لِحَيَوَانَاتِ السِّيرْكِ وَمُهَرِّجِيهِ، وَبِالرُّوبُوتَاتِ الَّتِي قَدْ تَمْتَلِكُ مَشَاعِرَ يَوْمًا مَا، وَبِإِنْجَازَاتِ الرِّيَاضِيِّينَ الَّذِينَ يُحَطِّمُونَ الأَرْقَامَ القِيَاسِيَّةَ، وَبِمَوَاهِبِ فَنَّانِينَا الِاسْتِثْنَائِيَّةِ الَّذِينَ يُكَادُ يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ أَحْيَانًا كَأَنَّهُمْ آلِهَةٌ! وَفِي كُلِّ أُسْبُوعٍ تَقْرِيبًا يُسَجَّلُ إِنْجَازٌ جَدِيدٌ فِي كِتَابِ غِينِيس لِلأَرْقَامِ القِيَاسِيَّةِ.

عِنْدَمَا يُفَكِّرُ النَّاسُ فِي شَيْءٍ مَا، فَإِنَّهُمْ يَنْسَوْنَ شَيْئًا آخَرَ—شَيْئًا قَدْ يَكُونُ أَهَمَّ. عِنْدَمَا نَنْظُرُ إِلَى أَنْفُسِنَا فِي المِرْآةِ، هَلْ نُفَكِّرُ فِي المِرْآةِ نَفْسِهَا؟ وَعِنْدَمَا نَسْتَعْمِلُ حَاسُوبَنَا، هَلْ نُفَكِّرُ فِي العَقْلِ الَّذِي اخْتَرَعَهُ فِي الأَصْلِ؟ وَعِنْدَمَا نَنْدَهِشُ مِنْ قُدْرَتِنَا البَشَرِيَّةِ عَلَى التَّخَيُّلِ، هَلْ نُفَكِّرُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ العَقْلُ البَشَرِيُّ أَصْلًا؟ كَمْ مِنَّا يَتَعَجَّبُ مِنْ أَنَّنَا—مَعَ أَنَّ لَنَا الأَبَ نَفْسَهُ وَالأُمَّ نَفْسَهَا—فَإِنَّنَا لَسْنَا مُتَطَابِقِينَ؟ حَتَّى «التَّوَائِمُ المُتَطَابِقَةُ» يُمَيَّزُ بَيْنَهَا بِبَصَمَاتِ الأَصَابِعِ وَقَزَحِيَّاتِ العُيُونِ.

أَحْيَانًا تَجِدُ نَفْسَكَ فَجْأَةً فِي مَوْقِفٍ تَشْعُرُ فِيهِ كَأَنَّكَ أَحْمَقُ، حِينَ تَصِيرُ أَبْسَطُ الأُمُورِ صَعْبَةَ الفَهْمِ، وَحِينَ تَغْدُو حَيَاتُكَ فَجْأَةً عِبْئًا خَالِيًا مِنْ أَيِّ مَعْنًى. فَهَلْ يَنْبَغِي أَنْ نَنْتَظِرَ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ لِنَبْدَأَ التَّأَمُّلَ؟

إِذَا كَانَتِ الرِّيَاضَةُ تُخَلِّصُ أَجْسَادَنَا مِنْ «سُمُومِهَا»، أَفَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ مَعَ التَّأَمُّلِ؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَلِّصَنَا مِنْ «سُمُومِ أَرْوَاحِنَا»؟ أَلَا يُمْكِنُ لِلتَّأَمُّلِ فِي الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ - تِلْكَ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُفَكِّرُ فِيهَا مُعْظَمُ النَّاسِ - أَنْ يَمْنَحَنَا نُورًا لَا يَمْلِكُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؟

اِخْتَفَى رَجُلٌ أَمْرِيكِيٌّ فِي أُسْتَرَالِيَا. وَبَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ظَهَرَ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرَى مِنَ الصَّحْرَاءِ الأُسْتَرَالِيَّةِ، وَهُوَ يَلْبَسُ قَمِيصًا عَادِيًّا وَسِرْوَالًا، وَيَنْتَعِلُ صَنْدَلًا جِلْدِيًّا، وَيَحْمِلُ قِنِّينَةَ مَاءٍ فِي يَدِهِ. وَلَمَّا سُئِلَ لِمَاذَا جَازَفَ بِعُبُورِ تِلْكَ الصَّحْرَاءِ المُخِيفَةِ وَحْدَهُ وَبِتِلْكَ التَّجْهِيزَاتِ القَلِيلَةِ، قَالَ: «كُنْتُ أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَكْتَشِفَ اللهَ.» أَمَّا أَنَا شَخْصِيًّا فَقَدْ لَمْ أُصَدِّقْ عَيْنَيَّ وَأُذُنَيَّ وَأَنَا أُشَاهِدُ تِلْكَ الصُّوَرَ فِي التِّلْفَازِ، خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ قَرَأْتُ عَنِ الأَزْمِنَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا سَائِقُو الجِمَالِ الأَفْغَانُ يَقُودُونَ المُسْتَوْطِنِينَ الأُورُوبِّيِّينَ عَبْرَ صَحَارِي القَارَّةِ الأُسْتَرَالِيَّةِ غَيْرِ المَطْرُوقَةِ.

وَالآنَ، هَلْ أَحْتَاجُ إِلَى الذَّهَابِ إِلَى صَحْرَاءِ أُسْتَرَالِيَا لِكَيْ أَتَأَمَّلَ؟ يُمْكِنُنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْ مَكَانِي: أَلَيْسَتْ هِيَ الشَّمْسَ نَفْسَهَا الَّتِي يَرَاهَا الجَمِيعُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؟ أَلَيْسَ هُوَ القَمَرُ نَفْسَهُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العَالَمِ؟ أَلَيْسَتِ السَّمَاءُ نَفْسَهَا، وَالنُّجُومُ نَفْسَهَا، وَالأَرْضُ نَفْسَهَا، وَالمَاءُ نَفْسَهُ، وَالهَوَاءُ نَفْسَهُ، وَالجَسَدُ البَشَرِيُّ نَفْسُهُ، وَالرُّوحُ البَشَرِيَّةُ نَفْسُهَا؟ فَأَلَا يَكُونُ الخَالِقُ وَاحِدًا - مَهْمَا يَكُنْ - الَّذِي خَلَقَ كُلَّ هَذِهِ الأَشْيَاءِ لَنَا جَمِيعًا؟ أَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَنْدَهِشَ مِنْ أَنَّ النَّاسَ يَشْتَرِكُونَ فِي الأَشْيَاءِ نَفْسِهَا وَمَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً مُخْتَلِفَةً؟

وَبِالمُنَاسَبَةِ، هَلِ التَّفْكِيرُ أَمْرٌ سَهْلٌ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ «يُفَكِّرَ» وَكُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ تَنْهَمِرُ عَلَى عَقْلِهِ كَالسَّيْلِ مِنَ التِّلْفَازِ وَمِنَ الشَّبَكَةِ؟ كَمْ مِنَ النَّاسِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الغَابَةِ (بِلَا كَامِيرَا، وَلَا هَاتِفٍ ذَكِيٍّ، وَلَا سَجَائِرَ)، وَلَا يَحْمِلُ إِلَّا عَقْلًا وَقَلْبًا، وَقَدَمَيْنِ مُسْتَعِدَّتَيْنِ لِلسَّيْرِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ، وَعَيْنَيْنِ مُسْتَعِدَّتَيْنِ لِلنَّظَرِ إِلَى الأَزْهَارِ الجَمِيلَةِ - الأَزْهَارِ الصَّغِيرَةِ - المُخْتَبِئَةِ خَلْفَ صُخُورٍ صَغِيرَةٍ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ؟ مَنْ فِي أَيَّامِنَا يَدْخُلُ الغَابَةَ وَيَنْظُرُ إِلَى الأَوْرَاقِ المُتَسَاقِطَةِ، وَيَلْمِسُهَا وَيَتَأَمَّلُهَا؛ وَإِلَى الحَشَرَاتِ، وَإِلَى الطُّيُورِ المُهَاجِرَةِ، وَيُفَكِّرُ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا؟

رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ عَاشُوا قَبْلَنَا آلَاتٌ حَاسِبَةٌ وَلَا حَوَاسِيبُ مُتَطَوِّرَةٌ وَلَا بَرَامِجُ عَبْقَرِيَّةٌ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَيْضًا أَذْكِيَاءَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ. وَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ نَكُونَ أَذْكَى مَرَّتَيْنِ: بِأَنْ نُفَكِّرَ فِي الأَشْيَاءِ الكَبِيرَةِ، وَبِأَنْ نَتَأَمَّلَ فِي الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا.

خُذْ هَذَا المِثَالَ. نَحْنُ المُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العَالَمِ اِحْتَفَلْنَا تَوًّا بِعِيدِ الأَضْحَى. فَهَلْ يَسْتَمْتِعُ الجَمِيعُ بِالعِيدِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا؟ كَلَّا. فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَذْبَحُونَ خَرُوفًا وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَكْلَ لَحْمِهِ لِأَنَّهُمْ مَرْضَى. وَهُنَاكَ أُنَاسٌ آخَرُونَ أَصِحَّاءُ الأَبْدَانِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ شِرَاءَ خَرُوفٍ لِلْعِيدِ لِأَنَّ ثَمَنَهُ غَالٍ جِدًّا عَلَيْهِمْ. فَمَنْ يَحْسُدُ مَنْ؟ أَهُوَ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَكْلَ خَرُوفِهِ، أَمِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ شِرَاءَ خَرُوفٍ مِنَ الأَصْلِ؟

المُشْكِلَةُ أَنَّ المَشَاعِرَ وَالعَوَاطِفَ تَكُونُ أَحْيَانًا أَقْوَى مِنَ المَعْرِفَةِ وَالقَنَاعَاتِ. فَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَتَقَبَّلَ فِكْرَةَ أَنَّ رَئِيسَهُ أَوْ مُدِيرَهُ أَقَلُّ كَفَاءَةً مِنْهُ. وَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ عَلَى رَجُلٍ وَسِيمٍ أَنْ يَفْهَمَ لِمَاذَا تَتَزَوَّجُ حَبِيبَتُهُ الجَمِيلَةُ رَجُلًا «قَبِيحًا». وَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ عَلَى امْرَأَةٍ سَمْرَاءِ أَنْ تَفْهَمَ لِمَاذَا خُلِقَتْ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يُشْكِلُ لَهَا مُشْكِلَةً، أَوْ عَلَى مُهَنْدِسٍ نَاجِحٍ أَنْ يَفْهَمَ لِمَاذَا يَكُونُ ابْنُهُ الوَحِيدُ مُعَاقًا. وَلَا يَسْتَطِيعُ العُلَمَاءُ مَثَلًا - أَنْ يُفَسِّرُوا لِمَاذَا يَفْشَلُ زَوْجَانِ فِي إِنْجَابِ طِفْلٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الجُهُودِ المُمْكِنَةِ وَغَيْرِ المُمْكِنَةِ. لَكِنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ بِالطَّبْعِ - أَنْ يُفَسِّرُوا السَّبَبَ الفِسْيُولُوجِيَّ أَوِ المَرَضِيَّ الَّذِي مَنَعَ ذَلِكَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الإِنْجَابِ. فَالعُلَمَاءُ لَيْسَتْ لَدَيْهِمْ مُشْكِلَةٌ مَعَ العَالَمِ المَادِّيِّ؛ وَلِذَلِكَ كَانُوا كُرَمَاءَ إِذْ جَعَلُوا عَالَمَنَا المَادِّيَّ أَسْهَلَ بِكَثِيرٍ: فَقَدْ طَوَّرُوا لَنَا وَسَائِلَ نَقْلٍ رَائِعَةً، وَوَسَائِلَ اتِّصَالٍ كَأَنَّهَا مِنْ عَالَمِ الخَيَالِ، وَخِدْمَاتٍ طِبِّيَّةً لَمْ نَكُنْ نَتَوَقَّعُهَا. فَمَطَابِخُنَا وَغُرَفُ مَعِيشَتِنَا وَمَكَاتِبُنَا وَحَقَائِبُنَا مَلِيئَةٌ بِأَجْهِزَةٍ تِقْنِيَّةٍ نَدِينُ بِهَا لِعُلَمَائِنَا الأَجِلَّاءِ. وَلَكِنَّ العُلَمَاءَ بَشَرٌ مِثْلُنَا، مِثْلِي وَمِثْلَكَ. فَلَهُمْ هُمْ أَيْضًا مَشَاعِرُ وَعَوَاطِفُ. فَقَدْ يَبْقَى عَالِمٌ مُمْتَلِئًا بِالاشْمِئْزَازِ طُولَ حَيَاتِهِ إِذَا نُسِبَ أَحَدُ اكْتِشَافَاتِهِ العِلْمِيَّةِ أَوْ إِسْهَامَاتِهِ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ.

