1
نَحْنُ جَمِيعًا نَحْلُمُ بِالنُّمُوِّ، وَنَتُوقُ - فِي سِرِّنَا أَوْ عَلَنِنَا - إِلَى الِارْتِقَاءِ فِي أَعْيُنِ الْآخَرِينَ. فَفِي الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، مَثلا، انْتَقَلَ النَّاسُ مِنْ ركوب الْعَرَبَاتِ الَّتِي تَجُرُّهَا الدواب إِلَى ركوب الْقِطَارَاتِ. وَلِطَحْنِ الْقَمْحِ، انْتَقَلَ بَعْضُهُمْ مِنَ الطَّوَاحِينِ الْهَوَائِيَّةِ إِلَى الطَّوَاحِينِ الْبُخَارِيَّةِ. وَمِنْ مِنَّا يُرِيدُ أَنْ يَفُوتَهُ قِطَارُ التَّقَدُّمِ؟
فِي ذلك الزمان، كما في الْأَزْمِنَةِ التي سبقته، كَانَ التَّبَاهِي عَلَامَةَ الْعَصْرِ. هَذَا يُفَاخِرُ بِأَنَّهُ اخْتَرَعَ طَاحُونَةً بُخَارِيَّةً، وَذَاكَ بِأَنَّهُ أَقَامَهَا ورَكَّبها في مكانها، وَثَالِثٌ بِأَنَّهُ طَحَنَ قَمْحَهُ وَشَعِيرَهُ فِيهَا. وَهَذَا يَتَبَاهَى بِأَنَّهُ اخْتَرَعَ الْقِطَارَ، وَذَاكَ بِأَنَّهُ قَادَهُ، وَآخَرُ بِأَنَّهُ سَافَرَ عَلَى مَتْنِهِ. بَعْضُهُمْ يَتَبَاهَى بِمَا أَنْتَجَ أو اخترع، وَبَعْضُهُمْ بِمَا اسْتَهْلَكَ. وَهَكَذَا كَانَ لِكُلٍّ سَبَبٌ لِلْفَخْرِ.
لَا يَمُرُّ يَوْمٌ كَامِلٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَسْقُطَ - طَوْعًا أَوْ كَرْهًا - فِي فَخِّ التَّبَاهِي، أَمَامَ شَخْصٍ مَا، بِشَيْءٍ مَا. فَدَاخِلَ كُلٍّ مِنَّا حَاجَةٌ دَفِينَةٌ لِأَنْ يَشْعُرَ بِقِيمَتِهِ، وَأَنْ يُحِسَّ بِأَنَّهُ لَا يَقِلُّ شَأْنًا عَنْ غَيْرِهِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي يَجْعَلُنَا نَقِفُ أَمَامَ الْمِرْآةِ؛ إِنَّهَا حَاجَةٌ أَسَاسِيَّةٌ إِلَى نَيل الِاعْتِرَافِ وَالتَّقْدِيرِ.
تَمْشِي فِي شَارِعٍ مُزْدَحِمٍ، تَدْخُلُ بَهْوَ فُنْدُقٍ، تَجْلِسُ فِي مَقْهًى، فَتَتَّجِهُ إِلَيْكَ كُلُّ الْعُيُونِ. تُتَابِعُكَ النَّظَرَاتُ كَمَا يَتْبَعُ الثُّعْبَانُ نَايَ السَّاحِرِ. لَقَدْ وُلِدْتَ بِوَجْهٍ جَمِيلٍ، وَحَافَظَ الزَّمَنُ عَلَى بَهَائِهِ، فَظَلِلْتَ تُبْهِرُ النَّاسَ أَيْنَمَا حَلَلْتَ… أَوْ رُبَّمَا ذَهَبْتَ إِلَى السُّوقِ وَقَضَيْتَ فيه سَاعَاتٍ تَخْتَارُ وَتَنْتَقِي حَتَّى وَجَدْتَ بَدْلَةَ أَحْلَامِكَ. سَتَشْعُرُ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ حِينَ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْكَ. يُصْبِحُ الْتِفَاتُ النَّاسِ إِلَيْكَ مَصْدَرَ نَشْوَةٍ خَفِيَّةٍ.
كُلَّمَا ازْدَدْتَ جَمَالًا، وَكُلَّمَا كَانَ لِبَاسُكَ أَكْثَرَ لَفْتًا لِلنَّظَرِ، ازْدَادَ عَدَدُ مَنْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ. أَنْتَ تُدْرِكُ هذا، وَلِذَلِكَ نَادِرًا - إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبَدًا - مَا تَخْرُجُ قَبْلَ أَنْ تُلْقِيَ نَظْرَةً أَخِيرَةً عَلَى الْمِرْآةِ.
لَكِنْ مَهْمَا فَعَلْتَ، لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ دَائِمًا مَحَطَّ الْأَنْظَارِ. فَقَدْ يَخْفُتُ حُضُورُكَ تَمَامًا أَمَامَ بَرِيقِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْمَشَاهِيرِ. حَتَّى أَهْلُ الْجَمَالِ تَشُدُّهُمْ رَنَّةُ النُّقُودِ، أَوْ مُجَرَّدُ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَالِ. وَلَا غَرَابَةَ، إِذَنْ، أَنْ تُفَضِّلَ فَتَاةٌ جَمِيلَةٌ رَجُلًا ثَرِيًّا مُتَقَدِّمًا فِي السِّنِّ عَلَى شَابٍّ وَسِيمٍ لَا يَمْلِكُ دَخْلًا يُذْكَرُ.
وَتَبْرُزُ الْمُعْضِلَةُ حِينَ لَا يَكُونُ لَدَيْنَا مَا نَتَبَاهَى بِهِ، بَيْنَمَا لَا يَتَوَقَّفُ مَنْ حَوْلَنَا عَنِ التَّبَاهِي. فَالتَّبَاهِي يُطَوِّقُنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَإِنِ اعْتَزَلْتَ النَّاسَ وَلُذْتَ بِبَيْتِكَ، فَإِنَّ التِّلْفَازَ أَوِ الْهَاتِفَ الذَّكِيَّ يَجْلِبُ إِلَيْكَ كُلَّ تَبَاهِي الْعَالَمِ: تَبَاهٍ فِي الْإِعْلَانَاتِ، تَبَاهٍ فِي الْمُسَلْسَلَاتِ، تَبَاهٍ فِي الْأَغَانِي، فَضْلًا عَنْ أَشْكَالَ لَا تُحْصَى مِنَ التَّبَاهِي غَيْرِ الْمُعْلَنِ.
وَأَحْيَانًا، يَنْقَلِبُ الْمَشْهَدُ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ؛ فَيَتَحَوَّلُ الْمُتَبَاهُونَ - أَفْرَادًا كَانُوا أَوْ حُكُومَاتٍ أَوْ شَرِكَاتٍ - إِلَى مساكين. ثُمَّ مَا إِنْ تَنْقَشِعَ الْأَزْمَةُ حَتَّى يَعُودَ الْجَمِيعُ إِلَى سَابِقِ عَهْدِهِمْ مِنَ الزَّهْوِ وَالِادِّعَاءِ. وَيَتَلَاشَى الْأَلَمُ سَرِيعًا فِي غُبَارِ النِّسْيَانِ، مِنْ دُونِ عَوْدَةٍ حَقِيقِيَّةٍ إِلَى التعَقُّلِ أَوْ إِلَى الْحِكْمَةِ. وَأَنَا لَسْتُ اسْتِثْنَاءً
2
لَوْ كَانَتْ أَحْلَامُ النَّاسِ كُلِّهم صَغِيرَةً، فَهَلْ كَانَ سَيَظْهَرُ فِي التَّارِيخِ رِجَالٌ مِثْلُ الإِسْكَنْدَرِ الْأَكْبَرِ، أَوْ تَقُومُ حَضَارَاتٌ مِثْلُ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ، أَوْ تُشَيَّدُ تُحَفٌ مِعْمَارِيَّةٌ بَدِيعَةٌ كَـتَاجْ مَحَل فِي الْهِنْدِ وَقَصْرِ الْحَمْرَاءِ فِي إِسْبَانِيَا؟ وَهَلْ كَانَ مُمْكِنًا أَنْ نَتَنَاوَلَ فُطُورَنَا فِي بَارِيسَ، وَغَدَاءَنَا فِي نِيُويُورْك، وَعَشَاءَنَا فِي السَّمَاءِ وَنَحْنُ فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ إِلَى بَارِيسَ؟ وَهَلْ كَانَتْ سَتُوجَدُ مُدُنٌ كَنِيُويُورْك أَوْ طُوكْيُو أَوْ دُبَيّ؟ وَهَلْ كَانَ سَيَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ مِمَّا نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ مِنْ حُرُوبِ النُّجُومِ، وَ غَزو الْفَضَاءِ، وَالِاكْتِشَافَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْأَدَبِ، وَسَائِرِ أَشْكَالِ التَّقَدُّمِ؟
إِنَّنَا جَمِيعًا نَنْجَذِبُ بِطَبْعِنَا إِلَى نَمَطِ الْحَيَاةِ حيثُ كلُّ شيءٍ كبيرٌ وَقَوي وسريع. وَالْمُفَارَقَةُ الطَّرِيفَةُ أَنَّهُ، مَهْمَا فَعَلْنَا وَمَهْمَا بَلَغَتْ عَبْقَرِيَّتُنَا، يَبْقَى دَائِمًا شَخْصٌ آخَرُ يَسْبِقُنَا بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَمْلِكُ شَيْئًا أَكْبَرَ قَلِيلًا أَوْ أَقْوَى قَلِيلًا أَوْ أَسْرَعَ مِمَّا نَمْلِكُهُ. وَكَأَنَّ الْأَمْرَ لُعْبَةٌ لَا تَنْتَهِي بَيْنَ «تُوم» وَ«جِيرِي».
أَخْرُجُ أَحْيَانًا إِلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ لِأُغَيِّرَ الْهَوَاءَ وَلِأَتفَكَّرَ قَلِيلًا. وهناكَ أَجِدُ حُقُولًا وَاسِعَةً يَمْلِكُهَا أَغنياء، وَبُيُوتًا تُبْهِرُ النَّاظِرَ بِجَمَالِهَا. وَكُلَّمَا تَنَهَّدْتُ وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: «يَا لَيْتَ لِي مِثْلَ هَذَا الْمَسْكَنِ الْجَمِيلِ»، لَمْ أَلْبَثْ أَنْ أَرَى آخَرَ أَجْمَلَ مِنْهُ، ثُمَّ آخَرَ أَجْمَلَ مِنَ الاثْنَيْنِ. أصيرُ مِثلَ رَجُلٍ مَفْتُونٍ بِالْجَمَالِ يَبْحَثُ عَنِ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ فِي مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ؛ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُنْسِيهِ مَنْ قَبْلَهَا.
ثُمَّ أُوَاصِلُ سَيْرِي فَأَجِدُ طَرِيقًا مُعَبَّدًا بِالْأَسْفَلْتِ. أَتَوَقَّفُ بُرْهَةً قَصِيرَةً فَتَمُرُّ أَمَامِي سَيَّارَاتٌ كَثِيرَةٌ أَتَمَنَّى لَوْ أَمْلِكُ مِثْلَهَا. وَيَقُودُنِي ذَلِكَ الطَّرِيقُ، بَعْدَ مُرُورِي بِبَعْضِ الْمَزَارِعِ الْكَبِيرَةِ، إِلَى مَصْنَعٍ لِتَرْبِيَةِ الدَّوَاجِنِ. فَأَتَسَاءَلُ: هَلْ سَأَغَارُ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْمَصْنَعِ أَيْضًا؟ كَمْ عَدَدُ الْعُمَّالِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِيهِ؟ وَكَمْ عَائِلَةً يَعُولُونَ؟ وَكَمْ مِنْ عَاطِلٍ عَنِ الْعَمَلِ كَانَ سَيَكُونُ سَعِيدًا لَوْ وُفِّقَ إِلَى فُرْصَةِ عَمَلٍ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ عَمَلًا مَوْسِمِيًّا؟
كَمْ دَجَاجَةً وَكَمْ بَيْضَةً يُنْتِجُ هَذَا الْمَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ؟ وَكَمْ مِنَ النَّاسِ سَيَشْتَرُونَ هَذِهِ الدَّوَاجِنَ وَهَذَا الْبَيْضَ وَيَنْقُلُونَهُ وَيُتَاجِرُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَائِدَةِ غذائي؟ وَكَمْ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ سَيَأْكُلُ مِنْهُ؟ إِنَّ ذَلِكَ الْفَلَّاحَ «الْفَقِيرَ»، وَذَلِكَ الرَّجُلَ «الْفَقِيرَ» صَاحِبَ مَصْنَعِ الدَّوَاجِنِ، وَالْعَامِلِينَ لَدَيْهِمَا… جَمِيعُهُمْ، عَلَى نَحْوٍ مَا، يَخْدِمُونَنِي. فَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحْصِيَ عَدَدَ النَّاسِ الَّذِينَ يَسْهَرُونَ عَلَى خِدْمَتِي كُلَّ يَوْمٍ. الثِّيَابُ الَّتِي أَرْتَدِيهَا، مَنْ صَنَعَهَا لِي؟ أَنَا لَمْ أَخِطْهَا بِنَفْسِي. وَالسَّاعَةُ فِي مِعْصَمِي، وَالْهَاتِفُ الذي في يَدِي، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ… أَفَلَسْتُ، بِهَذَا الْمِعْنَى، مَلِكًا؟ ألَا يقولون عَنِ العَريس لَيلَةَ زفافه "سلطان"؟ وَمَنْ أَخْبَرَنِي أَصْلًا أَنَّ هَذَا الْفَلَّاحَ سَعِيدٌ؟ فَلَيْسَ كُلُّ مُبْتَسِمٍ سَعِيدًا؛ فَقَدْ يُضْحِكُ مُهَرِّجٌ مِلَايِينَ النَّاسِ ثُمَّ، في يوم من الأيام، يُصْدَمُ الْجَمِيعَ بِخَبرِ انتحارِ ذلك المُهَرِّجِ أو اعتزاله.
