vendredi 6 mars 2026

شهادتي 1

 

 1

نَحْنُ جَمِيعًا نَحْلُمُ بِالنُّمُوِّ، وَنَتُوقُ - فِي سِرِّنَا أَوْ عَلَنِنَا - إِلَى الِارْتِقَاءِ فِي أَعْيُنِ الْآخَرِينَ. فَفِي الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، مَثلا، انْتَقَلَ النَّاسُ مِنْ ركوب الْعَرَبَاتِ الَّتِي تَجُرُّهَا الدواب إِلَى ركوب الْقِطَارَاتِ. وَلِطَحْنِ الْقَمْحِ، انْتَقَلَ بَعْضُهُمْ مِنَ الطَّوَاحِينِ الْهَوَائِيَّةِ إِلَى الطَّوَاحِينِ الْبُخَارِيَّةِ. وَمِنْ مِنَّا يُرِيدُ أَنْ يَفُوتَهُ قِطَارُ التَّقَدُّمِ؟

فِي ذلك الزمان، كما في الْأَزْمِنَةِ التي سبقته، كَانَ التَّبَاهِي عَلَامَةَ الْعَصْرِ. هَذَا يُفَاخِرُ بِأَنَّهُ اخْتَرَعَ طَاحُونَةً بُخَارِيَّةً، وَذَاكَ بِأَنَّهُ أَقَامَهَا ورَكَّبها في مكانها، وَثَالِثٌ بِأَنَّهُ طَحَنَ قَمْحَهُ وَشَعِيرَهُ فِيهَا. وَهَذَا يَتَبَاهَى بِأَنَّهُ اخْتَرَعَ الْقِطَارَ، وَذَاكَ بِأَنَّهُ قَادَهُ، وَآخَرُ بِأَنَّهُ سَافَرَ عَلَى مَتْنِهِ. بَعْضُهُمْ يَتَبَاهَى بِمَا أَنْتَجَ أو اخترع، وَبَعْضُهُمْ بِمَا اسْتَهْلَكَ. وَهَكَذَا كَانَ لِكُلٍّ سَبَبٌ لِلْفَخْرِ.

لَا يَمُرُّ يَوْمٌ كَامِلٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَسْقُطَ - طَوْعًا أَوْ كَرْهًا - فِي فَخِّ التَّبَاهِي، أَمَامَ شَخْصٍ مَا، بِشَيْءٍ مَا. فَدَاخِلَ كُلٍّ مِنَّا حَاجَةٌ دَفِينَةٌ لِأَنْ يَشْعُرَ بِقِيمَتِهِ، وَأَنْ يُحِسَّ بِأَنَّهُ لَا يَقِلُّ شَأْنًا عَنْ غَيْرِهِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي يَجْعَلُنَا نَقِفُ أَمَامَ الْمِرْآةِ؛ إِنَّهَا حَاجَةٌ أَسَاسِيَّةٌ إِلَى نَيل الِاعْتِرَافِ وَالتَّقْدِيرِ.

تَمْشِي فِي شَارِعٍ مُزْدَحِمٍ، تَدْخُلُ بَهْوَ فُنْدُقٍ، تَجْلِسُ فِي مَقْهًى، فَتَتَّجِهُ إِلَيْكَ كُلُّ الْعُيُونِ. تُتَابِعُكَ النَّظَرَاتُ كَمَا يَتْبَعُ الثُّعْبَانُ نَايَ السَّاحِرِ. لَقَدْ وُلِدْتَ بِوَجْهٍ جَمِيلٍ، وَحَافَظَ الزَّمَنُ عَلَى بَهَائِهِ، فَظَلِلْتَ تُبْهِرُ النَّاسَ أَيْنَمَا حَلَلْتَ… أَوْ رُبَّمَا ذَهَبْتَ إِلَى السُّوقِ وَقَضَيْتَ فيه سَاعَاتٍ تَخْتَارُ وَتَنْتَقِي حَتَّى وَجَدْتَ بَدْلَةَ أَحْلَامِكَ. سَتَشْعُرُ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ حِينَ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْكَ. يُصْبِحُ الْتِفَاتُ النَّاسِ إِلَيْكَ مَصْدَرَ نَشْوَةٍ خَفِيَّةٍ.

كُلَّمَا ازْدَدْتَ جَمَالًا، وَكُلَّمَا كَانَ لِبَاسُكَ أَكْثَرَ لَفْتًا لِلنَّظَرِ، ازْدَادَ عَدَدُ مَنْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ. أَنْتَ تُدْرِكُ هذا، وَلِذَلِكَ نَادِرًا - إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبَدًا - مَا تَخْرُجُ قَبْلَ أَنْ تُلْقِيَ نَظْرَةً أَخِيرَةً عَلَى الْمِرْآةِ.