يَسْتَطِيعُ العُلَمَاءُ أَنْ يَأْتُوا بِتَقْنِيَاتٍ ثَوْرِيَّةٍ، وَأَنْ يُعَالِجُوا الأَجْسَادَ البَشَرِيَّةَ، وَأَنْ يُحَسِّنُوا الزِّرَاعَةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ مَنْعَ الجَفَافِ أَوِ الفَيَضَانَاتِ. يَسْتَطِيعُ العُلَمَاءُ أَنْ يُرْسِلُوا الإِنْسَانَ إِلَى المِرِّيخِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ دَرْءَ الزَّلَازِلِ أَوِ الأَعَاصِيرِ الَّتِي تُحْدِثُ فِي سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ دَمَارًا أَكْبَرَ مِمَّا تَبْنِيهِ العُلُومُ فِي سِنِينَ طَوِيلَةٍ. وَالمُشْكِلَةُ - مَرَّةً أُخْرَى - مُشْكِلَةُ عَوَاطِفَ. فَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُفَسِّرَ شَيْئًا لِأَرْمَلَةٍ جَالِسَةٍ أَمَامَ بَيْتِهَا الَّذِي دَمَّرَهُ الفَيَضَانُ، أَوْ لِوَالِدَيْنِ فَقَدَا ابْنَهُمَا الوَحِيدَ تَوًّا.

وَمَاذَا عَنِ الإِيمَانِ؟ بَعْضُ النَّاسِ يُؤْمِنُونَ بِهِ. يَتَمَسَّكُونَ بِهِ فِي أَوْقَاتِ الرَّخَاءِ وَفِي أَوْقَاتِ الأَزَمَاتِ. يَجِدُونَ فِيهِ تَفْسِيرَاتٍ تُسَاعِدُهُمْ عَلَى تَجَاوُزِ خَسَارَةٍ أَوْ فِرَاقٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ مَأْسَاةٍ شَخْصِيَّةٍ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَيْسَ عَرَضِيًّا وَلَا تَافِهًا؛ بَلْ يَتَضَمَّنُ اِلتِزَامًا. فَإِذَا طَلَبْنَا مِنْ إِلَهٍ مُسَاعَدَةً، فَمِنَ المَعْقُولِ أَنْ نَتَوَقَّعَ أَنَّهُ سَيَلْزَمُنَا أَنْ نُقَدِّمَ الشُّكْرَ بِطَرِيقَةٍ مَا. وَهُنَا يَقَعُ الخَطُّ الفَاصِلُ بَيْنَ الإِيمَانِ وَعَدَمِ الإِيمَانِ. فَبَعْضُ النَّاسِ لَا يَقْبَلُونَ بِأَيِّ حَالٍ فِكْرَةَ أَنْ يَكُونُوا مُعْتَمِدِينَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ مُطِيعِينَ لِأَحَدٍ. فَهُمْ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ صَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّهُمْ مُسْتَقِلُّونَ اِسْتِقْلَالًا تَامًّا، وَمُكْتَفُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَدِينُونَ بِشَيْءٍ لِأَحَدٍ وَلَا لِأَيِّ إِلَهٍ. وَلَيْسَ لَدَيْهِمْ مَا يَشْكُرُونَ اللهَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا قَبِلُوا فِكْرَةَ أَنَّهُمْ مَدِينُونَ كَثِيرًا لِإِلَهٍ مَا، خَشُوا أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا وِفْقَ مَشِيئَتِهِ لَا وِفْقَ مَا يُرِيدُونَ هُمْ.

وَفِي الوَاقِعِ، فَإِنَّ القُرْآنَ مَثَلًا - لَا يَقُولُ إِنَّ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَبِالآخِرَةِ سَيَفْشَلُ فِي هَذَا العَالَمِ. فَالنَّجَاحُ الدُّنْيَوِيُّ مَفْتُوحٌ لِلْجَمِيعِ. وَلَكِنَّ المُشْكِلَةَ أَنَّكَ إِذَا فَشِلْتَ - لِأَسْبَابٍ مَوْضُوعِيَّةٍ - فَقَدْ تَجِدُ صُعُوبَةً فِي أَنْ تُفَسِّرَ فَشَلَكَ لِنَفْسِكَ تَفْسِيرًا مَوْضُوعِيًّا؛ لِأَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الإِنْسَانِ أَنْ يُلْقِيَ اللَّوْمَ عَلَى الآخَرِينَ عِنْدَ الفَشَلِ، وَأَنْ يَتَكَبَّرَ عِنْدَ النَّجَاحِ.

وَالآنَ، مِنْ أَيْنَ يَأْتِي كِبْرِيَاؤُنَا؟ إِنَّهُ يَأْتِي مِنْ رَغْبَتِنَا فِي التَّفَاخُرِ. نُرِيدُ أَنْ نُظْهِرَ لِلنَّاسِ حَوْلَنَا أَنَّنَا مُسْتَقِلُّونَ وَأَنَّنَا الأَفْضَلُ. نُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ العَالَمُ أَنَّنَا حَصَلْنَا عَلَى وَظِيفَتِنَا لِأَنَّنَا - كَمَا يُقَالُ - الأَجْدَرُ وَالأَكْفَأُ. وَالأَمْرُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ، وَالأَبْنَاءِ، وَالثَّرْوَةِ. فَكُلُّ ذَلِكَ ثَمَرَةُ طُمُوحِنَا، وَكُلُّهُ مَسْأَلَةُ اِسْتِحْقَاقٍ.

وَيَرْجِعُ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَى أَنَّنَا - فِي مُعْظَمِ الأَحْيَانِ - نُفَكِّرُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَيَاتِنَا. فَهَلْ نَأْخُذُ حَيَاتَنَا كُلَّهَا فِي الحُسْبَانِ دَائِمًا؟ هَلْ نُفَكِّرُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي نَشِيخُ فِيهِ، حِينَ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُغَنِّيَ وَلَا أَنْ نَرْقُصَ، وَلَا أَنْ نَلْعَبَ الغُولْفَ أَوِ التِّينِسَ، وَلَا أَنْ نَسْبَحَ أَوْ حَتَّى أَنْ نَمْشِيَ، وَلَا أَنْ نَأْكُلَ بِالسِّكِّينِ وَالشَّوْكَةِ، وَحِينَ نُوضَعُ فِي دَارِ رِعَايَةٍ لِلْمُسِنِّينَ مَهْجُورِينَ مِنْ أَبْنَائِنَا وَمِنَ العَامِلِينَ فِيهَا؟

كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَطَلَّقُونَ بَعْدَ التَّقَاعُدِ. فَتِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي كَانُوا يَنْتَظِرُونَهَا لِيَسْتَرِيحُوا وَيَسْتَمْتِعُوا بِالحَيَاةِ تَتَحَوَّلُ فَجْأَةً إِلَى جَحِيمٍ بِسَبَبِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ، أَوِ الأَبْنَاءِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ نَكُنْ مُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ، فَمَا فَائِدَةُ عُقُولِنَا؟

نَعَمْ، أَتَصَوَّرُ أَنَّ قَلِيلًا مِنَ التَّارِيخِ، وَقَلِيلًا مِنَ الفَلْسَفَةِ، وَقَلِيلًا مِنَ الرُّوحَانِيَّةِ، وَقَلِيلًا مِنَ «السِّيَاحَةِ الحُرَّةِ» (رِحْلَةً قَصِيرَةً سَيْرًا عَلَى الأَقْدَامِ أَوْ بِالدَّرَّاجَةِ حَوْلَ مَكَانِ سُكْنَانَا)، وَقَلِيلًا مِنَ التَّأَمُّلِ - كُلُّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ. فَنَحْنُ نَعْرِفُ جَمِيعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَدَيْهِمْ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ التَّأْمِينِ وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ تَعِسُونَ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَ أَفْضَلَ مَعَاشَاتِ التَّقَاعُدِ تَعِسُونَ أَيْضًا. فَهُنَاكَ بِلا شَكِّ أُمُورٌ أُخْرَى فِي الحَيَاةِ لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ ذَلِكَ.

8

 

مَا الَّذِي يَجْعَلُنِي أَكْتُبُ بِاللُّغَتَيْنِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ وَالفَرَنْسِيَّةِ، وَمَا الَّذِي يَجْعَلُ بَعْضَ الإِنْجِلِيزِ وَالفَرَنْسِيِّينَ يَتَعَلَّمُونَ العَرَبِيَّةَ؟ لِمَاذَا لَا أَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ؟ وَإِذَا كَتَبْتُ بِلُغَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، فَهَلْ سَأَتَأَثَّرُ بِالضَّرُورَةِ بِثَقَافَةِ اللُّغَةِ الَّتِي أَكْتُبُ بِهَا؟

هَلِ الثَّقَافَةُ مُهِمَّةٌ لِي بَوْصْفِي شَخْصًا؟ حَسَنًا، أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى طَرِيقَتِي فِي التَّفْكِيرِ عِنْدَمَا أُوَاجِهُ مُشْكِلَةً. وَأَحْتَاجُ إِلَى شُعُورِ الاِنْتِمَاءِ إِلَى مَكَانٍ مَا، إِلَى شَيْءٍ مَا، حَتَّى عِنْدَمَا لَا أَكُونُ فِي مُوَاجَهَةِ مُشْكِلَةٍ. فَإِذَا لَمْ أَشْعُرْ أَنَّنِي أَنْتَمِي إِلَى المَكَانِ الَّذِي أَنَا فِيهِ، فَتِلْكَ مُشْكِلَةٌ كَبِيرَةٌ. وَعِنْدَئِذٍ سَأَحْتَاجُ إِلَى طَرِيقَتِي فِي التَّفْكِيرِ لِتُسَاعِدَنِي عَلَى التَّغَلُّبِ عَلَى هَذِهِ المُشْكِلَةِ. بِمَعْنًى آخَرَ، فَإِنَّ هُوِيَّتِي ضَرُورَةٌ نَفْسِيَّةٌ أَكْثَرُ مِنْ كَوْنِهَا ضَرُورَةً اجْتِمَاعِيَّةً. وَهَذِهِ الجَوَانِبُ مِنَ الهُوِيَّةِ كُلُّهَا أَجْزَاءٌ مِنْ ثَقَافَتِي، أَوْ بِالأَحْرَى مِنْ ثَقَافَتِي الجَمَاعِيَّةِ الَّتِي أَشْتَرِكُ فِيهَا مَعَ مِلَايِينِ النَّاسِ فِي بَلَدِي. وَلَكِنْ هُنَاكَ جُزْءٌ أَكْثَرُ خُصُوصِيَّةً مِنْ ثَقَافَتِي (ثَقَافَتِي الفَرْدِيَّةُ) أَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَ عَدَدٍ أَقَلَّ مِنَ النَّاسِ فِي بَلَدِي، وَمَعَ عَدَدٍ أَكْبَرَ فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى.

شَخْصِيًّا، أَنَا آكُلُ بِيَدَيَّ، وَلَنْ أَكُونَ مُرْتَاحًا أَبَدًا فِي اسْتِعْمَالِ السِّكِّينِ وَالشَّوْكَةِ. فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَكُونَ عَصْرِيًّا (مَعَ أَنَّنِي لَا أَعْلَمُ فِي الحَقِيقَةِ مَا الَّذِي يَعْنِيهِ ذَلِكَ)، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ آكُلَ عَلَى طَرِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ أَنْ أَرْتَدِيَ وَفْقَ المَوْضَةِ، أَوْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَوْ تِلْكَ؟ أَنَا، مِنْ جِهَتِي، أَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَتَّى إِذَا اعْتَبَرْتُ طَرِيقَتِي هِيَ الأَفْضَلَ، فَإِنَّ لِلآخَرِينَ الحُرِّيَّةَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَسْلُوبُهُمُ الخَاصُّ، ضِمْنَ إِطَارٍ قَانُونِيٍّ عَامٍّ يَقْبَلُهُ الجَمِيعُ مِنْ أَجْلِ مُجْتَمَعٍ سِلْمِيٍّ. وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ أَكُونَ قَادِرًا عَلَى أَنْ آكُلَ مَا أُرِيدُ كَيْفَمَا أُرِيدُ عِنْدَمَا أَكُونُ وَحْدِي أَوْ مَعَ أُنَاسٍ مِثْلِي. وَأَلْبَسُ مَا أُرِيدُ كَيْفَمَا أُرِيدُ دُونَ أَنْ أُثِيرَ أَوْ أُؤْذِيَ أَحَدًا. وَأَتَكَلَّمُ بِأَفْضَلِ مَا أَسْتَطِيعُ دُونَ أَنْ أُقَلِّدَ أَحَدًا أَوْ أَتَظَاهَرَ بِمَا لَسْتُ عَلَيْهِ. هَذِهِ هِيَ ثَقَافَتِي. وَطَرِيقَةُ حَيَاتِي هِيَ تَمْثِيلٌ وَاضِحٌ لِثَقَافَتِي. فَإِذَا أَعْجَبَتْنِي قِطْعَةٌ مِنَ المُوسِيقَى الأَمْرِيكِيَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ جُزْءًا مِنْ ثَقَافَتِي. وَإِذَا أَعْجَبَتْنِي مَحَطَّةٌ إِذَاعِيَّةٌ أَوْ مَجَلَّةٌ فَرَنْسِيَّةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ جُزْءًا مِنْ ثَقَافَتِي. أَنَا مَغْرِبِيٌّ وَأُحِبُّ كَثِيرًا مِنَ الأَشْيَاءِ المَغْرِبِيَّةِ. وَلَكِنَّنِي أُحِبُّ أَيْضًا كَثِيرًا مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغْرِبِيَّةً. أُحِبُّ إِحْسَاسَ الأَمْرِيكِيِّينَ بِالوَاجِبِ، وَأُحِبُّ حُبَّ الأَلْمَانِ لِلقِرَاءَةِ، وَأُحِبُّ الأَدَبَ الفَرَنْسِيَّ فِي القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَنَا مُرْتَاحٌ تَمَامًا مَعَ مَا أُحِبُّهُ.