أَنْظُرُ إِلَى هَؤُلَاءِ النِّسَاءِ الْفَقِيرَاتِ وَأَطْفَالِهِنَّ الْجَالِسِينَ عَلَى الْأَرْضِ فِي انْتِظَارِ انْتِهَاءِ حَصَادِ الْبَطَاطِسِ. بَعْضُ النِّسَاءِ يَتَحَدَّثْنَ وَيَتَضَاحَكْنَ لِقَتْلِ الْوَقْتِ، وَأُخْرَيَاتٌ يَلْزَمْنَ الصَّمْتَ وَهُنَّ يُرَاقِبْنَ عُمَّالًا مَوْسِمِيِّينَ - رِجَالًا وَنِسَاءً - يَحْفِرُونَ الأَرضَ لِإِخراجِ الْبَطَاطِسِ، بَيْنَمَا يَضَعُهَا آخَرُونَ فِي صَنَادِيقَ خَشَبِيَّةٍ أَوْ بْلَاسْتِيكِيَّةٍ، وَيَحْمِلُهَا غَيْرُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ إِلَى الشَّاحِنَاتِ خَارِجَ الْحَقْلِ. وَقُرْبَ الشَّاحِنَاتِ بَعْضُ السَّيَّارَاتِ وَبِضْعَةُ رِجَالٍ، تَبْرُزُ بَيْنَهُمْ سَيَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَرَجُلٌ وَاحِدٌ يَلْفِتُ الْأَنْظَارَ: لَا بُدَّ أَنَّهُ صَاحِبُ الْمَزْرَعَةِ، وَتِلْكَ السَّيَّارَةُ سَيَّارَتُهُ.
هَذَا الرَّجُلُ هُوَ نَجْمُ الْيَوْمِ. أَتَخَيَّلُ أَنَّ الرِّجَالَ يَتَمَنَّوْنَ لَوْ يَكُونُونَ مِثْلَهُ وَيَمْلِكُونَ مَا يَمْلِكُهُ، وَأَنَّ النِّسَاءَ لَنْ يَرْفُضْنَ الزَّوَاجَ مِنْهُ أَوْ قَبُولَهُ صِهْرًا. فَلَدَيْهِ حَقْلٌ وَاسِعٌ ذُو قِيمَةٍ كَبِيرَةٍ، وَسَيَّارَةٌ فَاخِرَةٌ، وَمَلَابِسُ أَنِيقَةٌ، وَنَظَّارَاتٌ لَافِتَةٌ، وَالْجَمِيعُ يُخَاطِبُونَهُ بِأَدَبٍ وَيُنَادُونَهُ: «حَاجّ». لَعَلَّهُ يَمْلِكُ أَيْضًا أَمْلَاكًا أُخْرَى فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى؛ وَلَعَلَّ زَوْجَتَهُ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، تَتَسَوَّقُ فِي أَحَدِ الْمُجَمَّعَاتِ التِّجَارِيَّةِ، أَوْ تَلْعَبُ الْغُولْفَ، أَوْ تَسْتَرْخِي فِي سَاوْنَا بِفُنْدُقٍ فَاخِرٍ. وَأَطْفَالُهُ - إِنْ كَانَ لَهُ أَطْفَالٌ - لَا بُدَّ أَنَّهُمْ فِي مَدَارِسَ راقِية. مَا أَوْفَرَ حَظَّهُ وَحَظَّ أُسْرَتِهِ!
وَلَكِنِّي أَتَوَقَّفُ لِأُفَكِّرَ: فَالْأَرْضُ نَفْسُهَا تَحْتَاجُ إِلَى عُمَّالٍ لِتَهْيِئَتِهَا، وَإِلَى آخَرِينَ لِلزِّرَاعَةِ، وَرُبَّمَا إِلَى مُهَنْدِسِينَ أَوْ فَنِّيِّينَ مُتَخَصِّصِينَ، كَمَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَنْقُلُ وَيُدِيرُ وَيُنَظِّمُ. وَفِي يَوْمِ الْحَصَادِ يَكْثُرُ الْعَمَلُ وَيَكْثُرُ الْعُمَّالُ. وَعِنْدَمَا يَنْتَهِي الْحَصَادُ سَيُسْمَحُ لِأُولئِكَ النِّسَاءِ الْفَقِيرَاتِ وَأَطْفَالِهِنَّ أَنْ يَدْخُلُوا الْحَقْلَ لِيَجْمَعُوا مَا بَقِيَ مِنَ الْبَطَاطِسِ. أَمَّا الْبَطَاطِسُ الْجَيِّدَةُ فَسَتُنْقَلُ إِلَى الْأَسْوَاقِ وَالْمَتَاجِرِ وَرُبَّمَا تُصَدَّرُ أَوْ تُعَالَجُ صِنَاعِيًّا. وَأَقُولُ لِنَفْسِي: لَنْ يَأْكُلَ الْفَلَّاحُ كُلَّ بَطَاطِسِهِ؛ إِنَّ أُنَاسًا مِثْلِي هُمُ الَّذِينَ سَيَأْكُلُونَها. وَأَطْفَالُ تِلْكَ النِّسَاءِ سَيَكُونُونَ سُعَدَاءَ بِالْبَطَاطِسِ التي تُرِكَت لَهُمْ. وَمَنْ يَدْرِي؟ لَعَلَّ بَعْضَ أَبْنَاءِ هَؤُلَاءِ النِّسَاءِ يُصْبِحُونَ يَوْمًا مَا - وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ غِنًى - أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَبْنَاءِ «نَجْمِ الْيَوْمِ». ثُمَّ إِنَّ جُزْءًا مِنَ الْمَالِ الَّذِي سَيَجْنِيهِ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ بَطَاطِسِهِ سَيَنْتَقِلُ إِلَى جُيُوبِ آخَرِينَ: إِلَى الْفَنَادِقِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَدَارِسِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ وَغَيْرِهَا. وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحْصِيَ كَمْ مِنْ شَخْصٍ سَيَنْتَفِعُ مِنْ هَذِهِ الْبَطَاطِسِ، وَلَا كَمْ مِنَ الْأَطْفَالِ سَيَفْرَحُونَ بِرُقَاقَاتِهَا الْمَقْلِيَّةِ، نَاهِيكَ عَنْ ذَلِكَ «الْمَحْظُوظِ» الْآخَرِ: صَاحِبِ مَصْنَعِ رُقَاقَاتِ الْبَطَاطِسِ وَعُمَّالِهِ.
أَقِفُ بَيْنَ حَقْلَيْنِ وَاسِعَيْنِ مِنْ حُقُولِ الْبَطَاطِسِ لِأَتَأَمَّلَ فِي كُلِّ هَذَا، وَأُفَكِّرُ فِي الْعُمَّالِ الْمَوْسِمِيِّينَ الَّذِينَ سَعِدُوا بِعُثُورِهِمْ عَلَى عَمَلٍ فِي هَذَين الْحَقلَين، وَهُمْ - وَلَهُمْ عَائِلَاتٌ - قَدْ تَلَقَّوْا أُجُورَهُمْ أَيًّا كَانَتْ.
هَذَا التَّأَمُّلُ الْبَسِيطُ يَجْعَلُنِي أَسْأَلُ نَفْسِي: هَلْ أُرِيدُ النَّجَاحَ بِأَيِّ ثَمَنٍ، أَمْ أُرِيدُ السَّعَادَةَ؟ لَيْسَا شَيْئًا وَاحِدًا فِيما أَظُنُّ. فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ النَّاجِحِينَ لَيْسُوا سُعَدَاءَ، وَكَثِيرٌ مِنَ السُّعَدَاءِ لَمْ يَكُونُوا نَاجِحِينَ بِالْمِقْيَاسِ الْمَأْلُوفِ. فَمَاذَا أُرِيدُ إِذَنْ؟ أَنْ أَكُونَ سَعِيدًا وَنَاجِحًا مَعًا؟ حَسَنًا… وَلَكِنْ أَيُّهُمَا يَنْبَغِي أَنْ يكونَ على رأسِ أَولَوِياتي: النَّجَاحُ أَمِ السَّعَادَةُ؟
إِنَّ لِمَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يَتَحَمَّلُوهُ حُدُودًا، مَهْمَا بَلَغَتْ دَرَجَةُ إِيمَانِهِمْ وَمَهْمَا سَمَتْ مَرْتَبَةُ صِدْقِهِمْ. فَحَتَّى الأَنْبِيَاءُ مَرُّوا بِلَحَظَاتٍ مِنَ الضَّعْفِ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُجْتَمَعِ؛ فَكُلُّ إِنْسَانٍ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا بَيْنَ النَّاسِ. وَلَا أَحَدَ يَرْغَبُ أَنْ يَسْمَعَ الآخَرِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ بِسُوءٍ، وَأَنَا لَستُ استِثناءً.
لَكِنَّهُ لَأَمْرٌ صَعْبٌ - بَلْ صَعْبٌ جِدًّا - أَنْ أَقِفَ كَتِفًا إِلَى كَتِفٍ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ وَأَنَا لَا أَجِدُ كَلِمَاتٍ أُفَسِّرُ بِهَا وَضْعِي دُونَ أَنْ أَلْجَأَ إِلَى الْكَذِبِ. كَيْفَ أُوَاصِلُ الطَّرِيقَ؟ كَيْفَ أَبْقَى طَمُوحًا وَأَنَا أَرَى أَنَّ أُنَاسًا أَقَلَّ مِنِّي كَفَاءَةً يَعِيشُونَ فِي حَالٍ أَفْضَلَ مِنِّي بِكَثِيرٍ؟ وَمَاذَا بَقِيَ لِي لِأَحْلُمَ بِهِ فِي هَذَا الْعُمْرِ؟
لِنَفْتَرِضْ أَنَّنِي حَصَلْتُ - بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْبَطَالَةِ - عَلَى عَمَلٍ جَيِّدٍ. لَعَلَّ أَوَّلَ مَا سَيَخْطُرُ لِي هو أَنْ أُظْهِرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ، حتى يَعْرِفُوا قِيمَتِي. وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَسُوءُ الأُمُورُ، مَاذَا أَفْعَلُ؟ رُبَّمَا أُحَاوِلُ أَنْ أَتَوَارَى عَنِ الأَنْظَارِ. وَلَكِنْ إِلَى مَتَى سَأَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ فَسَيَعْرِفُ النَّاسُ فِي النِّهَايَةِ أَنَّنِي عَاطِلٌ عَنِ الْعَمَلِ وَأَنَّنِي أُعَانِي. وَعِنْدَهَا سَتَظْهَرُ وُجُوهُهُمْ الْحَقِيقِيَّةُ، وَسَيُبَيِّنُونَ لِي قِيمَتِي فِي أَعْيُنِهِمْ. سَأَشْعُرُ بِأَنَّنِي صَغِيرٌ، بِلَا قِيمَةٍ. سَأُدْرِكُ أَنَّ قِيمَتِي فِي نَظَرِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ لَا تُقَاسُ بِمَا أَنَا عَلَيْهِ، بَلْ بِمَا أَمْلِكُهُ. سَأَرَى كَيْفَ سَيَتَصَرَّفُ الأَصْدِقَاءُ الَّذِينَ كُنْتُ أَظُنُّهُمْ خَيْرَ الأَصْدِقَاءِ إِزَاءَ بُؤْسِي، وَكَيْفَ سَيَتَصَرَّفُ أَفْرَادُ عَائِلَتِي الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ إِزَاءَ بَطَالَتِي الطَّوِيلَةِ، وَكَيْفَ سَيَخْذُلُنِي النَّاسُ حِينَ أَكُونُ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمْ.
وَلَكِنْ كَيْفَ سَأَشْعُرُ عِنْدَمَا يَعُودُ إِلَيَّ الْمَالُ، فَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْتَرِيَ مَا لَمْ أَكُنْ أَسْتَطِيعُ شِرَاءَهُ قَبْلَ سَنَةٍ، أَوْ أَن أَذْهَبَ إِلَى أَمَاكِنَ لَمْ أَكُنْ أَجْرُؤُ عَلَى إِظْهَارِ وَجْهِي فِيهَا قَبْلَ أَشْهُرٍ؟
عِنْدَمَا أَخْرُجُ إِلَى الشَّارِعِ بِسُتْرَةٍ نَظِيفَةٍ وَبِنْطَالٍ نَظِيفٍ، مَنْ سَيَعْرِفُ أَنَّهُ لَا مَالَ فِي جُيُوبِي؟ لِأَنَّنِي لَا أَتَسَوَّلُ سَيَظُنُّ النَّاسُ أَنَّنِي غَنِي. وَبِذَلِكَ لَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ لِمُسَاعَدَتِي، حَتَّى وَلَوْ كُنْتُ مُثْقَلًا بِالدُّيُونِ، وَرُبَّمَا لَا أَسْتَطِيعُ حتى تَأْمِينَ قُوتِ يَوْمِي.
أَمْشِي فِي الشَّارِعِ كَأَنِّي شَخْصٌ عَادِيٌّ- كَأَنِّي غَنِيٌّ. وَلَعَلِّي، فِي دَاخِلِي، غَنِيٌّ فِعْلًا؛ فَأَنَا لَا أَنْبَهِرُ بِمَا يَمْلِكُهُ الآخَرُونَ، وَلَا يَهُمُّنِي مَنْ يَمْلِكُ مَاذَا. أَحْتَرِمُ الْجَمِيعَ وَأَتَمَنَّى الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ. وَلَكِنَّنِي - فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ - أَتَمَنَّى أَيْضًا أَنْ أَكُونَ إِنْسَانًا عَادِيًّا مِثْلَ بَقِيَّةِ النَّاسِ.
فَإِذَا كَانَ النَّاسُ يُسَارِعُونَ لِيَحْصُلُوا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا - شَيْئاً فِي الْعِشْرِينَ، وَآخَرَ فِي سِنِّ الثَّلَاثِينَ، وَآخَرَ فِي الأَرْبَعِينَ، وَآخَرَ فِي الْخَمْسِينَ - فَإِنَّنِي أَرْجُو فَقَطْ أَنْ أَحْصُلَ عَلَى شَيْءٍ مَا قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ. وَسَأَبْذُلُ كُلَّ مَا أَسْتَطِيعُ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، كَأَنَّنِي سَأَعِيشُ إِلَى الأَبَدِ.