لَكِنْ مَهْمَا فَعَلْتَ، لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ دَائِمًا مَحَطَّ الْأَنْظَارِ. فَقَدْ يَخْفُتُ حُضُورُكَ تَمَامًا أَمَامَ بَرِيقِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْمَشَاهِيرِ. حَتَّى أَهْلُ الْجَمَالِ تَشُدُّهُمْ رَنَّةُ النُّقُودِ، أَوْ مُجَرَّدُ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَالِ. وَلَا غَرَابَةَ، إِذَنْ، أَنْ تُفَضِّلَ فَتَاةٌ جَمِيلَةٌ رَجُلًا ثَرِيًّا مُتَقَدِّمًا فِي السِّنِّ عَلَى شَابٍّ وَسِيمٍ لَا يَمْلِكُ دَخْلًا يُذْكَرُ.

وَتَبْرُزُ الْمُعْضِلَةُ حِينَ لَا يَكُونُ لَدَيْنَا مَا نَتَبَاهَى بِهِ، بَيْنَمَا لَا يَتَوَقَّفُ مَنْ حَوْلَنَا عَنِ التَّبَاهِي. فَالتَّبَاهِي يُطَوِّقُنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَإِنِ اعْتَزَلْتَ النَّاسَ وَلُذْتَ بِبَيْتِكَ، فَإِنَّ التِّلْفَازَ أَوِ الْهَاتِفَ الذَّكِيَّ يَجْلِبُ إِلَيْكَ كُلَّ تَبَاهِي الْعَالَمِ: تَبَاهٍ فِي الْإِعْلَانَاتِ، تَبَاهٍ فِي الْمُسَلْسَلَاتِ، تَبَاهٍ فِي الْأَغَانِي، فَضْلًا عَنْ أَشْكَالَ لَا تُحْصَى مِنَ التَّبَاهِي غَيْرِ الْمُعْلَنِ.

وَأَحْيَانًا، يَنْقَلِبُ الْمَشْهَدُ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ؛ فَيَتَحَوَّلُ الْمُتَبَاهُونَ - أَفْرَادًا كَانُوا أَوْ حُكُومَاتٍ أَوْ شَرِكَاتٍ - إِلَى مساكين. ثُمَّ مَا إِنْ تَنْقَشِعَ الْأَزْمَةُ حَتَّى يَعُودَ الْجَمِيعُ إِلَى سَابِقِ عَهْدِهِمْ مِنَ الزَّهْوِ وَالِادِّعَاءِ. وَيَتَلَاشَى الْأَلَمُ سَرِيعًا فِي غُبَارِ النِّسْيَانِ، مِنْ دُونِ عَوْدَةٍ حَقِيقِيَّةٍ إِلَى التعَقُّلِ أَوْ إِلَى الْحِكْمَةِ. وَأَنَا لَسْتُ اسْتِثْنَاءً 

 2

  

لَوْ كَانَتْ أَحْلَامُ النَّاسِ كُلِّهم صَغِيرَةً، فَهَلْ كَانَ سَيَظْهَرُ فِي التَّارِيخِ رِجَالٌ مِثْلُ الإِسْكَنْدَرِ الْأَكْبَرِ، أَوْ تَقُومُ حَضَارَاتٌ مِثْلُ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ، أَوْ تُشَيَّدُ تُحَفٌ مِعْمَارِيَّةٌ بَدِيعَةٌ كَـتَاجْ مَحَل فِي الْهِنْدِ وَقَصْرِ الْحَمْرَاءِ فِي إِسْبَانِيَا؟ وَهَلْ كَانَ مُمْكِنًا أَنْ نَتَنَاوَلَ فُطُورَنَا فِي بَارِيسَ، وَغَدَاءَنَا فِي نِيُويُورْك، وَعَشَاءَنَا فِي السَّمَاءِ وَنَحْنُ فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ إِلَى بَارِيسَ؟ وَهَلْ كَانَتْ سَتُوجَدُ مُدُنٌ كَنِيُويُورْك أَوْ طُوكْيُو أَوْ دُبَيّ؟ وَهَلْ كَانَ سَيَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ مِمَّا نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ مِنْ حُرُوبِ النُّجُومِ، وَ غَزو الْفَضَاءِ، وَالِاكْتِشَافَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْأَدَبِ، وَسَائِرِ أَشْكَالِ التَّقَدُّمِ؟

إِنَّنَا جَمِيعًا نَنْجَذِبُ بِطَبْعِنَا إِلَى نَمَطِ الْحَيَاةِ حيثُ كلُّ شيءٍ كبيرٌ وَقَوي وسريع. وَالْمُفَارَقَةُ الطَّرِيفَةُ أَنَّهُ، مَهْمَا فَعَلْنَا وَمَهْمَا بَلَغَتْ عَبْقَرِيَّتُنَا، يَبْقَى دَائِمًا شَخْصٌ آخَرُ يَسْبِقُنَا بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَمْلِكُ شَيْئًا أَكْبَرَ قَلِيلًا أَوْ أَقْوَى قَلِيلًا أَوْ أَسْرَعَ مِمَّا نَمْلِكُهُ. وَكَأَنَّ الْأَمْرَ لُعْبَةٌ لَا تَنْتَهِي بَيْنَ «تُوم» وَ«جِيرِي».