إِذَا كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُوفِّرَ مَا أُحِبُّهُ فَذَلِكَ رَائِعٌ. وَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ فَلَا مُشْكِلَةَ. لَا أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَمْتَلِكَ سَيَّارَةً، وَلَا حَتَّى حَاسُوبًا مَحْمُولًا، لِكَيْ أَكُونَ شَخْصًا عَصْرِيًّا. يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْمَلَ فِي مَقَاهِي الإِنْتَرْنِتِ، وَأَنْ أَتَنَقَّلَ بِسَيَّارَةِ الأُجْرَةِ أَوْ أَسْتَقِلَّ الحَافِلَةَ. لَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ. وَإِذَا ظَنَّ النَّاسُ الآخَرُونَ أَنَّنِي لَسْتُ شَخْصًا عَصْرِيًّا، أَوْ أَنَّنِي فَشِلْتُ اجْتِمَاعِيًّا أَوْ مِهْنِيًّا، فَلَيْسَ ذَلِكَ مُشْكِلَةً كَبِيرَةً بِالنِّسْبَةِ لِي. المَهِمُّ عِنْدِي هُوَ أَنْ أَعْمَلَ بِجِدٍّ لِأُحَقِّقَ مَا أُرِيدُ. وَالمَهِمُّ عِنْدِي أَنْ أَكُونَ رَجُلًا مِنْ أَبْنَاءِ هَذَا العَصْرِ. أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَعْرِفَ وَأَفْهَمَ مَا يَجْرِي فِي العَالَمِ. أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَفْهَمَ التَّارِيخَ لِأَرَى مَا كَانَ مُمْكِنًا فِي الأَزْمِنَةِ المَاضِيَةِ وَلَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا اليَوْمَ، وَمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِي المُسْتَقْبَلِ إِلَى الأَفْضَلِ أَوْ إِلَى الأَسْوَإِ. أَحْتَاجُ أَنْ أَفْهَمَ طُرُقَ تَفْكِيرِ النَّاسِ الآخَرِينَ. أَحْتَاجُ أَنْ أَتَعَلَّمَ عَنْ تَقَالِيدِ الشُّعُوبِ الأُخْرَى وَأَسَالِيبِ حَيَاتِهَا. فَإِذَا عَرَفْتُ كَيْفَ يُفَكِّرُ النَّاسُ الآخَرُونَ وَكَيْفَ يَتَصَرَّفُونَ، فَإِنَّنِي سَأُحَسِّنُ طَرِيقَتِي أَنَا فِي التَّفْكِيرِ.

وَالآنَ، هَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بَلَدٍ أَجْنَبِيٍّ مُعَيَّنٍ لِأَرَى فَقَطْ كَيْفَ يَعِيشُ أَهْلُهُ؟ لِمَ لَا؟ وَمَعَ ذَلِكَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ أُغَادِرَ مَدِينَتِي. الأَهَمُّ عِنْدِي هُوَ أَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ أَصْبَحَ ذَلِكَ الشَّعْبُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يُفَكِّرُ، وَكَيْفَ يَحُلُّ مُشْكِلَاتِهِ، وَمَا هِيَ أَحْلَامُهُ وَطُمُوحَاتُهُ. يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْرِفَ ذَلِكَ فِي المَدْرَسَةِ، وَبِالقِرَاءَةِ، وَعَبْرَ وَسَائِلِ الإِعْلَامِ. وَإِذَا عَرَفْتُ كَثِيرًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّنِي أُوَسِّعُ حُدُودَ ثَقَافَتِي قَلِيلًا إِلَى الأَمَامِ. فَيُصْبِحُ الكُتَّابُ الفَرَنْسِيُّونَ كُتَّابِي أَنَا، وَمُعَلِّمِيَّ أَنَا، وَكَذَلِكَ الكُتَّابُ الأَمْرِيكِيُّونَ، وَالصَّحَفِيُّونَ المِصْرِيُّونَ، وَالشُّعَرَاءُ العَرَبُ… وَهَكَذَا تُصْبِحُ ثَقَافَتِي بِقَدْرِ سَعَةِ مَعْرِفَتِي. وَهَذَا هُوَ مَا قَصَدْتُهُ بِـ «الثَّقَافَةِ الخَاصَّةِ» أَوْ «الثَّقَافَةِ الفَرْدِيَّةِ». وَعِنْدَئِذٍ لَنْ أُفَرِّقَ بَيْنَ الثَّقَافَةِ وَالحَضَارَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ سَأُفَرِّقُ بَيْنَ ثَقَافَتِي بِوَصْفِهَا ثَقَافَةً عَرَبِيَّةً أَمَازِيغِيَّةً، وَبَيْنَ الثَّقَافَةِ الغَرْبِيَّةِ مَثَلًا. فَهُمَا لَيْسَتَا الشَّيْءَ نَفْسَهُ، وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ جِدًّا. وَلَنْ أَبْدَأَ بِمُقَارَنَةِ أَيِّهِمَا أَفْضَلُ. فَثَقَافَتِي جَيِّدَةٌ مَا دَامَتْ تُنَاسِبُنِي وَتُشْعِرُنِي بِالرَّاحَةِ. وَلَنْ أَنْتَظِرَ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يَلْبَسَ مِثْلَمَا أَلْبَسُ، أَوْ أَنْ يَأْكُلَ مِثْلَمَا آكُلُ (حَتَّى وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا مِثْلِي). كُلُّ مَا أَتَوَقَّعُهُ هُوَ أَنْ يَفْهَمَنِي - لَا حَتَّى أَنْ يَقْبَلَنِي كَمَا أَنَا. نَحْنُ جَمِيعًا بَشَرٌ: لَدَيْنَا إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ المُشْكِلَاتُ نَفْسُهَا، وَلَكِنَّ لِكُلٍّ مِنَّا طَرِيقَتَهُ المُخْتَلِفَةَ فِي التَّعَامُلِ مَعَهَا. وَعِنْدَمَا أَكْتُبُ فَإِنَّنِي أَكْشِفُ عَنْ طَرِيقَتِي فِي التَّفْكِيرِ، وَعَنْ طَرِيقَتِي فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِي - انْطِلَاقًا مِنْ ثَقَافَتِي الفَرْدِيَّةِ الخَاصَّةِ، الَّتِي لَيْسَتْ أَفْضَلَ وَلَا أَسْوَأَ مِنْ ثَقَافَةِ أَحَدٍ آخَرَ.

مَاذَا سَيَحْدُثُ لَوْ دُعِيتُ إِلَى مَأْدُبَةٍ خَاصَّةٍ يَجِبُ فِيهَا احْتِرَامُ آدَابٍ مُعَيَّنَةٍ؟ بِصَرَاحَةٍ، سَأَكُونُ مُحْرَجًا جِدًّا، وَرُبَّمَا أَتَعَرَّضُ لِبَعْضِ السُّخْرِيَةِ. وَلَكِنْ مَا إِنْ أَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى أَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ، وَأَعُودَ إِلَى أَنْ أَكُونَ نَفْسِي مَرَّةً أُخْرَى. وَفِي الحَقِيقَةِ، لَقَدْ مَرَرْتُ بِتَجْرِبَةٍ مِثْلَ هَذِهِ مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ أَتَرَدَّدَ فِي أَنْ أُعِيدَهَا مَرَّةً أُخْرَى.


9


 فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، لَا يَشْعُرُ النَّاسُ بِالْأَمَانِ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ الْفَيَضَانَاتِ. وَفِي أَمَاكِنَ أُخْرَى، لَا يَشْعُرُ النَّاسُ بِالْأَمَانِ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ الْجَفَافَ. لَكِنْ، هَلِ الْأَمَانُ جَسَدِيٌّ دَائِمًا؟ هُنَاكَ مُتَزَوِّجُونَ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ فِي زَوَاجِهِمْ، وَمُوَظَّفُونَ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ فِي وَظَائِفِهِمْ، وَأَصِحَّاءُ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ بِدُونِ تَأْمِينٍ صِحِّيٍّ مُنَاسِبٍ، وَأُنَاسٌ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ بِسَبَبِ لَوْنِهِمْ أَوْ "عِرْقِهِمْ" أَوْ دِينِهِمْ؛ أُنَاسٌ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ لِأَنَّهُمْ دَائِمًا مَحَلُّ قَوَالِبَ نَمَطِيَّةٍ، لِأَنَّ الْآخَرِينَ دَائِمًا مَا يَحْكُمُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَالِ مَظْهَرِهِمْ، أَوْ طَبَقَتِهِمِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، أَوْ أَعْيَادِهِمْ...


لَرُبَّمَا رَأَيْتَ عَلَى شَاشَاتِ التِّلْفَازِ مَشَاهِدَ لِمُسَافِرِينَ يَرْتَكِبُونَ قِطَارَاتٍ مُكْتَظَّةً جِدًّا عَشِيَّةَ الْأَعْيَادِ الْكُبْرَى. أُنَاسٌ تَرَكُوا قُرَاهُمْ وَضِيَاعَهُمْ لِيَعْمَلُوا فِي مُدُنٍ كَبِيرَةٍ بَعِيدَةٍ، يَحِنُّونَ إِلَى عَائِلَاتِهِمُ الَّتِي يَحْمِلُونَ إِلَيْهَا الْمَالَ وَالْهَدَايَا. مَنِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْآخَرِ؟ الْعَامِلُ الْمُهَاجِرُ أَمْ عَائِلَتُهُ فِي الْقَرْيَةِ؟ مَنِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْأَمَانِ؟ أَلَيْسَتِ الْوَحْدَةُ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ عَدَمِ الْأَمَانِ؟ أَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّعُورُ بِالْأَمَانِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَالِ وَالْهَدَايَا؟


دَعَانِي أَخِي الْأَصْغَرُ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ كَثِيرَةٍ، لِمُشَارَكَتِهِ عِيدَ الْأَضْحَى فِي مَدِينَةِ الصَّوِيرَةَ الْجَنُوبِيَّةِ. ذَهَبْتُ يَوْمَ قَبْلَ الْعِيدِ. وَصَلْتُ إِلَى مَحَطَّةِ حَافِلَاتِ الدَّارِ الْبَيْضَاءِ فِي آخِرِ النَّهَارِ. لَكِنْ كَانَ عَلَيَّ الِانْتِظَارُ لِعِدَّةِ سَاعَاتٍ حَتَّى تُقْلِعَ حَافِلَةُ الصَّوِيرَةِ مِنَ الْمَحَطَّةِ. وَلَمْ أَضْجَرْ مِنَ الِانْتِظَارِ. بَلْ سُرِرْتُ كَيْفَ كَانَ النَّاسُ يُكَافِحُونَ لِحَجْزِ سَفَرَاتِهِمْ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ تَقْرِيبًا فِي أَرْجَاءِ الْبِلَادِ. رَأَيْتُ عِدَّةَ أَشْخَاصٍ يَحْمِلُونَ أَكْبَاشًا عَلَى أَكْتَافِهِمْ، وَآخَرِينَ يَرْفَعُونَهَا فَوْقَ سُطُوحِ الْحَافِلَاتِ... وَحِينَ غَادَرَتْ حَافِلَتُنَا مَدِينَةَ الدَّارِ الْبَيْضَاءَ، مَسَاءً، أَخَذَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرُّكَّابِ تَتَغَنَّى، بَعْضُهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَآخَرُونَ بِالْأَمَازِيغِيَّةِ... غَنَّوْا وَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ فَرَحِينَ. وَرُبما كانوا سَيَرقُصُون لَوْلَا ضِيقُ الْمَكَانِ. كَانَتِ الْحَافِلَةُ تَسِيرُ عَلَى أَرْبَعِ عَجَلَاتٍ (مَطَّاطِيَّةٍ)، لَيْلًا، لَكِنَّ الْجَمِيعَ شَعَرُوا بِأَمَانٍ عَظِيمٍ، فَاسْتَسْلَمَ كَثِيرُونَ لِلنَّوْمِ. كُلُّ وَاحِدٍ وَضَعَ ثِقَتَهُ فِي سَائِقِ الْحَافِلَةِ. بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، نَحْنُ جَمِيعًا مِثْلُ ذَلِكَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَجْرِي إِلَى أَحْضَانِ أُمِّهِ لِيَشْعُرَ بِالْأَمَان.

عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ، الْأَمْرُ بَحْثٌ عَنِ الْأَمَانِ، وَعِنْدَ آخَرِينَ بَحْثٌ عَنِ السَّعَادَةِ. لِمَاذَا جَاءَ الرُّومَانُ إِلَى بِلَادِي، الْمَغْرِبِ، شِمَالِ إِفْرِيقِيَا؟ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ عَرَبٌ وَلَا إِسْلَامٌ. لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَرْضًا غَيْرَ مَأْهُولَةٍ. مَدِينَةُ وَلِيلِي، مَثَلًا، أَشْهَرُ مَدِينَةٍ رُومَانِيَّةٍ فِي الْمَغْرِبِ، أُسِّسَتْ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ قَبْلَ الْمِيلَادِ. كَانَتْ عَاصِمَةً لِمُورِيطَانِيَا، إِقْلِيمٍ أَمَازِيغِيٍّ (بَرْبَرِيٍّ). كَذَلِكَ أَقَامَ الْفِينِيقِيُّونَ مُسْتَوْطَنَاتِهِمْ عَلَى سَوَاحِلِنَا حَوَالَيْ الْقَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ قَبْلَ الْمِيلَادِ. وَبَنَى الْبُرْتُغَالِيُّونَ أَوَّلَ مُسْتَعْمَرَةٍ لَهُمْ عَلَى سَاحِلِنَا الْأَطْلَسِيِّ فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ. ثُمَّ تَقَاسَمَ الْإِسْبَانُ وَالْفَرَنْسِيُّونَ بِلَادَنَا بَيْنَهُمْ فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأُمَمِ الْأُورُوبِيَّةِ الْأُخْرَى أَيْضًا أَرَادَتْ هَذَا الِامْتِيَازَ لِنَفْسِهَا. لِمَاذَا؟ حَسَنًا، لَقَدْ رَأَوْا جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فُرَصًا؛ رَأَوْا جَمِيعًا وَسَائِلَ لِتَحْقِيقِ نَوْعٍ مَّا مِنَ السَّعَادَةِ وَالِازْدِهَارِ لِقِسْمٍ مِنْ سُكَّانِ بِلَادِهِمْ. نَحْنُ جَمِيعًا نَذْهَبُ إِلَى حَيْثُ نَرَى إِمْكَانِيَّةَ السَّعَادَةِ.

بَعْضُ النَّاسِ يَهْتَمُّ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْأَمَانِ وَالسَّعَادَةِ. لَقَدِ اسْتَمَعْتُ إِلَى بَعْضِ الْبَرَامِجِ الْإِذَاعِيَّةِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِالْإِنْجِلِيزِيَّةِ. كَانَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ: "إِذَا فَعَلْتُ كَذَا أَوْ كَذَا، هَلْ سَأَنْجُو (أَخْلُصُ)؟" هَلْ يَطْرَحُ جَمِيعُ النَّاسِ مِثْلَ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ؟


كُنْتُ يَوْمًا أَغَادِرُ مَدْرَسَةً كُنْتُ أُعَلِّمُ فِيهَا دُرُوسًا مَسَائِيَّةً، إِذْ لَوَّحَتْ لِي طَالِبَةٌ لِيَ تَبْلُغُ مِنَ الْعُمْرِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مَمْلُوءٍ بِالرَّهْبَةِ: "أُسْتَاذُ، اُنْظُرْ هُنَاكَ!" أَشَارَتْ بِيَدٍ تَكَادُ تَرْتَعِشُ إِلَى سَيَّارَةٍ كَانَتْ مُتَوَقِّفَةً عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ مُقَابِلَ الْمَدْرَسَةِ. نَظَرْتُ إِلَى السَّيَّارَةِ: كَانَتْ رَائِعَةً فَقَطْ. فَفَهِمْتُ لِمَاذَا كَانَتِ الْفَتَاةُ تَنْظُرُ إِلَيْهَا بِتَبْجِيلٍ.


الصُّورَةُ قَوِيَّةٌ جِدًّا. الْفَلْسَفَةُ ضَعِيفَةٌ أَمَامَ الصُّورَةِ. عِنْدَمَا نَذْهَبُ إِلَى السُّوقِ لِشِرَاءِ الْفَوَاكِهِ وَالْخُضْرَوَاتِ، نُفَكِّرُ فِي الْأَسْعَارِ، لَا فِيمَنْ خَلَقَ تِلْكَ الْفَوَاكِهَ وَالْخُضْرَوَاتِ. نَنْظُرُ إِلَى دَاخِلِ ثَلَّاجَتِنَا بِبُطُونِنَا، لَا بِقُلُوبِنَا وَأَرْوَاحِنَا. عِنْدَمَا نَفْتَحُ خِزَانَةَ مَلَابِسِنَا، لَا نُفَكِّرُ فِيمَنْ خَلَقَ الصُّوفَ وَالْقُطْنَ وَالْحَرِيرَ، إِلَخْ. لَا نُفَكِّرُ فِي بَصَرِنَا وَسَمْعِنَا حَتَّى تَأْلَمَ أَعْيُنُنَا وَآذَانُنَا. لَا نُفَكِّرُ فِي قَلْبِنَا حَتَّى نَمْرَضَ. لَا نُفَكِّرُ فِي الْمَوْتِ حَتَّى نَقْتَرِبَ مِنْهُ جِدًّا. وَنَحْنُ جَمِيعًا نَخَافُ الْمَوْتَ. وَمَعَ ذَلِكَ، هُنَاكَ حَيَاةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ. قَالَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ، ثُمَّ يُنَزِّلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ".

 

10

 

مَا الَّذِي نَظُنُّ أَنَّنَا نَعْرِفُهُ عَنِ اللَّهِ؟ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَيْسَ بِقَدْرِ مَا يَعْرِفُهُ هُوَ عَنَّا. أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ قَوْلُهُ هُوَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُقَاسُ بِهِ أَحَدٌ. لَا يَتَغَيَّرُ: نَفْسُ الْقُدْرَةِ كَمَا كَانَتْ، نَفْسُ الْعِلْمِ اللَّامُتَنَاهِي، نَفْسُ الْيَقَظَةِ، نَفْسُ الدَّوَامِ، نَفْسُ الْأُلُوهِيَّةِ. اللَّهُ إِلَهٌ. وَالْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ. اللَّهُ وَاحِدٌ. وَالْإِنْسَانُ كَثِيرٌ جِدًّا. لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ حَتَّى أَنْ يَكُونَ سَيِّدًا عَلَى كَوْكَبِ الْأَرْضِ. وَحِينَ يَنْسَى هَذِهِ الْحَقِيقَةَ، وَيَتَصَرَّفُ كَأَنَّهُ اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَرَدَّدُ فِي تَذْكِيرِهِ بِأَنْوَاعِ الْبَلَايَا وَالْمُصَائِبِ. وَمَعَ ذَلِكَ يَبْقَى اللَّهُ ﴿غَفُورًا وَدُودًا﴾ [هود: ٩٠]. ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. هَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَةُ. بَلْ إِنَّ اللَّهَ يَعْتَنِي بِمَشَاعِرِنَا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ عَقِيدَتِنَا. فِي الْقُرْآنِ نَقْرَأُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].

 

إِذَنْ، فَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ لَا يُرِيدَ اللَّهُ مِنَّا أَنْ نَكُونَ غَيْرَ مُبَالِينَ بِهِ. وَمَهْمَا فَعَلْنَا، فَإِنَّ إِيمَانَنَا بِاللَّهِ سَيَظَلُّ مَحْدُودًا، وَكَذَلِكَ شُكْرُنَا لَهُ. لَا نَسْتَطِيعُ أَبَدًا أَنْ نُكَافِئَ وَالِدَيْنَا عَلَى إِحْسَانِهِمَا، فَمَا بَالُكَ بِاللَّهِ؟ لَكِنْ إِنْ لَمْ نَبْذُلْ جُهْدَنَا لِنَكُونَ شَاكِرِينَ لِلَّهِ، فَمَنْ نَشْكُرُ؟

 

اللَّهُ عَظِيمٌ وَيُرِيدُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا أَيْضًا: بِأَنْ تَكُونَ فَضَائِلُهُ أَكْثَرَ مِنْ رَذَائِلِهِ، وَأَنْ تَكُونَ لَهُ قِيَمٌ عُظْمَى، وَأَنْ يَعِيشَ بِحَسَبِ قِيَمِهِ، وَأَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ. قَالَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [الْقَلَمِ: ٤]. الشُّكْرُ قِيمَةٌ عُظْمَى. السُّجُودُ لِلَّهِ مَثَلًا، هُوَ شَرَفٌ لِلْإِنْسَانِ، لَيْسَ تَحْقِيرًا أَوْ إِذْلَالًا. السُّجُودُ هُوَ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وَسُمُوٌّ لِسُلُوكِ الْمُؤْمِنِ وَرُوحِهِ.

 

حِينَ أُومِنُ بِاللَّهِ، فَإِنَّمَا أَشْهَدُ عَلَى حَقِيقَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهَا، مُسْتَقِلَّةٍ عَنِّي. أَنَا فَقَطْ أُقِرُّ بِحَقِيقَةٍ - سَوَاءٌ وُجِدْتُ أَنَا أَمْ لَمْ أُوجَدْ، سَوَاءٌ آمَنْتُ أَمْ لَمْ أُومِنْ. قَبْلَ غَالِيلِيُو (١٥٦٤-١٦٤٢ م)، كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْأَرْضَ مُسَطَّحَةٌ. قَبْلَ هَابِلْ (١٨٨٩-١٩٥٣ م)، كَانَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِي الْكَوْنِ مَجَرَّةً وَاحِدَةً. مَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْهِشَنَا هُوَ أَنَّ هَذَا الدِّمَاغَ الصَّغِيرَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي رُؤُوسِنَا (الصَّغِيرَةِ) قَدْ عَرَفَ حَتَّى الْآنَ الْكَثِيرَ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ. أَمَّا مَا لَا نَسْتَطِيعُ مَعْرِفَتَهُ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ. يَجِبُ أَنْ نُقِرَّ بِأَنَّنَا ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٥]. وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يُرِيدُ اللَّهُ مِنَّا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ تَقْلِيدًا أَعْمَى.

 

حَتَّى لَوْ كُنَّا كُسَالَى، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْنَا الْوَقْتُ أَوِ الْإِمْكَانِيَّاتُ، فَلَا ضَرُورَةَ لِلسَّفَرِ إِلَى أَمَاكِنَ بَعِيدَةٍ لِلتَّأَمُّلِ. فِي أَقْرَبِ سُوقٍ إِلَيْنَا، نَجِدُ أَصْنَافًا لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى مِنَ الْفَوَاكِهِ الْمَحَلِّيَّةِ وَالْمُسْتَوْرَدَةِ، مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ وَالطُّعُومِ. لَكِنَّنَا كَثِيرًا مَا نَعْتَبِرُ ذَلِكَ أَمْرًا مَفْرُوغًا مِنْهُ. قَدْ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُؤْمِنُ الْجَيِّدُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَغُوصَ فِي الْبَحْرِ وَيَرَى بِنَفْسِهِ الْحَيَاةَ الْمُدْهِشَةَ لِلْأَسْمَاكِ وَالنَّبَاتَاتِ الْبَحْرِيَّةِ. قَدْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَكْشِفَ غَابَةَ الْأَمَازُونِ وَغَيْرَهَا مِنَ الْغَابَاتِ، أَوْ أَنْ يَتَجَوَّلَ وَيَتَسَلَّقَ الْجِبَالَ الشَّاهِقَةَ أَوِ الْأَنْهَارَ الْجَلِيدِيَّةَ، وَيَرَى كَيْفَ يَعِيشُ النَّاسُ وَالْحَيَوَانَاتُ وَالنَّبَاتَاتُ هُنَاكَ. قَدْ لَا يَكُونُ طَبِيبَ أَعْصَابٍ أَوْ طَبِيبَ قَلْبٍ أَوْ عَالِمَ نَبَاتَاتٍ، لَكِنَّهُ حِينَ يَجْلِسُ أَمَامَ شَاشَةِ التِّلْفَازِ أَوْ نَحْوِهَا، وَيُشَاهِدُ أَفْلَامًا وَثَائِقِيَّةً أَوْ يَقْرَأُ كُتُبًا، فَلَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ إِلَّا أَنْ يُسَبِّحَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ. مِنْ مَكَانِهِ الْآمِنِ فِي بَيْتِهِ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي الْفَضَاءِ الشَّاسِعِ مِنْ فَوْقُ، وَفِي تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي تَعِيشُ فِي الْبَرَارِي بَيْنَ الْوُحُوشِ الْمُفْتَرِسَةِ، وَفِي أُولَئِكَ النَّاسِ الْمُنْعَزِلِينَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي ظُرُوفٍ مُنَاخِيَّةٍ قَاسِيَةٍ فِي بِلَادٍ غَيْرِ مَوْضُوعَةٍ عَلَى الْخَرَائِطِ، أَوْ يَتَأَمَّلُ فِي خَلَايَا جَسَدِهِ هُوَ... الدُّرُوسُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ هَذِهِ التَّأَمُّلَاتِ لَا تَزِيدُ الْمُؤْمِنَ إِلَّا قُوَّةً. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. إِنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَتَأَمَّلُ هَكَذَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ اللَّامُتَنَاهِيَةِ وَعِلْمِهِ اللَّامُتَنَاهِي لَا يَزْدَادُ إِلَّا قُوَّةً. وَحِينَ تَكُونُ الظُّرُوفُ أَقْوَى مِنْهُ (مِثْلَ مُصِيبَةٍ شَخْصِيَّةٍ، أَوْ حَرْبٍ، أَوْ بَطَالَةٍ حَادَّةٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ تَضَخُّمٍ مُفَاجِئٍ...)، وَيُحِيطُ بِهِ الشَّيْطَانُ وَأَعْوَانُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، عِنْدَهَا يُنْقِذُهُ هَذَا الْعِلْمُ الثَّمِينُ بِاللَّهِ، وَلَوْ لِمُجَرَّدِ تَجَاوُزِ الْأَزْمَةِ رَيْثَمَا يَسْتَعِيدُ قُوَّتَهُ النَّفْسِيَّةَ. وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ "شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ". يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٢]. ﴿يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٧-٢٨].