إِنَّ الأَمْرَ يَعُودُ إِلَيَّ أَنَا: أَنْ أَرَى الْجَمَالَ فِي الإِنْسَانِ، وَفِي الطُّيُورِ، وَفِي الْجَدَاوِلِ، وَفِي الْحَيَوَانَاتِ، وَفِي السَّمَاءِ الْمُرَصَّعَةِ بِالنُّجُومِ، وَفِي الْبَحْرِ، وَفِي الشِّعْرِ، وَفِي الْمُوسِيقَى، وَفِي الْفُنُونِ، وَفِي مَلَابِسِ النَّاسِ، وَفِي اخْتِلَافَاتِهِمْ: الْجَسَدِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالْحَضَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَعَلَيَّ أَيْضًا أَنْ أُقَدِّرَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ الَّتِي مُنِحْتُهَا لِأَشْعُرَ بِجَمَالِ هَذَا الْعَالَمِ فِي كُلِّ صُوَرِهِ.
وَمَهْمَا بَدَتِ الْحَيَاةُ صَعْبَةً أَوْ قَصِيرَةً، فَإِنَّهَا أَجْمَلُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَبْدُو عَلَيْهِ أَحْيَانًا. وَإِذَا كَانَتْ قَصِيرَةً وَصَعْبَةً، فَلَا بُدَّ أَنَّ لِذَلِكَ حِكْمَةً.
عِنْدَمَا نَكُونُ شَبَابًا نُفَكِّرُ كَثِيرًا فِي الْحَيَاةِ الْهَنِيئَةِ. وَلَكِنَّ الْحَيَاةَ - حَتَّى وَلَو حَصَلْنَا عَلَى مَا نَتَمَنَّى - لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَاتِبٍ وَسَيَّارَةٍ وهِندامٍ أنيقٍ. فَقَدْ نَجِدُ أَنْفُسَنَا نَعيشُ حَيَاةً بِلَا طَعْمٍ، رَتِيبَةً بِلَا مَعْنًى، حَتَّى وَإِنْ كُنَّا فِي وَضْعٍ مادٍّي مُرِيحٍ. قَدْ نَعِيشُ فِي مَدِينَةٍ جَمِيلَةٍ وَلَكِنَّهَا مُمْتَلِئَةٌ بِالتَّلَوُّثِ وَالنِّفَايَاتِ وَالْجَرِيمَةِ. فَهَلْ نَقُولُ عِنْدَئِذٍ إِنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ جَمِيلَةً؟ إِنَّ الْحَيَاةَ تُحَسُّ وَلَا تُقَاسُ. فَسَوَاءٌ أَكَلْتَ سَمَكًا أَوْ لَحْمًا، بَطَاطِسَ أَوْ كَافِيَارًا، فَالْأَمْرُ فِي النِّهَايَةِ وَاحِدٌ: لَمْ تَعُدْ جَائِعًا. وَلَكِنَّ السُّؤَالَ هُوَ: هَلْ أَنْتَ سَعِيدٌ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟
إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى وُجُودِي نَظْرَةً أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ هُمُومِي الْيَوْمِيَّةِ، فَهَلْ يَكْفِينِي أَنْ أُعْجَبَ بِالطُّيُورِ دُونَ أَنْ أَتَأَمَّلَ رِيشَهَا الْبَدِيعَ أَوْ هِجْرَتَهَا الْمُدْهِشَةَ؟ هَلْ يَكْفِينِي أَنْ أُمَيِّزَ الأَلْوَانَ وَالأَشْكَالَ وَأَعْرِفَ أَسْمَاءَهَا دُونَ أَنْ أَتَسَاءَلَ: مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ كُلُّ هَذِهِ الأَلْوَانِ وَالأَشْكَالِ؟ مَنْ خَلَقَهَا؟ وَلِمَاذَا؟
لَقَدْ أَصْبَحْتُ أُؤْمِنُ أَنَّنَا جَمِيعًا بَشَرٌ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ اعْتِقَادٍ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ. نَحْنُ جَمِيعًا ضُعَفَاءُ، لَنَا الْمَخَاوِفُ نَفْسُهَا وَالطُّمُوحَاتُ نَفْسُهَا. نَأْكُلُ الْخُضَرَ وَالْفَوَاكِهَ وَالْخُبْزَ وَالْجُبْنَ - إِنِ اسْتَطَعْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. نُرِيدُ أَنْ نَكْبَرَ، وَنَعْمَلَ، وَنَتَزَوَّجَ. وَسَنُوَاجِهُ - إِلَى حَدٍّ مَا - الْمَشَاكِلَ نَفْسَهَا وَالْمُتَعِ نَفْسَهَا.
نَحْنُ جَمِيعًا نَحْتَاجُ إِلَى الْمَاءِ وَالْأُكْسِجِينِ. وَالْمَاءُ الَّذِي يَجْرِي فِي نَهْرِ السِّينِ أَوْ فِي النِّيلِ تَشْرَبُهُ النَّبَاتَاتُ وَالْحَيَوَانَاتُ وَالْبَشَرُ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ… مَا دَامَ الْمَاءُ مُتَوَفِّرًا لِلْجَمِيعِ. وَلَكِنَّهُ أَحْيَانًا لَا يَكُونُ هُنَاكَ مَاءٌ، أَوْ لَا يَكُونُ كَافِيًا. فَيَمُوتُ النَّاسُ جُوعًا أَوْ عَطَشًا، وَيُضْطَرُّ آخَرُونَ إِلَى الْهِجْرَةِ فِرَارًا مِنَ الْمَجَاعَةِ. فَمَنْ سَيَتَحَدَّثُ عَنْ جَمَالِ الْحَيَاةِ لِهَؤُلَاءِ؟ وَلَكِنْ مَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ حِينَ يَكُونُ عِنْدَنَا الْمَطَرُ وَالنَّسِيمُ وَالأَزْهَارُ وَالزُّبْدَةُ وَالْعَسَلُ؟ عِنْدَمَا تَسِيرُ الْحَيَاةُ بِسُهُولَةٍ وسَلاسة، نَادِرًا مَا نَتَذَكَّرُ الْقَدَرَ.
أَرَى أَنَّ أَعْيُنَ النَّاسِ لَيْسَتْ كُلُّهَا بِلَوْنٍ وَاحِدٍ، بَلْ حَتَّى الْعُيُونُ الْمُتَشَابِهَةُ فِي اللَّوْنِ لَيْسَتْ مُتَطَابِقَةً تَمَامًا. فَكُلُّ إِنْسَانٍ كَائِنٌ فَرِيدٌ، لَهُ بَصْمَتُهُ وَصَوْتُهُ وَقَلْبُهُ وَعَقْلُهُ وَحَيَاتُهُ. فَمَنْ الَّذِي صَمَّمَ كُلَّ هَذَا؟
قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ إِنَّ الْعَالَمَ كَانَ سَيَكُونُ أَفْضَلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقِيرٌ وَلَا مُتَسَوِّلٌ، وَلَا أَرْمَلَةٌ وَلَا يَتِيمٌ، وَلَا حَرْبٌ وَلَا مَجَاعَةٌ. وَلَكِنِّي أَتَسَاءَلُ: مَا قِيمَةُ إِنْسَانِيَّتِنَا، إِذَنْ، إذا لَمْ نُظْهِرْهَا فِي لَحَظَاتِ الزَّلَازِلِ وَالْجَفَافِ وَالْفَيَضَانَاتِ وَالأَزَمَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ؟
وَالْحَقُّ أَنِّي، فِي أَشَدِّ الظُّرُوفِ قَسْوَةً، أَرَى أَيْضًا أَعْمَالًا مُدْهِشَةً مِنَ التَّكَافُلِ وَالتَّضَامُنِ وَالرَّحْمَةِ. نَعَمْ، أَرَى اللُّصُوصَ وَالنَّاهِبِينَ، وَلَكِنِّي أَرَى فِي الْمُقَابِلِ أُنَاسًا يُخَاطِرُونَ بِحَيَاتِهِمْ لِإِنْقَاذِ الْآخَرِينَ.
أَفَلَا يَجْدُرُ بِي إِذَنْ أَنْ أَرَى فِي هَذِهِ الأَحْدَاثِ - وَفِي مَشَاكِلِي الشَّخْصِيَّةِ أَيْضًا - نَوْعًا مِنَ التَّنْبِيهِ، يُذَكِّرُنِي بِأَنَّنِي مُجَرَّدُ عَابِرٍ فِي هَذِهِ الأَرْضِ، وَأَنَّهُ قَدْ حَانَ الْوَقْتُ لِأُعِدَّ نَفْسِي لِحَيَاةٍ أُخْرَى أَبَدِيَّةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ؟
إِنَّ الإِنْسَانَ هُوَ الَّذِي تَجَرَّأَ عَلَى قَتْلِ الإِنْسَانِ. فَقَدْ قَتَلَ رَجُلٌ أَخَاهُ بِدَافِعِ الْغَيْرَةِ، وَمَا زَالَتْ هَذِهِ الْغَيْرَةُ نَفْسُهَا تُشْعِلُ الْحُرُوبَ وَتَدْفَعُ مَلَايِينَ اللَّاجِئِينَ إِلَى الطُّرُقِ. الإنسان هو الذي يَستغِل أخاه الإنسان. الإنسان هو الذي يُحْرِقُ أَطْنَانَ الْقَمْحِ أَوْ يُلْقِيهَا فِي الْبَحْرِ لِرَفْعِ الأَسْعَارِ.
3
مِثْلَ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ أَرَى بَرِيقَ بَعْضِ النَّاسِ؛ أَرَى كَيْفَ يَعِيشُ «المَحْظُوظُونَ»، وَأَرَى الاِتِّسَاعَ المُتَزَايِدَ لِلْفَجْوَةِ بَيْنَ الفُقَرَاءِ وَالأَغْنِيَاءِ... وَأَقُولُ لِنَفْسِي: كَانَ قَبْلَنَا، فِي الأَزْمِنَةِ القَدِيمَةِ كَمَا فِي الأَزْمِنَةِ الأَقْرَبِ، نَاسٌ تَمَتَّعُوا هُمْ أَيْضًا بِقَدْرٍ مِنَ البَرِيقِ؛ كَانَ هُنَاكَ رِجَالٌ وُسَمَاءُ وَنِسَاءٌ جَمِيلَاتٌ أَحَبُّوا بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَأَنْجَبُوا أَبْنَاءً، وَعَاشُوا فِي قُصُورٍ جَمِيلَةٍ، وَعَمِلُوا (بَعْضُهُمْ)، وَاسْتَمَعُوا إِلَى المُوسِيقَى، وَتَنَزَّهُوا فِي حَدَائِقَ غَنَّاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَلِمَاتٍ عَذْبَةً، وَتَعَاشَقُوا، وَحَلِمُوا بِأَيَّامٍ أَفْضَلَ، وَمَرِضُوا، وَتَطَلَّقُوا، وَخَاضُوا الحُرُوبَ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأُصِيبُوا، وَمَاتُوا. نَاسٌ مِثْلُنَا تَمَامًا. أَفَهَلْ هُوَ إِذَنْ مُجَرَّدُ اسْتِمْرَارٍ لِلنَّوْعِ الإِنْسَانِيِّ؟ إِلَى أَيْنَ نَحْنُ مُتَّجِهُونَ؟ أَهَلْ سَيَظَلُّ البَشَرُ أَبَدًا يَذُوقُونَ المُتَعَ نَفْسَهَا وَيُعَانُونَ الإِحْبَاطَاتِ نَفْسَهَا؟ لِمَاذَا نَحْنُ هُنَا عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ؟ أَفَلَا يَأْتِي يَوْمٌ يَخْتَفِي فِيهِ الشَّقَاءُ إِلَى الأَبَدِ؟ مَا قِيمَةُ الحَيَاةِ إِنْ لَمْ يَعِشْهَا الإِنْسَانُ عَيْشَةً كَامِلَةً فِي فَرَحٍ وَسَكِينَةٍ؟ وَمَا الجَدْوَى مِنْ إِضَاعَةِ الوَقْتِ فِي مُعَاوَدَةِ طَرْحِ الأَسْئِلَةِ نَفْسِهَا؟ وَمَا نَفْعُ التَّارِيخِ، وَمَا نَفْعُ الفَلْسَفَةِ، وَمَا نَفْعُ الأَدَبِ... إِذَا كَانَ المُؤَرِّخُونَ أَنْفُسُهُمْ، وَالفَلَاسِفَةُ، وَالكُتَّابُ وَالكَاتِبَاتُ يلجؤون أَحْيَانًا إِلَى وَضْعِ حَدٍّ لِحَيَاتِهِمْ هَرَبًا مِنْ وَاقِعِهِمُ المُفْزِعِ؟ لَيْسَ لَدَيَّ أَجْوِبَةٌ عَنْ ذَلِكَ. غَيْرَ أَنِّي أُلَاحِظُ فَقَطْ أَنَّ هُنَاكَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يُقْدِمُونَ عَلَى الاِنْتِحَارِ. إِنَّهُمْ يُوَاجِهُونَ الحَيَاةَ بِمَا لَدَيْهِمْ مِنْ وَسَائِلَ قَلِيلَةٍ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الحَيَاةَ، عَلَى الأَقَلِّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ. فَهَلِ الحَيَاةُ حَقًّا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ- مَهْمَا تَكَاثَرَتْ أَحْزَانُنَا؟
عِنْدَمَا أَقْرَأُ كُتُبَ التَّارِيخِ أَوِ الحِكَايَاتِ القَدِيمَةَ أَوِ القَصَائِدَ أَلَاحِظُ بِسُهُولَةٍ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا دَائِمًا أَهَمَّ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ، أَوْ مَرَاكِبِهِمْ، أَوْ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ مِمَّا يَمْلِكُونَ. لَقَدْ خَافَ الإِنْسَانُ دَائِمًا مِنَ المَرَضِ وَالمَوْتِ وَالفَقْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَانَ دَائِمًا بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ يَشْعُرَ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالحِمَايَةِ وَالأَمَانِ. وَقَدْ صَنَعَ السِّلمَ بَعْدَ الحَرْبِ، وَأَقَامَ المَحَاكِمَ لِإِقَامَةِ العَدْلِ، وَبَنَى المَدَارِسَ لِتَعْلِيمِ الأَجْيَالِ القَادِمَةِ، وَشَيَّدَ المُدُنَ وَالقُرَى لِيَشْعُرَ النَّاسُ بِالقُرْبِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلِيُقِيمُوا أَنْوَاعًا شَتَّى مِنَ العَلَاقَاتِ السَّلِيمَةِ، وَلِيَتَعَاوَنُوا وَيَتَبَادَلُوا الخِدْمَاتِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنِ العَلَاقَاتُ الشَّخْصِيَّةُ أَوْ عِلَاقَاتُ الجِيرَةِ أَوِ العَشَائِرِ مِثَالِيَّةً. وَقَدْ يُعَانِي الإِنْسَانُ أَحْيَانًا مِنَ البَرْدِ أَوِ الحَرِّ أَوِ الجُوعِ أَوِ العَطَشِ أَوِ التَّعَبِ أَوِ الخَوْفِ أَوْ فِقْدَانِ الأَحِبَّةِ... لَكِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَذَوَّقُ لَذَّةَ الطَّعَامِ بَعْدَ الجُوعِ، وَلَذَّةَ الشَّرَابِ بَعْدَ العَطَشِ، وَلَذَّةَ الرَّاحَةِ بَعْدَ التَّعَبِ، وَلَذَّةَ الحُبِّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.