أَخْرُجُ أَحْيَانًا إِلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ لِأُغَيِّرَ الْهَوَاءَ وَلِأَتفَكَّرَ قَلِيلًا. وهناكَ أَجِدُ حُقُولًا وَاسِعَةً يَمْلِكُهَا أَغنياء، وَبُيُوتًا تُبْهِرُ النَّاظِرَ بِجَمَالِهَا. وَكُلَّمَا تَنَهَّدْتُ وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: «يَا لَيْتَ لِي مِثْلَ هَذَا الْمَسْكَنِ الْجَمِيلِ»، لَمْ أَلْبَثْ أَنْ أَرَى آخَرَ أَجْمَلَ مِنْهُ، ثُمَّ آخَرَ أَجْمَلَ مِنَ الاثْنَيْنِ. أصيرُ مِثلَ رَجُلٍ مَفْتُونٍ بِالْجَمَالِ يَبْحَثُ عَنِ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ فِي مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ؛ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُنْسِيهِ مَنْ قَبْلَهَا.

ثُمَّ أُوَاصِلُ سَيْرِي فَأَجِدُ طَرِيقًا مُعَبَّدًا بِالْأَسْفَلْتِ. أَتَوَقَّفُ بُرْهَةً قَصِيرَةً فَتَمُرُّ أَمَامِي سَيَّارَاتٌ كَثِيرَةٌ أَتَمَنَّى لَوْ أَمْلِكُ مِثْلَهَا. وَيَقُودُنِي ذَلِكَ الطَّرِيقُ، بَعْدَ مُرُورِي بِبَعْضِ الْمَزَارِعِ الْكَبِيرَةِ، إِلَى مَصْنَعٍ لِتَرْبِيَةِ الدَّوَاجِنِ. فَأَتَسَاءَلُ: هَلْ سَأَغَارُ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْمَصْنَعِ أَيْضًا؟ كَمْ عَدَدُ الْعُمَّالِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِيهِ؟ وَكَمْ عَائِلَةً يَعُولُونَ؟ وَكَمْ مِنْ عَاطِلٍ عَنِ الْعَمَلِ كَانَ سَيَكُونُ سَعِيدًا لَوْ وُفِّقَ إِلَى فُرْصَةِ عَمَلٍ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ عَمَلًا مَوْسِمِيًّا؟

كَمْ دَجَاجَةً وَكَمْ بَيْضَةً يُنْتِجُ هَذَا الْمَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ؟ وَكَمْ مِنَ النَّاسِ سَيَشْتَرُونَ هَذِهِ الدَّوَاجِنَ وَهَذَا الْبَيْضَ وَيَنْقُلُونَهُ وَيُتَاجِرُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَائِدَةِ غذائي؟ وَكَمْ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ سَيَأْكُلُ مِنْهُ؟ إِنَّ ذَلِكَ الْفَلَّاحَ «الْفَقِيرَ»، وَذَلِكَ الرَّجُلَ «الْفَقِيرَ» صَاحِبَ مَصْنَعِ الدَّوَاجِنِ، وَالْعَامِلِينَ لَدَيْهِمَا… جَمِيعُهُمْ، عَلَى نَحْوٍ مَا، يَخْدِمُونَنِي. فَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحْصِيَ عَدَدَ النَّاسِ الَّذِينَ يَسْهَرُونَ عَلَى خِدْمَتِي كُلَّ يَوْمٍ. الثِّيَابُ الَّتِي أَرْتَدِيهَا، مَنْ صَنَعَهَا لِي؟ أَنَا لَمْ أَخِطْهَا بِنَفْسِي. وَالسَّاعَةُ فِي مِعْصَمِي، وَالْهَاتِفُ الذي في يَدِي، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ… أَفَلَسْتُ، بِهَذَا الْمِعْنَى، مَلِكًا؟ ألَا يقولون عَنِ العَريس لَيلَةَ زفافه "سلطان"؟ وَمَنْ أَخْبَرَنِي أَصْلًا أَنَّ هَذَا الْفَلَّاحَ سَعِيدٌ؟ فَلَيْسَ كُلُّ مُبْتَسِمٍ سَعِيدًا؛ فَقَدْ يُضْحِكُ  مُهَرِّجٌ مِلَايِينَ النَّاسِ ثُمَّ، في يوم من  الأيام، يُصْدَمُ الْجَمِيعَ بِخَبرِ انتحارِ ذلك المُهَرِّجِ أو اعتزاله.

.