 

تَفَكَّرْ فِي هَذَا. كَمْ مَرَّةٍ تَعِبْتَ، أَوْ مَرِضْتَ، أَوِ انْهَارَتْ مَعْنَوِيَّاتُكَ، أَوِ احْتَبَسْتَ؟ رُبَّمَا مَرَّاتٍ قَلِيلَةً أَوْ عَدَّةَ مَرَّاتٍ. لَكِنْ كَمْ مَرَّةٍ نَجَحْتَ فِي إِيقافِ لَيَالِيكَ وَأَيَّامِكَ مِنْ أَنْ تَتَآكَلَ كَمَا تَتَآكَلُ مُدَّخَرَاتُ الْعَاطِلِ عَنِ الْعَمَلِ؟ لَمْ تَنْجَحْ أَبَدًا. نَحْنُ ضُعَفَاءُ. نَحْنُ فَانُونَ. اللَّهُ إِلَهٌ. اللَّهُ لَيْسَ مِثْلَنَا. يَبْدُو هَذَا وَاضِحًا، لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْأَقَلِّ، لَكِنَّنَا كَثِيرًا مَا نَنْسَاهُ حِينَ نَكُونُ فِي رَخَاءٍ.

 

لِنَفْتَرِضْ أَنِّي اسْتَيْقَظْتُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَفَكَّرْتُ فِي الصُّورَةِ الْكُلِّيَّةِ، لَيْسَ فَقَطْ فِي هُمُومِي الْيَوْمِيَّةِ وَرُوتِينِي، فَمَاذَا سَأَشْعُرُ؟ حَسَنًا، أَوَّلُ شَيْءٍ، حَتَّى لَوْ عَبَدْتُ اللَّهَ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ مَازَالَ مَشْغُولًا بِبَقِيَّةِ الْعَالَمِ - طَوَالَ الْوَقْتِ. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥]. عِنْدَ اللَّهِ، الْأَمْرُ كُلُّهُ نَهَارٌ. حَتَّى لَوْ بَذَلْتُ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْجُهْدِ الَّذِي لَا يَهْتَمُّ بِهِ كَثِيرُونَ، فَمَاذَا سَيُضِيفُ ذَلِكَ لِلَّهِ؟ الْأَمْرُ كُلُّهُ رَمْزِيٌّ، وَاللَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٧] (وَجَاءَ بِمَعْنَى قَرِيبٍ فِي آخِرِ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فَاطِر: ٣٠] - وَشَكُورٌ بِمَعْنَى قَبُولِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ وَالْمُجَازَاةِ عَلَيْهِ). إِنَّهَا عَلَاقَةُ مَحَبَّةٍ. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [الْبُرُوجِ: ١٤]. حَتَّى أَفْضَلُ تَعْبِيرٍ عَنِ الشُّكْرِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُكَافِئَ اللَّهَ عَلَى أَدْنَى نِعَمِهِ. أَنَا مَدِينٌ لِلَّهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، بِحَيَاتِي وَمَا فَوْقُ. إِنْ كُنْتُ جَمِيلًا، فَاللَّهُ جَعَلَنِي كَذَلِكَ. إِنْ كُنْتُ قَوِيًّا، فَهُوَ أَعْطَانِي الْقُوَّةَ. إِنْ كُنْتُ ذَكِيًّا، فَهُوَ وَهَبَنِي الذَّكَاءَ. إِنْ كُنْتُ غَنِيًّا، فَهُوَ رَزَقَنِي. إِنِ اشْتَهَرْتُ، فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَنِي كَذَلِكَ. إِنْ كُنْتُ أَنْتَمِي إِلَى دَوْلَةٍ غَنِيَّةٍ وَدِيمُقْرَاطِيَّةٍ وَقَوِيَّةٍ، فَهَذَا أَيْضًا فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ. أَيًّا كُنْتُ، وَفِي أَيِّ حَالَةٍ كُنْتُ، فَبِفَضْلِ اللَّهِ. كُلُّ خَيْرٍ أَفْعَلُهُ، فَبِفَضْلِهِ، وَبِإِذْنِهِ. نَقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ٥٣]. وَهَذَا يَشْمَلُ عِبَادَةَ اللَّهِ نَفْسَهَا! ﴿وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فَاطِر: ٣٢].

 

لِلَّهِ أَدِينُ بِحَيَاتِي، فَلَهُ الْحَمْدُ وَأَسْجُدُ. لَهُ وَبِهِ أَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

 

سُؤَالٌ: إِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِيَّ مَمْلُوكًا لِلَّهِ، فَمَاذَا يَبْقَى لِي لِأَفْتَخِرَ بِهِ؟ مَاذَا أَفْعَلُ فِي هَذَا الْعَالَمِ؟ مَا قِيمَتِي كَكَائِنٍ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ؟ حَسَنًا، أَنَا مُدَرِّسٌ. لَا أَمْلِكُ الْمَدْرَسَةَ حَيْثُ أَعْمَلُ. لَكِنْ يُمْكِنُنِي أَنْ أُؤَدِّيَ عَمَلِي عَلَى وَجْهِهِ الصَّحِيحِ؛ يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْتَمْتِعَ بِحَيَاتِي كَمُدَرِّسٍ؛ أَحْصُلُ عَلَى رَاتِبِي وَأَشْتَرِي مَا أَحْتَاجُهُ. وَيُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ سَعِيدًا بِذَلِكَ. كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ لَا يَمْلِكُونَ بُيُوتَهُمْ وَلَا يَرَوْنَ فِي ذَلِكَ مُشْكِلَةً. هَلْ تَرَى قَصْدِي؟

 

هَلْ أَمْلِكُ، مَثَلًا، بَصَرِي وَسَمْعِي؟ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يُونُسَ: ٣١]. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٤٦].

 

هَلْ أَمْلِكُ جَسَدِي؟ يَقُولُ الرَّحْمَنُ: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨]. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الرُّومِ: ٥٤]. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النَّحْلِ: ٧٠]. ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢].

 

هَلْ "نَمْلِكُ" "مَاءَنَا"؟ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾ [الْمُلْكِ: ٣٠].

 

هَلْ نَمْلِكُ زُرُوعَنَا؟ مَاذَا لَوْ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ، أَوْ مُجَرَّدَ جَفَافٍ لِبِضْعَةِ أَشْهُرٍ؟ اِقْرَأْ إِنْ شِئْتَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٣].

 

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٧١-٧٢]. ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الْفَتْحِ: ١١]. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الْمُلْكِ: ٢٠].

 

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣]. ﴿وَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٦٩].

 

نَعَمْ، عِنْدَ كَثِيرِينَ لَا عَلَاقَةَ لِلَّهِ بِحَيَاتِنَا أَوْ نَجَاحِنَا. لَكِنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْرِفُوا كَيْفَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ شُكْرِهِمْ لَهُ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ.

 

حَسَنًا، إِنْ كُنْتُ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُكَافِئَ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ، فَلَا يَزَالُ يُمْكِنُنِي أَنْ أَبْذُلَ جُهْدِي. إِنَّ الْقُرْآنَ مَلِيءٌ بِأَمْثِلَةٍ لِمَا يُمْكِنُنِي فِعْلُهُ لِلْعِبَادَةِ. وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ، يُمْكِنُنِي أَنْ أُقَدِّمَ هَذَا الشُّكْرَ إِلَى الْآخَرِينَ - إِلَى الْبَشَرِيَّةِ - بِخِدْمَةِ النَّاسِ. إِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ، لَا لِنَفْسِهِ، بَلْ لِعِبَادِهِ - مُؤْمِنِيهِمْ وَكَافِرِيهِمْ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣]. ﴿اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النُّورِ: ٣٨]، أَيْ يَرْزُقُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٠]. وَمَعَ ذَلِكَ، يُعْطِينِي اللَّهُ، كَمُؤْمِنٍ، الْفُرْصَةَ (وَالشَّرَفَ) لِأَنْ أَفْعَلَ الْخَيْرَ، وَأَتَصَدَّقَ، إِنِ اسْتَطَعْتُ، عَلَى عِبَادِهِ، حُبًّا فِيهِ، كَعَلَامَةِ شُكْرٍ لَهُ، وَلَا أَقُولُ مِثْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، الَّذِينَ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ٤٧].

 

أَيْضًا، قَدْ أَقُومُ بِدِرَاسَاتٍ عُلْيَا صَعْبَةٍ، وَأَكْتَسِبُ خِبْرَاتٍ شَيِّقَةً، ثُمَّ أَحْصُلُ عَلَى وَظِيفَةٍ مُرْتَفَعَةِ الْأَجْرِ وَأَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. فَإِذَا فَقَدْتُ تِلْكَ الْوَظِيفَةَ فِي خِلَالِ رُكُودٍ اقْتِصَادِيٍّ، فَمَاذَا أَفْعَلُ؟ قَدْ أُعَانِي مُشْكِلَةً اجْتِمَاعِيَّةً أَوْ صِحِّيَّةً خَطِيرَةً تَمْنَعُنِي مِنْ إِتْمَامِ تَعْلِيمِي وَالْحُصُولِ عَلَى الْوَظِيفَةِ الَّتِي أَحْلُمُ بِهَا: فَمَاذَا أَفْعَلُ إِذَنْ؟ بِالطَّبْعِ، الْإِيمَانُ لَنْ يَأْتِيَنِي بِحَلٍّ مَادِّيٍّ لِمُشْكِلَةٍ مَادِّيَّةٍ، عَلَى الْأَقَلِّ لَيْسَ فَوْرًا، إِلَّا فِي حَالَةِ "الْمُضْطَرِّ" إِذَا "دَعَا" رَبَّهُ (الْآيَةُ ٦٢ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ). مُجَرَّدُ أَنِّي "قِدِّيسٌ" لَا يَعْنِي أَنِّي سَأَمْشِي عَلَى الْمَاءِ أَوْ أَدْخُلُ مِنْ ثَقْبِ فَأْرٍ. لَكِنَّ حَقِيقَةَ أَنِّي أُومِنُ بِأَنَّ رِزْقِي وَعُمْرِي وَكُلَّ مَا فِيَّ بِيَدِ اللَّهِ، إِلَهِ الْعَالَمِينَ، تَمْنَحُنِي شَيْئًا مِنَ السَّكِينَةِ، شُعُورًا بِالْأَمَانِ. حِينَ يَرْفُضُ شَخْصٌ مَا تَوْظِيفِي، أَوْ يُسَرِّحُنِي مِنَ الْعَمَلِ، أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مُجَرَّدُ ابْتِلَاءٍ لِي، وَأَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ أَوْ تِلْكَ الشَّرِكَةَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْنَعَنِي مِمَّا أُرِيدُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. كُلُّنَا نَحْتَاجُ إِلَى نَوْعٍ مَّا مِنَ الْحِمَايَةِ. لَقَدْ أُنْشِئَتِ النَّقَابَاتُ الْعُمَّالِيَّةُ لِهَذَا الْغَرَضِ. كَذَلِكَ، صُمِّمَتِ الرِّعَايَةُ الصِّحِّيَّةُ وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمُسَاعَدَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْغَايَةِ. وَفَوْقَ ذَلِكَ، إِنَّ أَسْخَى خُطَّةِ إِغَاثَةٍ، وَأَلْطَفَ مُسَاعَدَةٍ حُكُومِيَّةٍ، هِيَ مُحَدَّدَةٌ بِزَمَنٍ. لَكِنْ عِنْدَمَا نَتَضَايَقُ بِسَبَبِ إِيجَارَاتٍ يَجِبُ دَفْعُهَا، أَوْ طَعَامٍ يَجِبُ شِرَاؤُهُ لِلْأَطْفَالِ... فَمِنَ الطَّبِيعِيِّ، وَمِنَ الْإِنْسَانِيِّ، أَنْ نَطْلُبَ الْمُسَاعَدَةَ مِنَ الْبَشَرِ. كُلُّنَا نَحْتَاجُ إِلَى الْحِمَايَةِ. لَكِنْ مَا الْمُشْكِلَةُ إِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ حَامِيَّ، حَامِينَا؟ عَلَى الْعَكْسِ، هَذَا هُوَ أَفْضَلُ تَأْمِينٍ لَنَا! يَقُولُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٧]. ﴿قُلْ لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٠]. ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣]. إِذَنْ، كُلُّ مَا يُصِيبُنِي، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا، يُفْتَرَضُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ، وَتَذْكِيرٌ لَطِيفٌ وَرَفِيقٌ بِي. لِذَا يَنْبَغِي أَنْ أُفَكِّرَ فِي الْآخَرِينَ كَمَا أُفَكِّرُ فِي نَفْسِي. إِنْ تَمَكَّنْتُ مِنْ كَبْحِ جَشَعِي وَأَنَانِيَّتِي، فَذَلِكَ خَيْرٌ لِي. يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٩].