فِي المَاضِي كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ المَعْرِفَةَ فِي رُؤُوسِهِمْ، يَأخذونها عَنْ شُيُوخِهِمْ، ثُمَّ يُوَرِّثُونَهَا لِلأَجْيَالِ التَّالِيَةِ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَتْ تُبْنَى قُصُورٌ وَمَدَارِسُ وَطُرُقٌ وَحَدَائِقُ وَمَصَانِعُ جَدِيدَةٌ، وَكَانَتْ مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ بِالعَالَمِ تَتَّسِعُ أكثرَ فَأَكثر. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يُنَصَّبُ مَلِكٌ جَدِيدٌ، و تنشَأُ ممالِكُ جديدة. السُّؤَالُ هُوَ: لِمَاذَا لَمْ تَدُمِ المَمَالِكُ «الصَّالِحَةُ» إِلَى الأَبَدِ؟ وَلِمَاذَا وُجِدَتْ مَمَالِكُ «سَيِّئَةٌ» أَيْضًا؟ إِنَّهُ سُؤَالٌ عَسِيرُ الجَوَابِ.
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي نَسْتَعْمِلُهَا اليَوْمَ قَدِ اخْتَرَعَتْهَا شُعُوبٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ وَفِي أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَالبُرُونْزُ، مَثَلًا، اخْتَرَعَهُ الصِّينِيُّونَ، وَالزُّجَاجُ اخْتَرَعَهُ أُنَاسٌ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَالوَرَقُ اخْتَرَعَهُ المِصْرِيُّونَ، وَالأَبْجَدِيَّةُ اخْتَرَعَهَا الفِينِيقِيُّونَ، وَهَكَذَا دَوَالَيْكَ. وَتَعَلَّمَ كُلُّ شَعْبٍ مِنَ الشُّعُوبِ الأُخْرَى، وَأَضَافَ اخْتِرَاعَاتِهِ الخَاصَّةَ، فَاتَّسَعَتْ بِذَلِكَ مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ بِالعَالَمِ. وَانْتَشَرَتْ هَذِهِ المَعْرِفَةُ عَنْ طَرِيقِ التِّجَارَةِ وَالفُتُوحات. وَوَرِثَ الفَاتِحُونَ مَعَارِفَ الشُّعُوبِ المَغْلُوبَةِ، فَحَمَلُوهَا إِلَى بِلَادِهِمْ أَوْ نَشَرُوهَا فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ جَلَبَ الفَاتِحُونَ أَيْضًا أَسَالِيبَ حَيَاتِهِمْ وَأَفْكَارَهُمْ وَفُنُونَهُمْ وَدِيَانَتَهُمْ.
مِنَ اللاَّفِتِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَخْتَارُونَ تَبْسِيطَ حَيَاتِهِمْ مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ النَّفْسِيِّ. فَهُمْ يَتْرُكُونَ مَنَاصِبَ كَانُوا يَتَقَاضَوْنَ فِيهَا أُجُورًا عالِيةً، وَيَقْبَلُونَ بِوَظَائِفَ مُخَصَّصَةٍ لِمَنْ هُمْ أَقَلُّ تَأْهِيلًا. وَالسَّبَبُ، كَمَا يَقُولُونَ، هُوَ الضَّغْطُ النَّفْسِيُّ. فَقَدْ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّضْحِيَةِ بِجُزْءٍ مِنْ دَخْلِهِمْ السَّابِقِ حِفَاظًا عَلَى أَعْصَابِهِمْ.
وَهُنَاكَ فِئَةٌ أُخْرَى مِنَ العُمَّالِ. إِنَّهم أَشْخَاصٌ لَا «يَعْمَلُونَ»، وَمَعَ ذَلِكَ يَتَقَاضَوْنَ رَوَاتِبَهُمْ كُلَّ شَهْرٍ. فَهُمْ يَذْهَبُونَ فَقَطْ إِلَى أَمَاكِنِ عَمَلِهِمْ، وَيُسَجِّلُونَ حُضُورَهُمْ، ثُمَّ يَجْلِسُونَ خَامِلِينَ عَلَى الكَرَاسِي بَيْنَمَا يَعْمَلُ غَيْرُهُمْ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً لِيَحْصُلُوا فِي نِهَايَةِ الشَّهْرِ عَلَى الرَّاتِبِ نَفْسِهِ. وَالغَرِيبُ أَنَّ الَّذِينَ «يَعْمَلُونَ» هُم أَكْثَرُ سَعَادَةً مِنَ الَّذِينَ «لَا يَعْمَلُونَ». فَالذِينَ «لَا يَعْمَلُونَ» لَا يَشْعُرُونَ بِالسَّعَادَةِ أَبَدًا لِأَنَّ زُمَلَاءَهُمُ العَامِلِينَ يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ دَائِمًا، وَيَقُولُونَ لَهُمْ مَثَلاً: «أَنْتُمْ أُنَاسٌ عَدِيمُو الفَائِدَةِ؛ نَحْنُ نَعْمَلُ لِنُطْعِمَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَسْرِقُونَ أَرزاقَنا!»
وَهُنَاكَ عُمَّالٌ آخَرُونَ يَأخُذُونَ الأُمُورَ بِبَسَاطَةٍ، وَنَادِرًا مَا يَحْتَجُّونَ. وَبَعْضُهُمْ لَا يَأْخُذُونَ إِجَازَةً قَطُّ أَوْ نَادِرًا جِدًّا. وَيَعْمَلُ بَعْضُهُمْ فِي مَنَاجِمَ خَطِرَةٍ أَوْ فِي صِنَاعَةِ الفُولَاذِ حَيْثُ تَكُونُ النِّيرَانُ مَنْظَرًا يَوْمِيًّا. وَيَعْمَلُ آخَرُونَ فِي الحُقُولِ تَحْتَ الشَّمْسِ المُحْرِقَةِ. وَيَعْمَلُ آخَرُونَ بَعِيدًا عَنْ بُيُوتِهِمْ، تَارِكِينَ أَزْوَاجَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَقَارِبَهُمْ خَلْفَهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ هُمْ مُهَاجِرُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُمْ جُنُودٌ فِي الجَيْشِ، أَوْ بَحَّارُونَ فِي أَعَالِي البِحَارِ. وَهُمْ يَفْعَلُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِأَقَلِّ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الشَّكْوَى، لِأَنَّهُمْ لَنْ يَتَقَاضَوْا أَجْرًا إِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.
إِنَّ العَمَلَ الشَّاقَّ خَيْرٌ بِكَثِيرٍ مِنَ البَطَالَةِ. فَالعَامِلُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ أَثْمانَ أَشْيَاءَ لَا يَقْدِرُ العَاطِلُ عَنِ العَمَلِ عَلَى دَفْعِهَا. وَيَكُونُ الفَرْقُ كَبِيرًا عِنْدَمَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقْتَرِضَ مَالًا لِتُلَبِّيَ حَاجَةً عَاجِلَةً، لِأَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْمَنَ سَدَادَهُ، بَيْنَمَا يَسْتَطِيعُ العَامِلُ ذُو الدَّخْلِ الثَّابِتِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. وَالأَشَدُّ إِيلَامًا أَنْ تَرَى نَفْسَكَ عَاطِلًا عَنِ العَمَلِ وَأَنْتَ فِي الأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِكَ أَوْ أَكْبَرَ، بَيْنَمَا أَصْدِقَاؤُكَ وَأَقَارِبُكَ الأَصْغَرُ سِنًّا قَدْ أَصْبَحُوا مُيَسَّرِي الحَالِ.
وَلَكِنْ، مَا إِنْ تَحْصُلْ عَلَى عَمَلٍ حَتَّى تُصْبِحَ مِثْلَ سَائِرِ العُمَّالِ. فَتَبْدَأُ أَنْتَ أَيْضًا تُعَانِي مِنْ مَشَاكِلَ جَدِيدَةٍ وَقَدِيمَةٍ. وَتَبْدَأُ فِي التَّفْكِيرِ فِي الإِجَازَاتِ، مِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى.
الإِجَازَاتُ فُرْصَةٌ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ لِلرَّاحَةِ وَالاِسْتِمْتَاعِ. وَمَا إِنْ يَعُودَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ إِجَازَتِهِمُ السَّنَوِيَّةِ حَتَّى يَبْدَؤُوا فِي الاِسْتِعْدَادِ لِلإِجَازَةِ التَّالِيَةِ، الَّتِي لَنْ تَأْتِيَ بِالطَّبْعِ قَبْلَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا طَوِيلًا. وَقَدْ يَكُونُ أَحَدَ الأَسْبَابِ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ التَّبَاهِيَ بِإِجَازَاتِهِمْ. وَقَدْ يَكُونُ السَّبَبُ الآخَرُ أَنَّهُمْ بِكُل بَساطَةٍ يَسْأَمُونَ العَمَلَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ جُدْرَانٍ.
وَمِمَّا كَانَ يُثِيرُ دَهْشَتِي دَائِمًا أَنَّ مُعْظَمَ الَّذِينَ يَمْلَؤُونَ حَافِلَاتِ السِّيَاحَةِ فِي بَلَدِي هُمْ مِنَ المُسِنِّينَ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِي هَذَا مَا يَدْعُو إِلَى أَنْ يَبْقَى كِبَارُ السِّنِّ فِي بُيُوتِهِمْ لِيُسَاعِدُوا أَحْفَادَهُمْ فِي وَاجِبَاتِهِمُ المَدْرَسِيَّةِ. وَلَكِنَّ هَذَا يَجْعَلُنِي أَتَسَاءَلُ عَمَّا إِذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَتَطَلَّعُونَ حَقًّا إِلَى الشَّيْخُوخَةِ وَالتَّقَاعُدِ. أَلَيْسَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَقْتُ، بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، فُرْصَةً لِتَعْوِيضِ «الوَقْتِ الضَّائِعِ» الَّذِي قَضَوْهُ «بَيْنَ أَرْبَعَةِ جُدْرَانٍ»؟
ولِمَاذَا يَنْتَظِرُ الإِنْسَانُ كُلَّ هَذَا الزَّمَنِ؟ فَالعَمَلُ، فِي النِّهَايَةِ، لَيْسَ لَعْنَةً. بَلْ إِنَّ العَمَلَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ شَيْءٌ رَائِعٌ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الأَجْرَ الَّذِي يَدْفَعُهُ صَاحِبُ العَمَلِ لِمُوَظَّفِهِ لَيْسَ إِلَّا تَعْوِيضًا رَمْزِيًّا - أَوْ لِنَقُلْ أَدَبِيًّا - عَنِ الجُهْدِ المَبْذُولِ فِي العَمَلِ. فَهَذَا الأَجْرُ لَا يُمكِنُ أَبَدًا أَنْ يُعَوِّضَ عَنْ كُلِّ الجُهْدِ الَّذِي يَبْذُلُهُ العَامِلُ فِي عَمَلِهِ. فَكُلُّ جُهْدٍ جَسَدِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ أَوْ نَفْسِيٍّ تَبْذُلُهُ لِتُؤَدِّيَ مَا يُنْتَظَرُ مِنْكَ فِي عَمَلِكَ سَيَكُونُ لَهُ، لَا مَحَالَةَ، أَثَرٌ مَا (سَلْبِيٌّ) عَلَى جَسَدِكَ أَوْ نَفْسِيَّتِكَ فِي مَرْحَلَةٍ مَا مِنْ حَيَاتِكَ اللَّاحِقَةِ. وَأَيًّا كَانَ المَالُ أَوِ الاِمْتِيَازَاتُ الَّتِي قَدْ تَحْصُلُ عَلَيْهَا مُقَابِلَ عَمَلِكَ، فَإِنَّهَا لَنْ تُعَوِّضَ أَيَّ جُزْءٍ مِنْ جَسَدِكَ إِذَا تَلِفَ. فَالمَالُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَوِّضَ عَصَبًا فُقِدَ أَوْ رِئَةً تَلِفَتْ.
وَيُعَدُّ التَّدْخِينُ وَالسُّمْنَةُ وَارْتِفَاعُ ضَغْطِ الدَّمِ مِنْ بَيْنِ بَعْضِ المَشَاكِلِ المُرْتَبِطَةِ بِالعَمَلِ. فَإِذَا أَضَفْتَ إِلَى ذَلِكَ المُضَايَقَةَ أَوِ التَّنَمُّرَ، مَثَلًا، فَكَيْفَ تَكُونُ حَيَاتُكَ؟ كَيْفَ سَتَتَصَرَّفُ مَعَ أُسْرَتِكَ؟ أَيَكُونُ مِنَ الصَّوَابِ أَنْ تَصْرُخَ فِي وَجْهِ زَوْجَتِكَ الوَدود
فِي البَيْتِ، وَأَنْ تَبْتَسِمَ لِرَئِيسِكَ المُتَنَمِّرِ فِي مَقَر عَمَلِك؟ وَكَيْفَ تَتَحَمَّلُ ضَغْطَ الرَّسْمِيَّاتِ وَآدَابِ السُّلُوكِ إِذَا كَانَ طِفْلُكَ يَتَأَلَّمُ فِي المُسْتَشْفَى؟
وَتَزْدَادُ الأُمُورُ سُوءًا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَمَلُكَ ثَابِتًا. فَمَا دَامَ عَمَلُكَ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، فَإِنَّ القَلَقَ نَادِرًا مَا يُفَارِقُكَ. وَإِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُؤَمِّنَ مَعَاشًا لِمَا بَعْدَ التَّقَاعُدِ، فَمَاذَا تَفْعَلُ؟
سَيُعَانِي أَبْنَاؤُكَ أَيْضًا إِذَا فَقَدْتَ عَمَلَكَ. فَقَدْ يَتَجَنَّبُونَ أَصْدِقَاءَهُمُ المُقَرَّبِينَ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَدْفَعُوا ثَمَنَ تِلْكَ الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي يَدْفَعُهَا الآخَرُونَ بِسُهُولَةٍ. فَمَاذَا تَفْعَلُ إِذَنْ؟ أَتَنْتَظِرُ الاِنْتِخَابَاتِ القَادِمَةَ لِتُصَوِّتَ لِحِزْبٍ يَعِدُ بِمَزِيدٍ مِنَ الوَظَائِفِ؟
وَحَتَّى إِذَا حَصَلْتَ عَلَى عَمَلٍ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الاِنْتِظَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَنْ «يُمْحِيَ» آثَارَ بَطَالَتِكَ السَّابِقَةِ. فَالخَوْفُ مِنْ فَقْدَانِ العَمَلِ سَيَبْقَى مُلَازِمًا لَكَ، وَهَذَا الخَوْفُ سَيُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِكَ فِي مَرْحَلَةٍ مَا مِنْ حَيَاتِكَ اللَّاحِقَةِ.