 

هَلْ رَأَيْتَ عُشًّا قَطُّ؟ هَلْ تَأَمَّلْتَ فِيهِ؟ إِذَا اعْتَنَى رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ بِنَسْلِهِمَا، فَقَدْ يَأْمُلَانِ الِاسْتِفَادَةَ مِنْهُمْ فِي شَيْخُوخَتِهِمَا. لَكِنْ عِنْدَمَا يَبْذُلُ زَوْجَانِ مِنَ السُّنُونُو جُهْدًا كَبِيرًا لِبِنَاءِ عُشٍّ، ثُمَّ يَبْذُلَانِ الْجُهْدَ لِإِطْعَامِ فِرَاخِهِمَا وَحِمَايَتِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الْفِرَاخَ سَتَكْبُرُ وَتُصْبِحُ كَامِلَةَ النُّمُوِّ وَتَطِيرُ. مَنْ سَيُكَافِئُ الْوَالِدَيْنِ إِذَنْ عَلَى لُطْفِهِمَا؟ إِنَّ هَذِهِ لَرَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ. فِي الْحَدِيثِ نَقْرَأُ: "إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ".

 

هَذَا حِينَ أَقْدِرُ عَلَى الْعَطَاءِ؛ فَمَاذَا عَنْ حِينِ أَكُونُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْمُسَاعَدَةِ؟ حَسَنًا، حِينَ تَرَى سِرْبًا مِنَ السَّنُونُو، هَلْ يُمْكِنُكَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمْ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ مَنْ هَذَا مِنْ ذَاكَ؟ يَقُولُ اللَّهُ الْحَقُّ: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨]. إِلَّا إِذَا اسْتَخْدَمْنَا كَامِيرَاتٍ خَاصَّةً، فَإِنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمْ، لَكِنَّ تِلْكَ السَّنُونُو تَعْرِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا، بِوَجْهٍ أَوْ بِآخَرَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَعْرِفُ رَبَّهُ. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النُّورِ: ٤١]. وَبِالْمِثْلِ، عِنْدَمَا أَسْتَيْقِظُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَذْهَبُ إِلَى الْمَطْبَخِ لِأَحْضُرَ كَأْسَ مَاءٍ، مَنْ يَدْرِي بِذَلِكَ؟ إِذَا صَلَّيْتُ لِلَّهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، مَنْ يَدْرِي بِذَلِكَ؟ لَا أَحَدَ إِلَّا اللَّهُ، الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٥]. ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢]. ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يُونُسَ: ٦١]. ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هُودٍ: ٣]. نَعَمْ، قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: لَكِنَّ هَذَا مَا زَالَ لَا يُجِيبُ عَلَى السُّؤَالِ! مَاذَا عَنْ حِينِ أَكُونُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْمُسَاعَدَةِ؟

 

حَسَنًا، عِنْدَمَا أَفْعَلُ شَيْئًا جَيِّدًا، فَأَنَا أُقِيمُ اتِّصَالًا مُبَاشِرًا مَعَ رَبِّي، مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. أُظْهِرُ عِنَايَتِي بِاللَّهِ، فَيَعْنَى بِي - حَتَّى عِنْدَمَا، بِسَبَبِ مَآسِيَّ الَّتِي لَا تَنْتَهِي، يُسَاوِرُنِي شُعُورٌ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ نَسِيَنِي تَمَامًا. الْحَقِيقَةُ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْفَرَجُ أَوْ كَيْفَ سَيَكُونُ. حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ لَا يَعْلَمُونَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ﴾ [يُوسُفَ: ١١٠]. قَالَ اللَّهُ هَذَا لِنَبِيِّهِ الْأَخِيرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَمَا بَالُنَا نَحْنُ الَّذِينَ نَسْرَعُ إِلَى الْيَأْسِ؟

 

الِابْتِلَاءُ لَيْسَ سَهْلًا. لَيْسَ سَهْلًا أَنْ تَرَى النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ بِاحْتِقَارٍ لِأَنَّكَ عَاطِلٌ عَنِ الْعَمَلِ، أَوْ أَعْزَبُ، أَوْ مَرِيضٌ، أَوْ أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ. لَيْسَ سَهْلًا أَنْ تَرَى النَّاسَ يَتَخَلَّوْنَ عَنْكَ فِي سَاعَةِ عُسْرِكَ. لَيْسَ سَهْلًا أَنْ تَرَى جَمِيعَ الْأَبْوَابِ مُوصَدَةً فِي وَجْهِكَ. إِنَّهُ لَمُؤْلِمٌ أَنْ تَرَى نَفْسَكَ كَطَائِرٍ بِلَا جَنَاحٍ وَلَا ذَيْلٍ. لَيْسَ سَهْلًا أَنْ تَشْعُرَ بِالْوَحْدَةِ. لَكِنَّ الِابْتِلَاءَ لَيْسَ سَوَاءً عَلَى الْجَمِيعِ. كَمَا فِي الْحَدِيثِ، قَالَ رَجُلٌ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟" قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ لَهُ فِي الْبَلَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ". وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ". قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، صَاحِبُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا. قَالَ: أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ. قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا".

 

إِنَّ اللَّهَ لَا يَبْتَلِي أَحَدًا إِلَّا لِحِكْمَةٍ هُوَ وَحْدَهُ يَعْلَمُهَا. الِابْتِلَاءُ يَعْنِي الْخَسَارَةَ وَالْمُعَانَاةَ. لَكِنْ هَلِ الْمَصَائِبُ تَحِلُّ فَقَطْ بِالْمُؤْمِنِينَ الْأَقْوِيَاءِ؟ مَاذَا عَنِ النَّاسِ الْعَادِيِّينَ، مُؤْمِنِينَ كَانُوا أَمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ تَضْرِبُهُمُ الْفَيَضَانَاتُ، وَالْجَفَافُ، وَالْحَرَائِقُ، وَالْحُرُوبُ، وَالْأَوْبِئَةُ، وَالْبَطَالَةُ، وَالتَّضَخُّمُ...؟

 

فِي الْقُرْآنِ نَقْرَأُ: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٤]. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢-٣]. ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٠]. ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٧].

 

إِنَّهُ هَذَا الرَّجَاءُ (فِي نَيْلِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ) هُوَ مَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَكْنِزَهُ. يُذَكِّرُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ ﴿رَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢]. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٤]. هَذَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَحْدَهُمْ. حَتَّى لَوْ حَصَلْتُ عَلَى كُلِّ مَا أُرِيدُ، لَمَا كَانَتْ سَعَادَتِي كَامِلَةً أَوْ لَمْ يَنْبَغِ لَهَا أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً فِي عَالَمٍ لَسْتُ وَحِيدًا فِيهِ، فِيهِ مَلَايِينُ الْمُشَرَّدِينَ، وَالْأَيْتَامِ، وَالْأُمَّهَاتِ الْعَازِبَاتِ بِلَا دَخْلٍ...

 

عَلَى أَنَّ لِلِابْتِلَاءِ ثَوَابًا. حِينَ تَنْجَحُ فِي الِامْتِحَانِ، تَرْبَحُ - فِي النِّهَايَةِ - حَيَاةَ الدُّنْيَا وَحَيَاةَ الْآخِرَةِ كِلْتَيْهِمَا. إِنْ كُنْتُ لَا أُبَالِي بِالْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُرِيدُ النَّجَاحَ الدُّنْيَوِيَّ وَالسَّعَادَةَ وَالْفَرَحَ وَالْمُتْعَةَ الْأَبَدِيَّةَ هُنَا وَالْآنَ، فَلِمَاذَا يَعْنَى بِيَ اللَّهُ؟

 

يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٢]. ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٨].

11

 

إِنَّه خِطابٌ ديني، نَعَم، هَذَا وَعْظٌ، لا جِدال. لَكِنَّ ٱلْحَقِيقَةَ هِيَ أَنَّ حَتَّى أُولَئِكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْآخِرَةِ لَيْسُوا عَلَى يَقِينٍ تَامٍّ بِمَا سَيَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُهُمْ بَعْدَ ٱلْمَوْتِ.

 

فَحَتَّى لَوْ لَمْ يَرَكَ بَائِعُ ٱلْمُثَلَّجَاتِ، فَلَا يَسَعُكَ أَنْ تَأْخُذَ ٱلْمُثَلَّجَةَ وَتَذْهَبَ. هُوَ يُعْطِيكَ مَا تَرْغَبُ، فَتُعْطِيهِ حَقَّهُ. وَلَوْ لَمْ يَطْلُبِ ٱللَّهُ مِنَّا شَيْئًا قَطُّ، لَظَلَّ وَاجِبًا عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ شَاكِرِينَ لَهُ عَلَى كُلِّ مَا أَعْطَانَا. ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً؟﴾ [لقمان: ٢٠].

 

كَمْ مِنَ ٱلنَّاسِ مَنْ يَعْرِفُ نَهْرَ "مِسِيسِيبِي"؟ كَمْ مِنْهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ٱلرَّوَافِدَ ٱلَّتِي تَغْذِي مِسِيسِيبِي أَوِ ٱلْأَمَازُونَ أَوِ ٱلنِّيلَ؟ مُعْظَمُ ٱلنَّاسِ إِمَّا لَا يَعْلَمُونَ أَوْ لَا يَكْتَرِثُونَ. لَكِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَيَكْتَرِثُ. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [ٱلْأَنْعَام: ٥٩]. فَقُلْ هَذَا لِلْخُبَرَاءِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ تَخْزِينَ ٱلْبَيَانَاتِ يُصْبِحُ تَحَدِّيًا مُتَزَايِدًا بِسَبَبِ ٱلتَّوَسُّعِ فِي ٱلْإِنْتَرْنَت.

 

كَثِيرُونَ قَدْ يَتَصَوَّرُونَ ٱلْمَاضِيَ وَٱلْمُسْتَقْبَلَ، لَكِنَّ ٱلتَّصَوُّرَ لَا يُسَاوِي ٱلْحَقِيقَةَ. يَقُولُ ٱللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. فَٱللَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ فَحَسْبُ، بَلْ يَعْلَمُ. فَعِنْدَ كِتَابَةِ رِوَايَةٍ مَثَلًا، قَدْ يَنْسَى ٱلرِّوَائِيُّ تَفْصِيلًا مَّا. قَدْ يَنْسَى أَنَّ إِحْدَى شَخْصِيَّاتِهِ كَانَتْ تَمْتَلِكُ حِصَانًا، أَوْ قُبَّعَةً، أَوْ أَنَّهَا تَلَقَّتْ مُكَالَمَةً هَاتِفِيَّةً. لَكِنَّ ٱللَّهَ لَا يَنْسَى شَيْئًا. ﴿...وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢]. ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلْأَرْضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].

 

قَدْ لَا يَعْرِفُ ٱلْبَشَرُ أَبَدًا ٱلشَّخْصَ ٱلَّذِي أَشْعَلَ حَرِيقَ ٱلْغَابَاتِ ٱلْمُدَمِّرَ ذَاكَ، أَوِ ٱلْأَشْخَاصَ ٱلْجَشِعِينَ ٱلَّذِينَ سَاهَمُوا فِي حُدُوثِ جَفَافٍ فِي مَكَانٍ مَّا بِسَبَبِ إِزَالَةِ ٱلْغَابَاتِ ٱلْهَوْجَاءِ وَقَطْعِ ٱلْأَشْجَارِ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ قَانُونِيَّةٍ. لَكِنَّ ٱللَّهَ يَعْرِفُهُمْ جَمِيعًا. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. قَدْ لَا تَعْرِفُ ٱلدَّوْلَةُ جَمِيعَ ٱلْمُوَاطِنِينَ ٱلْمُحْتَاجِينَ إِلَى مَسَاعَدَةٍ عَاجِلَةٍ. أَمَّا ٱللَّهُ فَيَعْلَمُهُمْ جَمِيعًا. يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا. إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٩-٣٠].