يَخْسَرُ مُعْظَمُ العُمَّالِ شَيْئًا مَا أَثْنَاءَ عَمَلِهِمْ. فَالفَلَّاحُ الَّذِي يَعْمَلُ فِي الحُقُولِ تَحْتَ الشَّمْسِ المُحْرِقَةِ سَيُعَانِي يَوْمًا مَا مِنْ صُدَاعٍ مُؤْلِمٍ. وَسَيَزِيدُ الخَوْفُ الدَّائِمُ مِنْ سَنَةٍ زِرَاعِيَّةٍ سَيِّئَةٍ مِنْ مَتَاعِبِهِ. وَالأَمْرُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ العُمَّالِ الآخَرِينَ.
فَإِذَا كَانَ العَمَلُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ «شَيْئًا رَائِعًا» ؟
قَدْ يَتَخَيَّلُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ بَعْضَ «العَامِلِينَ» لَيْسَ لَدَيْهِمْ مَا يَقْلَقُونَ بِشَأْنِهِ. فَقَدْ يَتَصَوَّرُونَ أَنَّ الفَنَّانَ، مَثَلًا، شَخْصٌ حُرٌّ يَعْمَلُ مَتَى شَاءَ وَيَحْيَا حَيَاةً مِهْنِيَّةً نَاجِحَةً ومُمتِعَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَلَكِنَّ الفَنَّانِينَ يُعَانُونَ هُمْ أَيْضًا. فَقَدْ يَبْكِي الفَنَّانُ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ، بَلْ رُبَّمَا سِنِينَ، قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَكَ تَبْتَسِمُ لِبِضْعِ ثَوَانٍ. وَالفَنَّانُ يَعْرِفُ أَيْضًا مَا يُعْرَفُ بِالضَّغْطِ وَالقَلَقِ. وَهُوَ أَيْضًا يَحْتَاجُ إِلَى المَالِ وَالاِسْتِقْرَارِ. وَلَهُ أَيْضًا عِلَاقَاتُهُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ. وَهُوَ أَيْضًا يَخَافُ الفَقْرَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا أَصْلًا. (وَهَذَا لَيْسَ أَمْرًا جَدِيدًا.) وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الفَنَّانِينَ يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ سُعَدَاءَ.
وَحَتَّى أُولَئِكَ النُّجُومُ المَشْهُورُونَ لَدَيْهِمْ هُمْ أَيْضًا «مَشَاكِلُ عَمَلٍ». فَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يُصْبِحَ الإِنْسَانُ نَجْمًا. وَقَدْ لَا يَدُومُ بَرِيقُ الشُّهْرَةِ وَالثَّرَاءِ طُولَ الحَيَاةِ. وَهَذَا أَمْرٌ مُؤْلِمٌ لِلْفَنَّانِينَ. فَمَا إِنْ يُصْبِحَ النَّجْمُ مُجَرَّدَ إسمٍ من الماضي حَتَّى تَتَرَاكَمَ مَشَاكِلُهُ. وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ يَحْدُثُ لَنَا جَمِيعًا بِشَكْلٍ مَا. فَمَا إِنْ نَبْلُغَ سِنًّا مُعَيَّنَةً حَتَّى تَبْدَأَ مَخَاوِفُنَا الصِّحِّيَّةُ، مِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى.
لَيْسَ مِنَ الغَرِيبِ أَنْ تَرَى كَاتِبًا يَبْتَسِمُ سَعِيدًا بَعْدَ أَنْ يُنْهِيَ رِوَايَةً طَوِيلَةً. وَلَيْسَ مِنَ الغَرِيبِ أَنْ تَرَى امْرَأَةً تَبْتَسِمُ فِي غِبْطَةٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ مَولودَها. وَلَيْسَ مِنَ الغَرِيبِ أَنْ تَرَى طَالِبًا فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ بَعْدَ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى شَهَادَةٍ جَامِعِيَّةٍ. وَلَكِنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ ما يَزَالُ يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ، وَذَلِكَ الطِّفْلُ يَجِبُ أَنْ يُرَبَّى، وَتِلْكَ الشَّهَادَةُ يَجِبُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهَا صَاحِبُ عَمَلٍ. هكذا هِيَ الحَيَاةُ. وَذَلِكَ هُوَ سِحْرُ الحَيَاةِ.
وَلِهَذَا السَّبَبِ يَكُونُ مِنَ النَّافِعِ أَنْ يَخْلُوَ الإِنْسَانُ إِلَى نَفْسِهِ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ، لِيَتَأَمَّلَ وَيُفَكِّرَ فِي مُحَاوَلَةٍ لِفَهْمِ الحَيَاةِ وَالعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا.
مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَعَلَّمَ - أَوْ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَلَّمَ - مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الكَوَارِثِ الَّتِي يَفْقِدُ فِيهَا آلَافُ النَّاسِ حَيَاتَهُمْ، وَيُصْبِحُ فِيهَا آلَافٌ آخَرُونَ مُعَوَّقِينَ أَوْ أَيْتَامًا أَوْ أَرَامِلَ أَوْ مُشَرَّدِينَ؛ وَالَّتِي تُسَوَّى فِيهَا مُدُنٌ وَقُرًى كَامِلَةٌ بِالأَرْضِ؛ وَتَتَحَوَّلُ فِيهَا المَنَاظِرُ الَّتِي كَانَتْ أَشْبَهَ بِالجَنَّة إِلَى أَمَاكِنَ خَرِبَةٍ مُوحِشَةٍ؟ لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ دَائِمًا أَمْرًا مُفْزِعًا. وَقَدْ يَجْلِسُ أُنَاسٌ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ فِي كَراسِيهِمُ الوَثِيرَةِ الدَّافِئَةِ فَيُكْثِرُونَ مِنَ الوَعْظِ وَالتَّفَلسُف كَمَا شَاءُوا - وَلَكِنْ هَلْ كَانُوا سَيَقُولُونَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ (بِالأَلْفَاظِ نَفْسِهَا وَبِالنَّبْرَةِ نَفْسِهَا وَبِدَرَجة الاِقْنَاعِ نَفْسِهَا) لَوْ كَانُوا فِي قَلْبِ الكَارِثَةِ؟
أَذْكُرُ أَنَّنِي شَاهَدْتُ بَرْنَامَجًا عَنْ الغَابَاتِ الاِسْتِوَائِيَّةِ فِي أُسْتَرَالِيَا. كَانَتْ كَامِيرَاتُ التِّلْفَازِ تَنْتَقِلُ بِرِفْقٍ بَيْنَ أَشْجَارٍ بَاهِرَةٍ، وَأَزْهَارٍ مَحَلِّيَّةٍ جَمِيلَةٍ، وَطُيُورٍ وَحَيَوَانَاتٍ عَجيبة. فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَكَانٌ أَكْثَرُ إِغْرَاءً لِقَضَاءِ عُطْلَةٍ. وَلَكِنْ فَجْأَةً انْدَلَعَ حَرِيقٌ جَهَنَّمِيٌّ فَدَمَّرَ الأَشْجَارَ وَالأَزْهَارَ وَالطُّيُورَ وَالحَيَوَانَاتِ. تَنَهَّدْتُ وَأَنَا أَسْمَعُ الصَّوْتَ الَّذِي يُعَلِّقُ عَلَى المَشْهَدِ يَقُولُ إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَائِقِ شَيْءٌ مَأْلُوفٌ فِي تِلْكَ الغَابَاتِ، وَأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ جِدًّا. وَكَانَ مِنَ الجَيِّدِ أَنْ يُقَدِّمَ البَرْنَامَجُ هَذَا التَّنْبِيهَ لِلسُّيَّاحِ المُحِبِّينَ لِلطَّبِيعَةِ، وَذَلِكَ الدَّرْسَ لِمَنْ يَنْخَدِعُونَ بِالجَمَالِ سَرِيعًا. وَلَكِنَّ الظَّوَاهِرَ الطَّبِيعِيَّةَ لَا يُمْكِنُ التَّنَبُّؤُ بِهَا كُلِّهَا. فَقَدْ مَاتَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ السُّيَّاحِ (مِنْ مُخْتَلِفِ أَنْحَاءِ العَالَمِ) فِي كَارِثَةِ التِّسُونَامِي فِي دِيسَمْبِرَ ٢٠٠٤. وَلَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِ أَحَدٍ - وَلَا سِيَّمَا السُّكَّانُ المَحَلِّيُّونَ - أَنْ يَتَوَقَّعَ مِثْلَ هَذِهِ الكَارِثَةِ. وَكَالْعَادَةِ طَرَحَ النَّاسُ كَثِيرًا مِنَ الأَسْئِلَةِ الوُجُودِيَّةِ. فَغَيَّرَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا فِي حَيَاتِهِ، بَيْنَمَا وَاصَلَ آخَرُونَ العَيْشَ كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ. أَمَّا أَنَا فَإِنَّنِي أَطْرَحُ الأَسْئِلَةَ أَيْضًا. لَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى الإِنْتَرْنِتِ سُؤَالًا كُنْتُ قَدْ طَرَحْتُهُ عَلَى نَفْسِي حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الإِنْتَرْنِتُ إِلَى بَلَدِنَا: هَلْ كَانَتِ الحَرْبان العَالَمِيَّتان الأُولَى وَالثَّانِيَةُ عِقَابًا إِلَهِيًّا؟ هَذَا هُوَ السُّؤَالُ. كُنْتُ أَتَسَاءَلُ لِمَاذَا وَقَعَ مِثْلُ هَذَا لِأُنَاسٍ كَانُوا وَرَاءَ هذا التَّقَدُّمِ التِّقْنِيِّ والعِلمي المُدْهِشِ الَّذِي نَنْعَمُ بِثِمَارِهِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ. فَقَدْ أَنْجَزَ أُولَئِكَ النَّاسُ اخْتِرَاعَاتٍ عَظِيمَةً، وَعَمِلُوا فِي مَنَاجِمِ الفَحْمِ، وَكَافَحُوا مِنْ أَجْلِ حُقُوقِ الإِنْسَانِ، إِلَى آخِرِ ذَلِكَ. فَلِمَاذَا كَانَ جَزَاؤُهُمْ حَرْبَيْنِ دَمَوِيَّتَيْنِ؟ وَالعَجِيبُ أَنَّهُ خِلَالَ هَاتَيْنِ الحَرْبَيْنِ (وَخِلَالَ الحَرْبِ البَارِدَةِ الَّتِي تَلَتْهُمَا) حَدَثَ تَطَوُّرٌ تِقْنِيٌّ هَائِلٌ - كَأَنَّ طَائِرَاتِنَا المَدَنِيَّةَ اليَوْمَ لَمْ تَكُنْ لِتَطِيرَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ وَهَذَا المَدَى، وَكَأَنَّ هَوَاتِفَنَا المَحْمُولَةَ وَشَبَكَاتِ الإِنْتَرْنِتِ وَأَجْهِزَةَ التِّلْفَازِ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَبْقَى مَوَاضِيعَ لِكُتُبِ الخَيَالِ العِلْمِيِّ لَوْلَا تِلْكَ الحُرُوبُ المُدَمِّرَةُ. فَقَدْ وُلِدَتِ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ بَعْدَ تِلْكَ الحُرُوبِ فَقَطْ، وَانْتَشَرَتِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ بَعْدَهَا أَيْضًا؛ وَهِيَ الحُرُوبُ الَّتِي أَوْدَتْ بِحَيَاةِ أَبْنَاءِ وَأَحْفَادِ المُخْتَرِعِينَ وَالمُهَنْدِسِينَ وَالمُعَلِّمِينَ وَالعُمَّالِ الصَّابِرِينَ فِي مَنَاجِمِ الفَحْمِ. فَهَلْ يَكُونُ مِنَ الخُرَافَةِ أَنْ نَرْبِطَ ذَلِكَ بِمَا يُسَمَّى فَصْلَ الدِّينِ عَنِ الدَّوْلَةِ (كَمَا حَدَثَ فِي فَرَنْسَا عَامَ ١٩٠٥)؟ أَمْ يُفَسَّرُ ذَلِكَ بِـ «تَزَايُدِ لاَأَخْلَاقِيَّةِ النَّاسِ»؟ (مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى أَنَّ «الاِنْحِلَالَ الحَقِيقِيَّ» إِنَّما ازْدَادَ بَعْدَ عَامِ ١٩٦٨، أَيْ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ عِقْدَيْنِ عَلَى انْتِهَاءِ الحَرْبِ!) وَقَدْ يَقُولُ آخَرُونَ إِنَّ الحَرْبَ كَانَتْ نَتِيجَةً لِصِرَاعِ القُوَى الكُبْرَى فِي ذَلِكَ الحِينِ عَلَى الهَيْمَنَةِ وَالتَّنَافُسِ عَلَى الأَرَاضِي البَعِيدَةِ. وَمَهْمَا تَكُنْ أَسْبَابُ هَذِهِ الكَارِثَةِ أَوْ تِلْكَ، فَلَيْسَ مِنَ السُّوءِ أَبَدًا أَنْ نَطْرَحَ الأَسْئِلَةَ حَوْلَهَا.