 

قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ لِمَاذَا لَا يَنْجَدُ ٱللَّهُ لِمَنْ هُمْ فِي حَاجَةٍ مُلِحَّةٍ، يَنْبَغِي أَنْ تَسْأَلَ: لِمَاذَا يُعْنَى ٱللَّهُ بِإِحْصَاءِ كُلِّ وَرَقَةٍ تَسْقُطُ، وَكُلِّ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْأَرْضِ، وَكُلِّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ فِي مَكَانٍ لَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، حَيْثُ ٱلْحَيَاةُ مُسْتَحِيلَةٌ؟ قَدْ نَسْتَوْعِبُ لِمَاذَا يُحْصِي ٱللَّهُ عَلَيْنَا أَخْفَى أَفْكَارِنَا وَأَصْغَرَ أَعْمَالِنَا. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿... لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]. ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. لَكِنَّ أَيَّ كِتَابٍ يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَوِيَ هَذَا ٱلْكَمَّ ٱلْهَائِلَ مِنَ ٱلْمَعْلُومَاتِ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱلْحَيَوَانَاتِ وَٱلنَّبَاتَاتِ وَٱلْأَنْهَارِ وَٱلْجِبَالِ وَٱلصَّحَارِي وَٱلْأَنْهَارِ ٱلْجَلِيدِيَّةِ وَٱلسُّحُبِ وَٱلزُّرُوعِ وَسُبُلِ ٱلْعَيْشِ – وَلَمْ نَذْكُرْ سِوَى كَوْكَبِنَا ٱلْأَرْضِ...؟ أَيُّ ذَكَاءٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعَالِجَ كُلَّ هَذِهِ ٱلْبَيَانَاتِ؟ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ [إبراهيم: ٥١]. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاءِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].

 

وَلِمَاذَا كُلُّ هَذَا؟ أَحَدُ ٱلْأَسْبَابِ ٱلْمُحْتَمَلَةِ هُوَ أَنَّ هَذِهِ ٱلْبَيَانَاتِ جُزْءٌ مِنْ فَيْضِ ٱللَّهِ، ٱللَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَارَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ. وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٢-٣٤].

 

عِنْدَمَا أَتَأَمَّلُ فِي هَذَا أَسْأَلُ نَفْسِي: مَهْلًا، إِنْ كَانَ ٱللَّهُ يَعْنَى كَثِيرًا بِكَثِيرٍ، بِكَثِيرِينَ، وَبِشَخْصِي أَنَا ٱلْمُتَوَاضِعِ، فَكَيْفَ لَا أَعْنَى أَنَا بِهِ؟ بِأَيِّ وَجْهٍ سَأَعُودُ إِلَى ٱللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا عَنِّي؟ هَلْ سَيَفْرَحُ بِرُجُوعِي إِلَيْهِ؟ هَلْ سَيَسُرُّهُ أَنْ يَرَانِي مَرَّةً أُخْرَى؟ أَقْرَأُ فِي ٱلْقُرْآنِ: ﴿أُوْلَئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. أَلَيْسَ حَرِيًّا بِي أَنْ أَعْنِيَ بِٱللَّهِ ٱلْآنَ لِكَيْ يَعْنِيَ بِي حِينَئِذٍ؟ يَقُولُ ٱللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿نَسُوا ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: ١٢٦]. إِذَا أَعْجَبَتْنِي أُغْنِيَةٌ مَثَلًا، قَدْ أُغْرَى بِتَكْرَارِهَا طُولَ ٱلنَّهَارِ، لَكِنْ مَا بَالِي بِٱللَّهِ ٱلَّذِي يَقُولُ: ﴿فَٱذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ نَسُوا ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١].

 

حِينَ نُبْتَلَى بِمِحْنَةٍ نُفَكِّرُ فَوْرًا فِي ٱلْمَخْرَجِ. لَكِنَّ ٱلْبَلَاءَ – وَٱلْمُفَارَقَةُ عَجِيبَةٌ – يَكُونُ فِي صَالِحِ ٱلْإِنْسَانِ. فَهُوَ يَهْدِفُ إِلَى فَتْحِ أَعْيُنِنَا عَلَى حَقِيقَةِ وُجُودِنَا فِي هَذَا ٱلْعَالَمِ. لِذَلِكَ يَقُولُ ٱللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي ٱلْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. بِمَعْنًى آخَرَ، يُرِيدُ ٱللَّهُ أَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ شَهَوَاتِنَا وَأَوْهَامِنَا. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ [محمد: ١٤].

 

قَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: إِنْ كَانَ ٱللَّهُ بِهَذِهِ ٱلْحِدَّةِ فِي تَشَدُّدِهِ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِنْصَافِ، فَلِمَ جَعَلَ ٱلنَّاسَ مُخْتَلِفِينَ إِلَى هَذَا ٱلْحَدِّ فِي ٱللَّوْنِ وَٱلصِّحَّةِ ٱلْجَسَدِيَّةِ وَٱلْهَيْئَةِ وَظُرُوفِ ٱلْعَيْشِ ٱلْمَادِّيَّةِ إِلَى آخِرِ ذَلِكَ؟ نَعَمْ، إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ وَرَاءَ هَذِهِ ٱلِٱخْتِلَافَاتِ. يَقُولُ تَبَارَكَ ٱسْمُهُ: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]. إِذَنْ، ٱلِٱخْتِلَافَاتُ كَائِنَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا، فَسَتَكُونُ فِي ٱلْآخِرَةِ. فَهَلْ تَقْبَلُ بِهَذِهِ ٱلِٱخْتِلَافَاتِ فِي ٱلدُّنْيَا (وَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ فَقَطْ) أَمْ تِلْكَ فِي ٱلْآخِرَةِ (وَهِيَ دَائِمَةٌ)؟ إِنْ تَأَمَّلْتَ ٱلْأَمْرَ بِقَلِيلٍ مِنَ ٱلْمَوْضُوعِيَّةِ، سَتَتَسَاءَلُ: أَلَيْسَتْ هَذِهِ ٱلِٱخْتِلَافَاتُ ٱلدُّنْيَوِيَّةُ هِيَ بِٱلْحَقِّ أَبْرَهَ دَلِيلٍ وَأَوْضَحَ بُرْهَانٍ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ حَقًّا حَيَاةً بَعْدَ ٱلْمَوْتِ، وَأَنَّ جَمِيعَ ٱخْتِلَافَاتِنَا هَذِهِ مَا هِيَ إِلَّا ٱبْتِلَاءٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَوَاحِدَةٍ مِنَّا؟

 

ٱللَّهُ لَمْ يَجْعَلْنِي فَقِيرًا أَوْ ضَعِيفًا لِكَيْ يَتَمَتَّعَ آخَرُونَ بِبُؤْسِي، بَلْ جَعَلَنِي كَذَلِكَ لِكَيْ تَكُونَ أَنْتَ – حِينَ يَرْزُقُكَ ٱللَّهُ – عَوْنًا لِي بِكَرَامَةٍ بِوَصْفِكَ إِنْسَانًا مِثْلِي تَحْمِلُ رُوحًا بَشَرِيَّةً كَرُوحِي. وَبِفِعْلِكَ هَذَا تُعَبِّرُ عَنِ ٱلشُّكْرِ لِلَّهِ وَعَنِ ٱلتَّضَامُنِ مَعَ ٱلْبَشَرِيَّةِ. لَا شَكَّ أَنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يُعِينَنِي مُبَاشَرَةً، وَكَانَ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَجْعَلَكَ فِي مَكَانِي، لَكِنْ مَاذَا يَبْقَى مِنْ إِنْسَانِيَّتِكَ إِنْ لَمْ تُعِنِّي؟ وَمَاذَا يَبْقَى مِنْ إِنْسَانِيَّتِي أَنَا إِنْ لَمْ أُعِنْكَ لَوْ كُنْتُ مَكَانَكَ؟ هَلْ أَقُولُ: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]؟

 

وَمَعَ ذَلِكَ، لَيْسَ ٱلْمَطْلُوبُ مِنَ ٱلْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ "مَلَائِكِيًّا". لِلْفَرْدِ جُزْءُهُ مِنَ ٱلْمَسْؤُولِيَّةِ، وَلِلدَّوْلَةِ/ٱلْمُجْتَمَعِ جُزْؤُهُ. فَحَتَّى لَوْ كُنْتَ تَمْلِكُ وَسَائِلَ مُسَاعَدَةِ كُلِّ مَنْ حَوْلَكَ، فَلَسْتَ مُطَالَبًا بِأَنْ تَتَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِكَ عَلَى ٱلنَّاسِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ وَظِيفَتِكَ، كَمَا أَنَّ مَالَكَ لَيْسَ مِلْكَكَ ٱلْخَالِصَ. إِنَّمَا تَفْعَلُ مَا تَسْتَطِيعُ، فَقَطْ تُظْهِرُ إِنْسَانِيَّتَكَ. يَقُولُ ٱللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا. إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٩-٣٠]. ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. فَقَطْ كُنْ إِنْسَانًا تُعَامِلُ ٱلْمُحْتَاجَ بِإِنْسَانِيَّةٍ. هَذَا هُوَ جَوْهَرُ ٱلْأَمْرِ.

 

لَقَدْ أَظْهَرَتْ جَائِحَةُ كُورُونَا كَمْ مِنْ دَوْلَةٍ غَنِيَّةٍ ٱضْطُرَّتْ لِطَلَبِ نَوْعٍ مَّا مِنَ ٱلْمُسَاعَدَةِ، وَلَا أَحَدَ – وَأَنَا أَوَّلُهُمْ – يَرَى فِي ذَلِكَ أَيَّ عَارٍ. ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].

 

إِنَّ ٱلتَّضَامُنَ ٱلْإِنْسَانِيَّ، عَلَى ٱلْمُسْتَوَيَيْنِ ٱلْفَرْدِيِّ وَٱلْجَمَاعِيِّ، يُضْفِي عَلَى ٱلْبَشَرِ جَمَالًا، وَيَنْشُرُ ٱلْمَحَبَّةَ بَيْنَ أَهْلِ ٱلصِّدْقِ مِنَ ٱلْبَشَرِ. فَفِي ٱلْأَرْجَنْتِينِ مَثَلًا، تَبَادَلَ كَثِيرٌ مِنَ ٱلنَّاسِ ٱلسِّلَعَ أَوِ ٱلْخَدَمَاتِ أَثْنَاءَ ٱلْأَزْمَةِ ٱلِٱقْتِصَادِيَّةِ. هَذَا رَائِعٌ. قَدْ تَزُولُ ٱلْأَزْمَةُ، لَكِنَّ ٱلذِّكْرَيَاتِ ٱلْحَسَنَةَ تَبْقَى، تَلَازَمُ ٱلْمَرْءَ طُولَ حَيَاتِهِ. فِي "غْرِيسَانْ"، إِحْدَى قُرَى ٱلصَّيْدِ ٱلْفِرَنْسِيَّةِ، أَسَّسَ ٱلصَّيَّادُونَ نَوْعًا مِنَ ٱلْمَحْكَمَةِ لِتَقَاسُمِ مَنَاطِقِ ٱلصَّيْدِ بِإِنْصَافٍ، وَيُدَوِّنُونَ كُلَّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِأَنْشِطَتِهِمُ ٱلصَّيْدِيَّةِ فِي سِجِلَّاتٍ خَاصَّةٍ، بَعْضُهَا يَعُودُ لِعِدَّةِ قُرُونٍ خَلَتْ. هَذَا مُدْهِشٌ، وَكُلُّهُ إِنْسَانِيٌّ. فِي ٱلْمَغْرِبِ أَيْضًا، كَانَ لَنَا نِظَامٌ شَبِيهٌ إِلَى حَدٍّ مَا لِتَقَاسُمِ ٱلْمِيَاهِ فِي ٱلْمَدَائِنِ ٱلْقَدِيمَةِ. بَعْضُ ٱلْأَشْخَاصِ ٱللُّطَفَاءِ يَجْمَعُونَ ٱلطَّعَامَ ٱلزَّائِدَ غَيْرَ ٱلْمُسْتَعْمَلِ مِنَ ٱلْمَطَاعِمِ وَٱلْفَنَادِقِ، بَدَلَ أَنْ يُتْرَكَ لِلرَّمْيِ، وَيُوَزِّعُونَهُ عَلَى ٱلْمُحْتَاجِينَ. آخَرُونَ يَبْذُلُونَ جُهُودًا جَبَّارَةً لِتَقْلِيلِ مُخَلَّفَاتِ ٱلْبِلَاسْتِيكِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُلَوِّثَاتِ ٱلْأَنْهَارِ وَٱلْمُحِيطَاتِ... بِاخْتِصَارٍ، لَا يُمْكِنُنِي إِحْصَاءُ كُلِّ ٱلْأَعْمَالِ ٱلْجَيِّدَةِ ٱلَّتِي يَقُومُ بِهَا كَثِيرُونَ حَوْلَ ٱلْعَالَمِ. كُلُّ هَذَا إِنْسَانِيٌّ وَكُلُّ هَذَا رَائِعٌ! حَتَّى فِي زَمَنِ ٱلْحَرْبِ نَرَى كَوَادِرَ صِحِّيَّةً تُخَاطِرُ بِحَيَاتِهَا لِإِنْقَاذِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْخَطَرِ. وَكَثِيرُونَ أَيْضًا يَتَبَرَّعُونَ بِٱلْمَالِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِلِٱعْتِنَاءِ بِٱلْحَيَوَانَاتِ. كَمَا قُلْتُ، إِنَّ ٱللَّهَ عَظِيمٌ وَيُرِيدُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا أَيْضًا. عَلَى مَرِّ ٱلتَّارِيخِ ٱلْإِسْلَامِيِّ، فَهِمَ كَثِيرُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ هَذَا بِإِتْقَانٍ. دَائِمًا مَا كَانَتْ مُؤَسَّسَةُ ٱلْوَقْفِ، تَجْمَعُ ٱلتَّبَرُّعَاتِ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٱلْمُتَطَوِّعِينَ، وَتُنْفِقُهَا، بِحَسَبِ رَغْبَةِ كُلِّ وَاقِفٍ، عَلَى مَشَارِيعِ ٱلتَّعْلِيمِ، وَبِنَاءِ ٱلْجُسُورِ/ٱلطُّرُقِ/آبَارِ ٱلْمِيَاهِ، إِلَى آخِرِ ذَلِكَ. وَٱلدَّوْلَةُ نَفْسُهَا هِيَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ ٱلتَّضَامُنِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا تَجْمَعُ ٱلضَّرَائِبَ وَغَيْرَهَا وَتُنْفِقُهَا حَسَبَ ٱلْحَاجَةِ. حِينَ تُدَمِّرُ بَلْدَةً زِلْزَالٌ أَوْ إِعْصَارٌ، يَتَضَرَّرُ مِنْ ذَلِكَ ٱلْفُقَرَاءُ وَٱلْأَغْنِيَاءُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. لَيْسَ كُلُّ ٱلْأَغْنِيَاءِ يَمْتَلِكُونَ طَائِرَاتٍ خَاصَّةً. كَثِيرُونَ مِنْهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى ٱلطُّرُقَاتِ وَٱلْجُسُورِ وَٱلْمَدَارِسِ لِأَطْفَالِهِمْ، وَٱلدَّوْلَةُ مَوْجُودَةٌ لِتُسَاعِدَ. لَكِنَّ ٱلدَّوْلَةَ لَا تَسْتَطِيعُ فِعْلَ كُلِّ شَيْءٍ. قَدْ تَكُونُ ٱلْكَوَارِثُ وَسِيلَةً (قَاسِيَةً) لِتَذْكِيرِ ٱلْإِنْسَانِ بِهَذِهِ ٱلْحَقِيقَةِ.