غَالِبًا - وَلَيْسَ دَائِمًا - يَكُونُ الَّذِينَ أَشرَفوا على المَوْتِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الكَوَارِثِ هُمُ الَّذِينَ لَا يَطْرَحُونَ أَصْعَبَ الأَسْئِلَةِ، مِثْلَ: «لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ كَهَذَا أَصْلًا؟» لَقَدْ تَأَثَّرْتُ بِقِصَّةِ شَابَّةٍ أَلْمَانِيَّةٍ وَأُمِّهَا كَانَتَا فِي سِرِيلَانْكَا أَثْنَاءَ كَارِثَةِ التِّسُونَامِي. فِي بَرْنَامَجٍ تِلْفِزِيُونِيٍّ شَرَحَتِ الشَّابَّةُ كَيْفَ أَنْقَذَهَا شَابٌّ سِرِيلَانْكِيٌّ مُغَامِرًا بِحَيَاتِهِ. ثُمَّ تَكَلَّمَ الشَّابُّ نَفْسُهُ، بَيْنَمَا كَانَتِ المَرْأَتَانِ - وَقَدْ عَادَتَا إِلَى سِرِيلَانْكَا لِلِقَائِهِ وَاسْتِذْكَارِ الحَادِثَةِ - تُصْغِيَانِ إِلَيْهِ وَرَأْساهُمَا مُنْحَنِيَتان فِي تَأَمُّلٍ. إِنَّ هَذِهِ الصَّدَاقَةَ المُفَاجِئَةَ مِثَالٌ عَلَى الأَشْيَاءِ العَجِيبَةِ الَّتِي قَدْ تَحْدُثُ - عَلَى نَحْوٍ غَيرِ مُتوَقَّعٍ - أَثْنَاءَ الكَوَارِثِ وَبَعْدَهَا. وَلَكِنَّ السُّؤَالَ يَبْقَى: لِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ كَهَذَا أَصْلًا؟
بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلكَارِثَةِ جانِبٌ إيجابِيٌّ؟ هَلِ الزَّلَازِلُ وَالأَعَاصِيرُ وَالبَرَاكِينُ وَحَرَائِقُ الغَابَاتِ وَالفَيَضَانَاتُ مُجَرَّدُ حَوَادِثَ طَبِيعِيَّةٍ تَقَعُ عَشْوَائِيًّا وَتُفْسِدُ حَيَاةَ النَّاسِ؟ حَتَّى لَوْ أَثْبَتَ العُلَمَاءُ - الَّذِينَ بَدَأوا يَطُوِّرُونَ نَظَرِيَّاتٍ جَادَّةً حَوْلَ ذَلِكَ فِي سِتِّينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ - بِالأَدِلَّةِ التَّجْرِيبِيَّةِ أَنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ ضَرُورِيَّةٌ لِتَوَازُنِ كَوْكَبِ الأَرْضِ كَكُلٍّ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ سَيَسْأَلُ: «لِمَاذَا يَحْتَاجُ كَوْكَبُ الأَرْضِ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الكَوَارِثِ لِيُحَافِظَ عَلَى تَوَازُنِهِ؟» أَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ «مُحَاسَبَةَ اللهِ» فَقَدْ يَقُولُونَ: «إِذَا كَانَ اللهُ كَامِلًا، فَلِمَاذَا خَلَقَ أَرْضًا غَيْرَ كَامِلَةٍ؟ وَلِمَاذَا يُضَحَّى بِسُكَّانِ مَنْطِقَةٍ مِنَ العَالَمِ لِإِنْقَاذِ سُكَّانِ مَنَاطِقَ أُخْرَى؟»
أَنَا لَا أَدَّعِي أَنَّ لَدَيَّ إِجَابَاتٍ عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ. وَلَكِنْ لِنَنْظُرْ إِلَى الأُمُورِ كَمَا هِيَ.
وَعَلَى أَيِّ حَالٍ، يَقُولُ العُلَمَاءُ - مَثَلًا - إِنَّ «مُعْظَمَ الزَّلَازِلِ لَا تُسَبِّبُ ضَرَرًا يُذْكَرُ». وَيَقُولُونَ أَيْضًا إِنَّ «مُعْظَمَ النَّشَاطِ البُرْكَانِيِّ يَحْدُثُ تَحْتَ البِحَارِ، حَيْثُ يُشَكِّلُ قِيعَانًا جَدِيدَةً لِلمُحِيطَاتِ» - بَعِيدًا عَنْ مُدُنِنَا وَقُرَانَا.
وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ «عَدَمَ الكَمَالِ»، إِنْ وُجِدَ، فَهُوَ فِي الغَالِبِ مِنْ صُنْعِ الإِنْسَانِ. يَقُولُ العُلَمَاءُ إِنَّ «التَّلَوُّثَ الَّذِي يُسَبِّبُهُ الإِنْسَانُ هُوَ السَّبَبُ الرَّئِيسِيُّ فِي الاِحْتِبَاسِ الحَرَارِيِّ»، الَّذِي يُؤَدِّي بَدَوْرِهِ إِلَى تَغَيُّرَاتٍ طَبِيعِيَّةٍ خَطِيرَةٍ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الاِتِّفَاقَاتِ الدُّوَلِيَّةِ حَولَ المُنَاخِ.
فَالْفُقَرَاءُ اليَوْمَ يَتَوَسَّلُونَ إِلَى الأَغْنِيَاءِ أَنْ يَكُفُّوا عَنْ تَلْوِيثِ الأَرْضِ (مِمَّا يُسَبِّبُ الجَفَافَ وَالفَيَضَانَاتِ وَالأَعَاصِيرَ وَغَيْرَهَا مِنَ الكَوَارِثِ)، بَيْنَمَا يَتَوَسَّلُ الأَغْنِيَاءُ إِلَى الفُقَرَاءِ أَنْ يَقْبَلُوا تَعْويضاتٍ مالِيةٍ مُقَابِلَ السَّمَاحِ لَهُمْ بِـ «حَقِّ التَّلَوُّثِ» فِي بُلْدانِهِمْ.
وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الأَرْضُ غَيْرَ كَامِلَةٍ أَمْ أَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهَا كَذَلِكَ، فَلَيْسَ فِي الأَمْرِ تَأَخُّرٌ أَبَدًا إذا حَاوَلَ الإِنْسَانُ أَنْ يَجْعَلَهَا أَفْضَلَ - أَوْ أَقْرَبَ إِلَى الكَمَالِ مَا اسْتَطَاعَ.
فِي الأَوْقَاتِ الطَّبِيعِيَّة، يُمْكِنُ أَنْ يَجِدَ الإِنْسَانُ أَمَاكِنَ رائِعةً فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العَالَمِ. وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأَمَاكِنُ جَمِيلَةً، لِمَاذَا يَتَجَشَّم السُّيَّاحُ عناءَ السَّفَرِ لِزِيَارَتِهَا؟ فَإِذَا وَجَدَ كَثِيرٌ مِنَ السُّيَّاحِ الأَجَانِبِ أَنْفُسَهُمْ فِي جَنُوبِ شَرْقِ آسِيَا أَثْنَاءَ تْسُونَامِي 2004، فَذَلِكَ لأَنَّهُمْ كَانُوا مُنْجَذِبِينَ بِجَمَالِ تِلْكَ المِنْطَقَةِ.
وَحَتَّى بَعْدَ أَنْ تُدَمَّرَ مَنَاطِقُ كُلِّيًّا فِي كَارِثَةٍ، يَبْقَى الإِنْسَانُ حاضِراً لِيَفْعَلَ شَيْئًا إِزاءَها. وَمِنْ هُنَا نَتَكَلَّمُ عَنِ التَّضَامُنِ.
وَعِنْدَمَا نَتَكَلَّمُ عَنِ التَّضَامُنِ، نَعْنِي بِهِ أَيْضًا الإِحْسَاسَ بِالآخَرِ، وَالرَّحْمَةَ، وَالإِيثَارَ، وَالتَّطَوُّعَ لِمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ لِوجهِ الله، لَا مِنْ أَجْلِ المَالِ أو السُّمعَة. وَعِنْدَمَا تَرَى النَّاسَ مِنْ كُلِّ حَدبٍ و صَوبٍ يَهُبُّونَ لِمُسَاعَدَةِ بَعْضِهِم البَعْضِ، وَتَرَى آلَافَ الطُّلَّابِ يَتَبَرَّعُونَ بِالدَّمِ وَيَهرَعون إِلَى أَكْثَرِ المَنَاطِقِ تَضَرُّراً لِإِنْقَاذِ الأَرْوَاحِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّضَامُنُ حَقًّا.
وَطَبْعًا، لَيْسَ جَمِيعُ النَّاسِ سَواءً. فَبَيْنَمَا يَكُونُ دُعاةُ الحَرب يَتَشَاجَرُونَ وَيُقَاتِلُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، يَنْضَمُّ الصَّليب الأَحمرُ وَالهِلَالُ الأَحْمَرُ لِإِنْقاذِ النَّاسِ مِنْ دِيَانَاتٍ وَ أَعْراق مُخْتَلِفَةٍ. مَا يَهُمُّ هُوَ إِطْفَاءُ النَّارِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّنْ أَشْعَلَهَا.
وَعِنْدَمَا تَعْلَمُ أَنَّ 200 عَامِلَ إِنْقَاذٍ فَقَدُوا أَرْوَاحَهُمْ أَثْنَاءَ مُحَاوَلَتِهِم مُسَاعَدَةَ مُواطِنِيهِم فِي الصِّينِ (فِي مَايُو 2008)، وَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ المُعَلِّمِينَ لَقُوا حَتْفَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذُوا طُلَّابَهُمْ، فَإِنَّكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ تَفْخَرَ بِكَوْنِكَ إِنساناً. فَنَحْنُ بَنو آدمَ قَادِرُونَ عَلَى جَعْلِ العَالَمِ أَفْضَلَ مَكَانٍ - بِخِدْمَةِ بَعْضِنَا البَعْضِ.
قَارِنْ ذَلِكَ التَّضَامُنَ الَّذِي يُظْهِرُهُ النَّاسُ مِنْ دَاخِلِ وَخَارِجِ المَنَاطِقِ المُتَأَثِّرَةِ بالكَوارِثِ مَعَ أَعمالِ النَّهْبِ الَّذِي يَحْدُثُ أَحْيَانًا فِيها. وَقَارِنْ ذَلِكَ التَّضَامُنَ مَعَ الصِّراعات والمُشاكَسات الَّتِي أَدَّتْ إِلَى الحَربَيْن العَالَمِيَّتَيْن الأُولَى وَالثَّانِيَةِ. وَقَارِنْ سَفْكَ الدِّمَاءِ فِي تِلْكَ الحُرُوبِ مَعَ الرُّوحِ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى تَشْكِيلِ الإِتِّحاد الأُورُوبِّيِّ. فَلا شَكَّ أَنَّ الإِنْسَانَ قَادِرٌ عَلَى الخَير مِثلَما هو قادِرٌ على الشَّرِّ.
أَهُناكَ أَجْمَلُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ إِعَادَةِ بِنَاءِ حَيَاةٍ مُتَحَطِّمَةٍ؟ فَالتَّدْمِيرُ، لَا شَكَّ فِيهِ، مُرِيعٌ، وَعَوَاقِبُهُ قَدْ تَسْتَمِرُّ لِسَنَوَاتٍ وَتَكُلِّفُ الأَموالَ والأَرواحَ. وَلَكِنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنَ الحَيَاةِ. وَمَا نَنْسَاهُ نَحنُ هو أَنَّ أَكْثَرَ التَّدْمِيرِ إِنّما هو مِن صُنْعِ الإِنْسَانِ. فَلَمْ يَكُن للكَوارِثِ الطَّبِيعِيَّةِ دَوْرٌ فِي التَّدْمِيرِ غَيْرِ المَسبوقِ الَّذِي حَدَثَ فِي قَلْبِ أُورُوبَّا فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ العِشْرِينَ.
الناسُ الأَسوِياءُ (العَمَليُّون) يَبدَؤون عَمَلَهُمْ عَلَى الفَوْرِ لِإِصْلَاحِ ما دُمِّر ، وَيَتْرُكُونَ لِلَّهِ مَا هُوَ لِلَّهِ وَلِلقَيْصَرِ مَا هُوَ لِلْقَيْصَرِ. وَأَحْيَانًا يَكون الذين تَسَبَّبوا في الدَّمارِ هم أَنفُسُهم مَن يُسرِعُ إلى إعادة البِناء. فَالْوِلَايَاتُ المُتَّحِدَةُ، الَّتِي سَاعَدَتْ فِي إِسْقَاطِ رَيخْ هِتْلِر وَإِمْبِرَاطُورِيَّةِ اليَابَانِ، وَضَعَتْ خُطَّةَ مَارْشَال لِإِعَادَةِ بِنَاءِ أُورُوبَّا وَاليَابَانِ بَعْدَ الحَرْبِ. وَاسْتَمْتَعَ جِيلُ البَيْبِي بُومَر بِثِمَارِ تِلْكَ الخُطَّة، مِمَّا مَكَّنَهم مِنَ طَيِّ صَفْحَةِ الرُّعْبِ الَّتِي شَهِدَهَا آبَاؤُهُمْ فِي الحَرْبِ. وَكَما يَقُولُ المَثَلُ: "رُبَّ ضارَّةٍ نافِعة."
وَبَعْدَ كُلِّ كَارِثَةٍ، يَحْصُلُ كَثِيرُونَ مِن الناسِ عَلَى عَمَلٍ وَدَخْلٍ ثَابِتٍ لِسَنَوَاتٍ. وَتَزْدَهِرُ العَدِيدُ مِنَ الشَّرِكَاتِ وَتَتَنَامَى التِّجَارَةُ. وَلَا يُكتَفى بإِصلاحِ المَدَارِسِ المُهَدَّمَةِ فَقَطْ، بَلْ كُلُّ البُنى التَّحْتِيَّةِ القَدِيمَةِ تُصْبِحُ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّمارِ. وَيُعْطِي هَذَا الفُرْصَةَ لِلْمُهَنْدِسِينَ وَالفَنِّيِّينَ الجُدُدِ لِيُظْهِرُوا قُدْرَاتِهِمْ وَيَبْنُوا حَيَاتَهُمْ، وَتَزْدَهِرُ المُقاوَلاتُ الصَّغِيرَةُ وَالمُتَوَسِّطَةُ.