 

لِلَّهِ ٱلْحَمْدُ، تَسْتَطِيعُ دَوْلَتِي أَنْ تُعْطِيَنِي قُسْطًا مِنَ ٱلْغِذَاءِ، أَوْ إِعَانَاتِ بَطَالَةٍ، أَوْ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ ٱلْمُسَاعَدَاتِ كَتَعْوِيضٍ عَنْ فَقْدِ ٱلْعَمَلِ، إِلَخْ. وَلَكِنْ مَاذَا لَوْ فَقَدْتُ حَيَاتِي بِسَبَبِ إِعْصَارٍ أَوْ سُيُولٍ جَارِفَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؟ إِنَّ ٱللَّهَ وَحْدَهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَحَنِي حَيَاةً أُخْرَى بَعْدَ ٱلْمَوْتِ. لَا دَوْلَةَ تَسْتَطِيعُ فِعْلَ ذَلِكَ. كَثِيرُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ يَشْكُرُونَ ٱللَّهَ فَقَطْ لِأَنَّهُمْ نَجَوْا مِنْ كَارِثَةٍ مَّا. فِي ٱلْقُرْآنِ نَقْرَأُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. وَنَقْرَأُ أَيْضًا: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. ﴿وَمَا هَذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨، الكهف: ٤٥، الحج: ٦، ...]. ﴿...فَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]. ﴿وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا ٱلْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].

 

لِمَاذَا يَقْرَأُ ٱلْمَرْءُ أَمْثَالَ هَذَا ٱلْكَلَامِ؟ إِنَّ أَفْضَلَ شَرْحٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِقْنَاعِ ٱلْجَمِيعِ. قَدْ يَكُونُ ٱلْعَقْلُ قَوِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ ٱلْقَلْبُ قَوِيًّا، لَكِنَّ ٱلنَّفْسَ تَفْقِدُ قُوَّتَهَا، فَجْأَةً أَوْ تَدْرِيجِيًّا، فِي غِيَابِ ٱلدَّعْمِ ٱلْمَادِّيِّ أَوِ ٱلْمَعْنَوِيِّ؛ فَتَثُورُ ٱلنَّفْسُ ٱلْأَمَّارَةُ عَلَى ٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ، وَقَدْ يَمْضِي بَعْضُ ٱلْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ تَهْدَأَ ٱلرُّوحُ. أَحْيَانًا يَكْفِي ٱلْقَلِيلُ لِتَهْدِئَةِ ٱلرُّوحِ إِنْ كَانَ ٱلْعَقْلُ مُهَيَّأً. مِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ قِرَاءَةِ ٱلْقُرْآنِ. عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، إِنَّ ٱلْقُرْآنَ، إِذَا قُرِئَ بِصُورَةٍ صَحِيحَةٍ، لَيُعِينُ حَقًّا عَلَى تَخْفِيفِ مَخَاوِفِ ٱلْمَرْءِ مِنَ ٱلْبَطَالَةِ وَٱلْمَرَضِ وَٱلْفَقْدِ... فِي ٱلْقُرْآنِ نَقْرَأُ: ﴿...وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].

 

فَعَلَى مَنْ إِذَنْ أَتَّكِلُ؟ بِٱلْمُنَاسَبَةِ، فِي عَهْدِ ٱلْخَلِيفَةِ عُمَرَ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُ (٥٨٤-٦٤٤ م) وَبَعْضِ ٱلْقَادَةِ ٱلْمُسْلِمِينَ، كَانَ ٱلْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُ ٱلْمُسْلِمِينَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ يَسْتَحِقُّونَ ٱلْمُسَاعَدَةَ ٱلْحُكُومِيَّةَ. قَامَ هَذَا عَلَى مَبَادِئَ إِسْلَامِيَّةٍ أَصِيلَةٍ، وَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى حُسْنِ نِيَّةِ ٱلْقَادَةِ. إِنَّهَا مَسْأَلَةُ تَوَافُرِ أَمْوَالِ ٱلدَّوْلَةِ فَقَطْ. إِنَّهُ مَالٌ عَامٌّ. إِنَّهُ وَاجِبُ ٱلدَّوْلَةِ، عِنْدَمَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، أَنْ تُسَاعِدَ ٱلْمُحْتَاجِينَ، لَيْسَ مَعْرُوفًا مِنَ ٱلْقَائِدِ ٱلْأَعْلَى. قَلَّةٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا مِنَ ٱلْقَادَةِ مَنْ يَتَبَرَّعُونَ مِنْ مَالِهِمُ ٱلْخَاصِّ. قَدْ تَكُونُ خُطْوَةً غَيْرَ عَادِلَةٍ نَحْوَ ٱلْأَجْيَالِ ٱلْقَادِمَةِ إِنْ أَفْرَطَتْ دَوْلَتِي فِي ٱلِٱقْتِرَاضِ لِمُسَاعَدَتِي دُونَ أَنْ تَضْمَنَ سَدَادَهُ فِي ٱلْمُسْتَقْبَلِ ٱلْمَنْظُورِ. تُظْهِرُ إِحْصَائِيَّاتٌ حَدِيثَةٌ أَنَّ مُسْتَوَيَاتِ ٱلدَّيْنِ ٱلْعَامِّ لَمْ تَكُنْ قَطُّ بِهَذَا ٱلِٱرْتِفَاعِ مُنْذُ ٱلْحَرْبِ ٱلْعَالَمِيَّةِ ٱلثَّانِيَةِ. فِي دُوَلٍّ كَثِيرَةٍ حَوْلَ ٱلْعَالَمِ، كَثِيرُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حَتَّى ٱلْحُصُولَ عَلَى رَوَاتِبِهِمُ ٱلشَّهْرِيَّةِ أَوْ مَعَاشَاتِ تَقَاعُدِهِمْ فِي وَقْتِهَا، وَكَثِيرٌ مِنَ ٱلشَّرِكَاتِ تُفْلِسُ لِأَنَّهَا تَغْرَقُ فِي مُتَأَخِّرَاتِ مَدْفُوعَاتِ ٱلدَّوْلَةِ. وَبِٱلْمِثْلِ، إِذَا كَانَ ٱللَّهُ يَحُثُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَعَاوُنٍ كَرِيمٍ عَنْ طَرِيقِ ٱلزَّكَاةِ وَٱلصَّدَقَاتِ، حَتَّى فِي ٱلْأَوْقَاتِ ٱلْعَادِيَّةِ وَحِينَ تَكُونُ خَزَائِنُ ٱلدَّوْلَةِ مَلْآنَةً، فَلِأَنَّهُ – مِنْ نَاحِيَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ – لَيْسَ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَاءِ وَٱلْفُقَرَاءِ سِوَى أَنَّ ٱللَّهَ يُعْطِي ٱلْأَغْنِيَاءَ مُبَاشَرَةً وَٱلْفُقَرَاءَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، عَنْ طَرِيقِ ٱلْأَغْنِيَاءِ. إِنَّ ٱللَّهَ يُعْطِينِي رَاتِبِي عَنْ طَرِيقِ مَدِيرِي فِي ٱلْعَمَلِ. إِذَنْ، فِي هَذِهِ ٱلْمَسْأَلَةِ، أَشْكُرُ ٱللَّهَ، لَا مَدِيرِي وَلَا غَيْرَهُ. أَشْكُرُ ٱلْبَشَرَ حِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيَّ لِمَا يُحْسِنُونَ بِهِ إِلَيَّ "بِإِذْنِ ٱللَّهِ"، لَكِنِّي أُومِنُ بِأَنَّ ٱلْكُلَّ مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ. أُصَوِّتُ لِلشَّخْصِ ٱلَّذِي أَحْسَنَ إِلَى مُجْتَمَعِي، لِأَنَّهُ مِنَ ٱلطَّبِيعِيِّ أَنْ نُحِبَّ وَنُشَجِّعَ مَنْ يَصْنَعُونَ ٱلْخَيْرَ. اَلْمُشْكِلَةُ هِيَ حِينَ أَلْجَأُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أُعَانِي فِيهَا مُشْكِلَةً إِلَى ٱلْحُكُومَةِ/ٱلدَّوْلَةِ طَلَبًا لِلْمُسَاعَدَةِ. قَدْ أَحْصُلُ عَلَى مَا أَرْغَبُ مِنْ مُسَاعَدَةٍ، لَكِنَّ ٱلْخَطَرَ هُوَ أَنَّ إِيمَانِي قَدْ يَضْعُفُ مَعَ ٱلزَّمَنِ بِسَبَبِ هَذَا ٱلِٱتِّكَالِ عَلَى ٱلدَّوْلَةِ. وَعَلَى أَيَّةِ حَالٍ، لَيْسَتْ لَدَى أَيِّ دَوْلَةٍ إِمْكَانِيَّاتٌ لَا حَدَّ لَهَا. إِذَا بَدَأَتْ كُلُّ حُكُومَةٍ جَدِيدَةٍ فِي ٱلْإِنْفَاقِ بِكُلِّ مَا لَدَيْهَا مِنْ قُوَّةٍ، لِضَمَانِ ٱلسَّلَامِ ٱلِٱجْتِمَاعِيِّ أَوْ لِأَيِّ سَبَبٍ آخَرَ، فَقَدْ يَقُودُ هَذَا إِلَى كَوَارِثَ ٱجْتِمَاعِيَّةٍ-ٱقْتِصَادِيَّةٍ، بَلْ وَسِيَاسِيَّةٍ أَيْضًا. ٱلتَّضَخُّمُ ٱلْمُفْرِطُ، ٱلتَّخَلُّفُ عَنِ ٱلسَّدَادِ... كُلُّ هَذَا يَنْشَأُ مِنْ ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ قَدْ أَحْتَاجُ إِلَى عَوْنِ ٱللَّهِ، فِي مَرَضٍ أَوْ فَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، ٱلْحَيَاةُ شُعُورٌ، لَيْسَتْ كُلُّهَا مَالًا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]. ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥].

 شهادتي 2