وَمَاذَا عَنِ العِقَابِ الإِلَهِيِّ؟ حَسَنًا، فَهُوَ يَعْنِي أُمُورًا مُخْتَلِفَةً لِمُؤْمِنِينَ مُخْتَلِفِينَ. فَالْيَهُودُ وَالمَسِيحِيُّونَ وَالمُسْلِمُونَ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، يَعْرِفُونَ قِصَّةَ نُوحٍ، الَّتِي دُمِّرَ فِيهَا العَالَمُ بِالطُّوفَانِ، وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَمَرَّتِ الحَيَاةُ بِأَقَلِّ النَّاسِ وَبِعَدَدٍ مَحْدُودٍ مِنَ الكَائِنَاتِ. وَاللهُ الَّذِي أَعَادَ الحَيَاةَ بَعْدَ الطُّوفَانِ قَادِرٌ بِالطَّبِيعَةِ عَلَى حِمَايَةِ الكَوْكَبِ الأَرْضِيِّ مِنْ أَخْطَرِ تَبِعَاتِ تَغَيُّر المُنَاخِ، إِنْ شَاءَ. إِذَا شَاءَ أَمْ لَمْ يَشَأْ، فَذَلِكَ رُبَّمَا يَعْتَمِدُ عَلَى سُلُوكِ البَشَرِ. وَمِنْ ثَمَّ يَخَافُ بَعْضُ النَّاسِ العِقَابَ الإِلَهِيَّ. فَالْقُرْآنُ، مَثَلاً، مُمْتَلِئٌ بِالتَّحْذِيرَاتِ فِي هَذَا الصَّدَدِ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَإِنَّ عَدَدًا مُتَزَايِدًا مِنَ الشَّبَابِ يُعَانُونَ مِنْ أَشْكَالٍ وَدَرَجَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ قَلَقِ المُنَاخِ. إِنَّهُمْ قَلِقُونَ لَيْسَ فَقَطْ لِمُسْتَقْبَلِ كَوْكَبِ الأَرْضِ، بَلْ لِبِيئَتِهِمِ المُحِيطَةِ أَيْضًا. وَيُؤْمِنُ بَعْضُهُمْ أَنَّ كَوْكَبَنَا مُحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالهَلَاكِ، أَو قُلْ "عَلَى حَافَّةِ الهاوِيَةِ". وَالحَقِيقَةُ أَنَّ الظُّرُوفَ المُناخِيَّة المُتَطَرِّفَةَ لَا يُمْكِنُ نَفْيُهَا.
لَكِنْ ماذا سَنَقول عَن هَؤُلَاءِ المُغَامِرِينَ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ لِطَلَبِ حَظِّهِمْ إِلَى أَمَاكِنَ تَكُونُ فِيهَا البِيئَةُ أَكْثَرَ قَساوةً ، حَيْثُ تَزْدَهِرُ تِجَارَةُ الحَيَوَانَاتِ غَيْرِ القَانُونِيَّةِ، وكُلّ أَشكالِ الإِستغلال اللّا قانوني للغابة والمَناجمِ وَالصَّيْدِ … حَيْثُ لَا مَدَارِسَ وَلَا مُسْتَشْفَيَاتٍ وَلَا حَتَّى طُرُقٌ مُعَبَّدة … حَيْثُ لا يَعْنِي الإِبْتِسَامُ شَيْئًا.
الْتَفَاصِيلُ وَفِيرَةٌ. مَنْ مِنَّا لَا يَعْرِفُ السَّوَاحِلَ الغَارِقَةَ تحت مياهِ البحرِ، وَالأعاصير الَّتِي تُهَدِّدُ حَيَاةَ وَمَعِيشَةَ مَلايين النَّاسِ، وَالمَكَبَّاتِ العَامَّةَ المُخِيفَةَ فِي كَثِيرٍ مِنَ المُدُنِ؟ طَبْعًا هُنَاكَ سَبَبٌ لِلْقَلَقِ. وَهُنَاكَ نَاسٌ يَخْتَنِقُونَ فِي مَوْجَةِ الحَرّ فِي وَسَطِ فَصلِ الرَّبِيعِ، وَنَاسٌ يُشَاهِدُونَ حَيَوَانَاتِهِمْ تَمُوتُ مِنَ العَطَشِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ، وَمَعْزٌ يَأْكُلُ خِرَافَهُ، وَجِمَالٌ تَأْكُلُ جِمَالًا أُخْرَى، وَسَوَاحِلُ تَغرق تَحْتَ المِيَاهِ كُلَّ يَوْمٍ أكثَر، وَمِيَاهٌ جَوْفِية غَيْرُ مُتَجَدِّدَةٍ، وَآبَارُ جَافَّةٌ أَوْ شِبْهُ جَافَّةٍ …؟ لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ تَكُونَ قَوِيًّا ذِهْنِيًّا فِي وَجْهِ مِثْلِ هَذِهِ النَّوَازِلِ. وَلَكِنْ أَحْيَانًا كُلُّ مَا يَحْتَاجُهُ الأَمْرُ هُوَ المَطَرُ، وَالجَوُّ الجَيِّدُ، وَحَصَادٌ مُوفَّقٌ… لِتُرْفَعَ مَعنوِيَّاتُك وَتَشْعُرَ بِالإِرتِياح.
نحْن لَسنا فِي الجَنَّةِ. الكَارِثَةُ تَبْقَى تَجْرِبَةً أَلِيمَةً - سَوَاءٌ كَانَتْ طَبِيعِيَّةً أَمْ لَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عِقَابًا إِلَهِيًّا أَمْ لَا. وَالسُّؤَالُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَجِبُ طَرْحُهُ هُوَ: مَاذَا لَوْ كُنْتُ أَنَا مِنْ بَيْنِ الضَّحَايَا؟
يَتَعَلَّمُ طُلَّابُ الصِّحَافَةِ أَنَّهُ «إِذَا عَضَّ كَلْبٌ رَجُلًا فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ»؛ أَمَّا «إِذَا عَضَّ رَجُلٌ كَلْبًا» فَذَلِكَ هُوَ الخَبَرُ. اتَّصَلَتِ امْرَأَةٌ بِطَبِيبٍ عَلَى الهَوَاءِ فِي بَرْنَامَجٍ إِذَاعِيٍّ لِتَسْأَلَ لِمَاذَا مَا زَالَتِ ابْنَتُهَا ذَاتُ الثَّلَاثِ سَنَوَاتٍ تَمُصُّ رَضَّاعَتَهَا حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ فَارِغَةً! سَيَقُولُ المَرْءُ: هَذَا لَيْسَ خَبَرًا. وَهَذَا صَحِيحٌ. لكن فِيمَا بَعْدُ اتَّصَلَ مُسْتَمِعٌ آخَرُ لِيَنْصَحَ تِلْكَ المَرْأَةَ بِأَنْ تَضَعَ شَيْئًا مُرًّا فِي الرَّضَّاعَةِ أَوْ عَلَى حَلَمَتِهَا حَتَّى تَصِيرَ مُقْزِزَةً لِلطِّفْلِ. وَقَالَ إِنَّهُ جَرَّبَ ذَلِكَ مَعَ ابْنَتِهِ عِنْدَمَا كَانَتْ فِي الثَّالِثَةِ مِنْ عُمْرِهَا فَنَجَحَ الأَمْرُ. وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ خَبَرًا. وَلَكِنَّ الرَّجُلَ اعْتَرَفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ مُشْكِلَةً أَكْبَرَ ظَهَرَتْ. قَالَ: «الآنَ ابْنَتِي تَبْلُغُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَهِيَ أُسْتَاذَةٌ جَامِعِيَّةٌ فِي بَلَدٍ أَجْنَبِيٍّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ مَا زَالَتْ تَمُصُّ إِبْهَامَهَا!» هَذَا خَبَرٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلَكِنْ هَلْ هُوَ غَرِيبٌ بِالقَدْرِ الَّذِي يُثِيرُ الدَّهْشَةَ لَدَى الجَمِيعِ؟
فِي كِتَابِ «العِقْدِ الفَرِيدِ» يَرْوِي ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ (٨٦٠–٩٤٠) قِصَّةَ تَابِعِيٍّ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ بَعْضِ طُلَّابِهِ، فَمَرُّوا بِرَجُلٍ سَكْرَانَ يُنْشِدُ هذا البَيْتَ:
أَذَلَّنِي الْهَوَى فَأَنَا الذَّلِيلُ وَلَيْسَ إِلَى الَّذِي أَهْوَى سَبِيلُ
فَنَزَلَ التَّابِعِيُّ عَن فَرَسِهِ وَأَسْرَعَ لِيَكْتُبَ ذَلِكَ البَيْتَ. فَتَعَجَّبَ طُلَّابُهُ وَقَالُوا: «أَتَكْتُبُ كَلَامًا قَالَهُ رَجُلٌ سَكْرَانُ؟» فَأَجَابَهُمْ: «أَمَا تَعْرِفُونَ المَثَلَ الَّذِي يَقُولُ: رُبَّ لُؤْلُؤَةٍ فِي مَزْبَلَةٍ؟ فَهَذِهِ لُؤْلُؤَةٌ فِي مَزْبَلَةٍ!»
وَقُدِّمَ رَجُلٌ مَرَّةً إِلَى الخَلِيفَةِ العَبَّاسِيِّ هَارُونُ الرَّشِيدُ عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ عَبْقَرِيٌّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُدْخِلَ مِئَةَ إِبْرَةٍ فِي عُيُونِ بَعْضِهَا بَعْضًا دُونَ أَنْ تَسْقُطَ منها إِبْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَطَلَبَ الخَلِيفَةُ مِنْهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. فَلَمَّا فَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ بِمَهَارَةٍ بَاهِرَةٍ، اِلْتَفَتَ الخَلِيفَةُ إِلَى رِجَالِهِ وَقَالَ: «أَعْطُوا هَذَا الرَّجُلَ مِئَةَ دِينَارٍ وَمِئَةَ جَلْدَةٍ.» فَدُهِشَ الرَّجُلُ العَبْقَرِيُّ وَقَالَ: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَفْهَمُ لِمَاذَا تُعْطِينِي مِئَةَ دِينَارٍ، وَلَكِنْ لَا أَفْهَمُ لِمَاذَا تُعْطِينِي مِئَةَ جَلْدَةٍ!» فَقَالَ الخَلِيفَةُ: «أُعْطِيكَ مِئَةَ دِينَارٍ لِعَبْقَرِيَّتِكَ، وَمِئَةَ جَلْدَةٍ لِأَنَّكَ أَضَعْتَ عَبْقَرِيَّتَكَ فِي التَّفَاهَاتِ.»
نَحْنُ جَمِيعًا أَذْكِيَاءُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلَكِنْ هَلْ نَسْتَعْمِلُ ذَكَاءَنَا دَائِمًا فِي مَا يُفيدُ؟
عِنْدَمَا كُنْتُ طَالِبًا فِي العِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي، كُنْتُ وَاقِفًا مَرَّةً وَحْدِي قُبالَةَ قَاعَةِ الدَّرْسِ، فَجَاءَ أَحَدُ زُمَلَائِي وَهُوَ يَرْتَجِفُ مِنَ الضَّحِكِ وَقَالَ: «فِي طَرِيقِي إِلَى الكُلِّيَّةِ أَوْقَفَنِي مَجْمُوعَةٌ مِنَ الأَطْفَالِ الصِّغَارِ وَقَالُوا لِي: قُلْ لَنَا إِذَا كُنْتَ تَعْرِفُ: هَلْ تَتَبَوَّلُ الدَّجَاجَةُ؟» بِصَراحَة، لَمْ يَكُنْ قَدْ خَطَرَ لِي ذَلِكَ عَلَى بَالٍ مِنْ قَبْلُ!
إِنَّنَا نَأْخُذُ كَثِيرًا مِنَ الأَشْيَاءِ عَلَى أَنَّهَا مُسَلَّمَاتٌ - أَعْنِي الأَشْيَاءَ الصَّغِيرَةَ. كَمْ مَرَّةً تَوَقَّفْتَ لِتُفَكِّرَ فِي دَقَّاتِ سَاعَتِكَ، أَوْ فِي تِلْكَ الحَشَرَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَرَاهَا أَحْيَانًا تَعْدُو عَلَى صَفْحَةِ الكِتَابِ وَأَنْتَ تَقْرَأُ، أَوْ فِي الأَوْرَاقِ المُتَسَاقِطَةِ فِي حَدِيقَتِكَ أَوْ فِي الغَابَةِ، أَوْ فِي العَقْلِ البَشَرِيِّ الَّذِي صَنَعَ كُلَّ هَذِهِ الاِخْتِرَاعَاتِ الَّتِي نَسْتَعْمِلُهَا كُلَّ يَوْمٍ؟ مِثْلَمَا كَانَ أَهْلُ زَمان يَتَعَجَّبُونَ مِنَ العَجَائِبِ السَّبْعِ وَيَنْسَوْنَ مِلْيُونَ عَجِيبَةٍ صَغِيرَةٍ حَوْلَهُمْ، فَإِنَّنَا مَا زِلْنَا نَنْبَهِرُ بِالأَشْيَاءِ الكَبِيرَةِ كَالأَهْرَامَاتِ وَنَنْسَى أَنْ نُفَكِّرَ فِي الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ فِي أَنْفُسِنَا وَفِي بِيئَتِنَا.
لَقَدْ دُهِشَ النَّاسُ لِمِنْطَادِ مُونْتْغُولْفْيِيه، وَلِأَوَّلِ رِحْلَةٍ جَوِّيَّةٍ مُنْفَرِدَةٍ وَمُتَوَاصِلَةٍ عَبْرَ الأَطْلَنْطِيِّ، وَلِطَائِرَةِ إِيربَاص A380. وَمَا زَالُوا يَنْبَهِرُونَ بِسُورِ الصِّينِ العَظِيمِ، وَبِأَهْرَامَاتِ الجِيزَةِ، وَبِبُرْجِ إِيفِل، وَبِتِمْثَالِ الحُرِّيَّةِ. وَمَا زِلْنَا نَنْبَهِرُ بِالعُرُوضِ المُدْهِشَةِ لِحَيَوَانَاتِ السِّيرْكِ وَمُهَرِّجِيهِ، وَبِالرُّوبُوتَاتِ الَّتِي قَدْ تَمْتَلِكُ مَشَاعِرَ يَوْمًا مَا، وَبِإِنْجَازَاتِ الرِّيَاضِيِّينَ الَّذِينَ يُحَطِّمُونَ الأَرْقَامَ القِيَاسِيَّةَ، وَبِمَوَاهِبِ فَنَّانِينَا الِاسْتِثْنَائِيَّةِ الَّذِينَ يُكَادُ يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ أَحْيَانًا كَأَنَّهُمْ آلِهَةٌ! وَفِي كُلِّ أُسْبُوعٍ تَقْرِيبًا يُسَجَّلُ إِنْجَازٌ جَدِيدٌ فِي كِتَابِ غِينِيس لِلأَرْقَامِ القِيَاسِيَّةِ.
عِنْدَمَا يُفَكِّرُ النَّاسُ فِي شَيْءٍ مَا، فَإِنَّهُمْ يَنْسَوْنَ شَيْئًا آخَرَ- شَيْئًا قَدْ يَكُونُ أَهَمَّ. عِنْدَمَا نَنْظُرُ إِلَى أَنْفُسِنَا فِي المِرْآةِ، هَلْ نُفَكِّرُ فِي المِرْآةِ؟ وَعِنْدَمَا نَسْتَعْمِلُ حَاسُوبَنَا، هَلْ نُفَكِّرُ فِي العَقْلِ الَّذِي اخْتَرَعَهُ أَوَّلَ مَرة؟ وَعِنْدَمَا نَنْدَهِشُ مِنْ قُدْرَتِنَا البَشَرِيَّةِ عَلَى التَّخَيُّلِ، هَلْ نَسأَلُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ العَقْلُ البَشَرِيُّ أَصْلًا؟ كَمْ مِنَّا يَتَعَجَّبُ مِنْ أَنَّنَا -مَعَ أَنَّ لَنَا الأَبَ نَفْسَهُ وَالأُمَّ نَفْسَهَا- فَإِنَّنَا لَسْنَا مُتَطَابِقِينَ؟ حَتَّى «التَّوَائِمُ المُتَطَابِقَةُ» يُمَيَّزُ بَيْنَهَا بِبَصَمَاتِ الأَصَابِعِ وَقُزَحِيَّاتِ العُيُونِ.
أَحْيَانًا تَجِدُ نَفْسَكَ فَجْأَةً فِي مَوْقِفٍ تَشْعُرُ فِيهِ كَأَنَّكَ أَحْمَقُ، حِينَ تَصِيرُ أَبْسَطُ الأُمُورِ صَعْبَةَ الفَهْمِ، وَحِينَ تَغْدُو حَيَاتُكَ فَجْأَةً عِبْئًا خَالِيًا مِنْ أَيِّ مَعْنًى. فَهَلْ يَنْبَغِي أَنْ نَنْتَظِرَ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ لِنَبْدَأَ التَّأَمُّلَ؟
إِذَا كَانَتِ الرِّيَاضَةُ تُخَلِّصُ أَجْسَادَنَا مِنْ سُمُومِهَا، أَفَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ مَعَ التَّأَمُّلِ؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَلِّصَنَا مِنْ «سُمُومِ نُفوسِنا»؟ أَلَا يُمْكِنُ لِلتَّأَمُّلِ فِي الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ - تِلْكَ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُفَكِّرُ فِيهَا مُعْظَمُ النَّاسِ - أَنْ يَمْنَحَنَا نُورًا لَا يَمْلِكُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؟
اِخْتَفَى رَجُلٌ أَمْرِيكِيٌّ فِي أُسْتُرَالِيَا. وَبَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ظَهَرَ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرَى مِنَ الصَّحْرَاءِ الأُسْتُرَالِيَّةِ، وَهُوَ يَلْبَسُ قَمِيصًا عَادِيًّا وَسِرْوَالًا، وَيَنْتَعِلُ صَنْدَلًا جِلْدِيًّا، وَيَحْمِلُ قِنِّينَةَ مَاءٍ فِي يَدِهِ. وَلَمَّا سُئِلَ لِمَاذَا جَازَفَ بِعُبُورِ تِلْكَ الصَّحْرَاءِ المُخِيفَةِ وَحْدَهُ وَبِتِلْكَ الأَمتِعَةِ القَلِيلَةِ، قَالَ: «كُنْتُ أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَكْتَشِفَ اللهَ.» أَمَّا أَنَا شَخْصِيًّا فَلَمْ أُصَدِّقْ عَيْنَيَّ وَأُذُنَيَّ وَأَنَا أُشَاهِدُ تِلْكَ الصُّوَرَ فِي التِّلْفَازِ، ذلك لِأَني كنتُ قد قَرَأْتُ عَنِ الأَزْمِنَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا سَائِقُو الجِمَالِ الأَفْغَانُ يَقُودُونَ المُسْتَوْطِنِينَ الأُورُوبِّيِّينَ عَبْرَ صَحَارِي القَارَّةِ الأُسْتُرَالِيَّةِ غَيْرِ المَطْرُوقَةِ.
وَالآنَ أَسألُ، هَلْ أَحْتَاجُ إِلَى الذَّهَابِ إِلَى صَحْرَاءِ أُسْتُرَالِيَا لِكَيْ أَتَأَمَّلَ؟ يُمْكِنُنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْ مَكَانِي: أَلَيْسَتْ هِيَ الشَّمْسَ نَفْسَهَا الَّتِي يَرَاهَا الجَمِيعُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؟ أَلَيْسَ هُوَ القَمَرُ نَفْسَهُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العَالَمِ؟ أَلَيْسَتِ السَّمَاءُ نَفْسَهَا، وَالنُّجُومُ نَفْسَهَا، وَالأَرْضُ نَفْسَهَا، وَالمَاءُ نَفْسَهُ، وَالهَوَاءُ نَفْسَهُ، وَالجَسَدُ البَشَرِيُّ نَفْسَهُ، وَالرُّوحُ البَشَرِيَّةُ نَفْسَهَا؟ أَفَلَا يَكُونُ الخَالِقُ وَاحِدًا - مَهْمَا يَكُنْ - الَّذِي خَلَقَ كُلَّ هَذِهِ الأَشْيَاءِ لَنَا جَمِيعًا؟ أَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَنْدَهِشَ مِنْ أَنَّ النَّاسَ يَشْتَرِكُونَ فِي الأَشْيَاءِ نَفْسِهَا وَمَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً مُخْتَلِفَةً؟
وَبِالمُنَاسَبَةِ، هَلِ التَّفْكِيرُ أَمْرٌ سَهْلٌ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ «يُفَكِّرَ» وَكُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ تَنْهَمِرُ عَلَى عَقْلِهِ كَالسَّيْلِ مِنَ التِّلْفَازِ وَمِنَ الشَّبَكَةِ العَنكَبوتيةِ؟ كَمْ مِنَ النَّاسِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الغَابَةِ (بِلَا كَامِيرَا، وَلَا هَاتِفٍ ذَكِيٍّ، وَلَا سَجَائِرَ)، وَلَا يَحْمِلُ معَه إِلَّا عَقْلًا وَقَلْبًا، وَقَدَمَيْنِ مُسْتَعِدَّتَيْنِ لِلسَّيْرِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ، وَعَيْنَيْنِ مُتَشَوِّقَتَين لِلنَّظَرِ إِلَى الأَزْهَارِ الجَمِيلَةِ - الأَزْهَارِ الصَّغِيرَةِ - المُخْتَبِئَةِ خَلْفَ صُخُورٍ صَغِيرَةٍ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ؟ مَنْ فِي أَيَّامِنَا هذه يَدْخُلُ الغَابَةَ وَيَنْظُرُ إِلَى الأَوْرَاقِ المُتَسَاقِطَةِ، وَيَلْمِسُهَا وَيَتَأَمَّلُهَا؛ وَإِلَى الحَشَرَاتِ، وَإِلَى الطُّيُورِ المُهَاجِرَةِ، وَيُفَكِّرُ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا على ضَوءِ ما يَرى ويَسمعُ؟
أَكيد لَمْ يَكُنْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ عَاشُوا قَبْلَنَا آلَاتٌ حَاسِبَةٌ وَلَا حَوَاسِيبُ مُتَطَوِّرَةٌ وَلَا بَرَامِجُ عَبْقَرِيَّةٌ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا هم أَيْضًا أَذْكِيَاءَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ. وَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ نَكُونَ أَذْكَى مَرَّتَيْنِ: بِأَنْ نُفَكِّرَ فِي الأَشْيَاءِ الكَبِيرَةِ، وَبِأَنْ نَتَأَمَّلَ فِي الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا.
خُذْ هَذَا المِثَالَ. نَحْنُ المُسْلِمونَ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العَالَمِ اِحْتَفَلْنَا تَوًّا بِعِيدِ الأَضْحَى. فَهَلْ يَسْتَمْتِعُ الجَمِيعُ بِالعِيدِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا؟ كَلَّا. فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَذْبَحُونَ خَروفاً وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَكْلَ لَحْمِهِ لِأَنَّهُمْ مَرْضَى. وَهُنَاكَ أُنَاسٌ آخَرُونَ أَصِحَّاءُ الأَبْدَانِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ شِرَاءَ خَرُوفٍ لِلْعِيدِ لِأَنَّ ثَمَنَهُ غَالٍ جِدًّا عَلَيْهِمْ. فَمَنْ يَحْسُدُ مَنْ؟ أَهُوَ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَكْلَ خَرُوفِهِ، أَمِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ شِرَاءَ خَرُوفٍ أَصْلاً؟
المُشْكِلَةُ أَنَّ المَشَاعِرَ وَالعَوَاطِفَ تَكُونُ أَحْيَانًا أَقْوَى مِنَ المَعْرِفَةِ وَالقَنَاعَاتِ. فَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَتَقَبَّلَ فِكْرَةَ أَنَّ رَئِيسَهُ أَوْ مُدِيرَهُ أَقَلُّ كَفَاءَةً مِنْهُ. وَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ عَلَى رَجُلٍ وَسِيمٍ أَنْ يَفْهَمَ لِمَاذَا تَتَزَوَّجُ حَبِيبَتُهُ الجَمِيلَةُ رَجُلًا «قَبِيحًا». وَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ عَلَى امْرَأَةٍ سَمْرَاءَ أَنْ تَفْهَمَ لِمَاذَا خُلِقَتْ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يُسَبَّبُ لَهَا مُشْكِلَةً، أَوْ عَلَى مُهَنْدِسٍ نَاجِحٍ أَنْ يَفْهَمَ لِمَاذَا يَكُونُ ابْنُهُ الوَحِيدُ مُعَاقًا. وَلَا يَسْتَطِيعُ العُلَمَاءُ - مَثَلًا - أَنْ يُفَسِّرُوا لِمَاذَا يَفْشَلُ زَوْجَانِ فِي إِنْجَابِ طِفْلٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الجُهُودِ المُمْكِنَةِ وَغَيْرِ المُمْكِنَةِ. لَكِنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ - بِالطَّبْعِ - أَنْ يُفَسِّرُوا السَّبَبَ الفِسْيُولُوجِيَّ أَوِ المَرَضِيَّ الَّذِي مَنَعَ ذَينِكَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الإِنْجَابِ. فَالعُلَمَاءُ لَيْسَتْ لَدَيْهِمْ مُشْكِلَةٌ مَعَ العَالَمِ المَادِّيِّ؛ وَلِذَلِكَ تَكَرَّموا علَينا بِأَن جَعَلُوا عَالَمَنَا المَادِّيَّ أَسْهَلَ بِكَثِيرٍ: فَقَدْ طَوَّرُوا لَنَا وَسَائِلَ نَقْلٍ رَائِعَةً، وَوَسَائِلَ اتِّصَالٍ كَأَنَّهَا مِنْ عَالَمِ الخَيَالِ، وَخِدْمَاتٍ طِبِّيَّةً لَمْ نَكُنْ نَتَوَقَّعُهَا. فَمَطَابِخُنَا وَغُرَفُنا وَمَكَاتِبُنَا وَحَقَائِبُنَا مَلِيئَةٌ بِأَجْهِزَةٍ تِقْنِيَّةٍ نَدِينُ بِهَا لِعُلَمَائِنَا الأَجِلَّاءِ. وَلَكِنَّ العُلَمَاءَ بَشَرٌ مِثْلُنَا، مِثْلِي وَمِثْلُكَ. فَلَهُمْ هُمْ أَيْضًا مَشَاعِرُ وَعَوَاطِفُ. فَقَدْ يَبْقَى عَالِمٌ يَشعُر بالكَمَدِ والاشْمِئْزَازِ طُولَ حَيَاتِهِ إِذَا نُسِبَ أَحَدُ اكْتِشَافَاتِهِ العِلْمِيَّةِ أَوْ إِسْهَامَاتِهِ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، مَثَلاً.
يَسْتَطِيعُ العُلَمَاءُ أَنْ يَأْتُوا بِتَقْنِيَاتٍ ثَوْرِيَّةٍ، وَأَنْ يُعَالِجُوا الأَجْسَادَ البَشَرِيَّةَ، وَأَنْ يُحَسِّنُوا الزِّرَاعَةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ مَنْعَ الجَفَافِ أَوِ الفَيَضَانَاتِ. يَسْتَطِيعُ العُلَمَاءُ أَنْ يُرْسِلُوا الإِنْسَانَ إِلَى المِرِّيخِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ دَرْءَ الزَّلَازِلِ أَوِ الأَعَاصِيرِ الَّتِي تُحْدِثُ فِي سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ دَمَارًا أَكْبَرَ مِمَّا تَبْنِيهِ العُلُومُ فِي سِنِينَ طَوِيلَةٍ. وَالمُشْكِلَةُ - مَرَّةً أُخْرَى - هي مُشْكِلَةُ عَوَاطِفَ. فَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُفَسِّرَ شَيْئًا لِأَرْمَلَةٍ جَالِسَةٍ أَمَامَ بَيْتِهَا الَّذِي دَمَّرَهُ الفَيَضَانُ، أَوْ لِوَالِدَيْنِ فَقَدَا ابْنَهُمَا الوَحِيدَ تَوًّا.
وَمَاذَا عَنِ الإِيمَانِ؟ بَعْضُ النَّاسِ يُؤْمِنُونَ و يَتَمَسَّكُونَ بِإيمانِهم فِي أَوْقَاتِ الرَّخَاءِ وَفِي أَوْقَاتِ الشِّدَّة. فَهُم يَجِدُونَ فِيهِ تَفْسِيرَاتٍ تُسَاعِدُهُمْ عَلَى تَحَمُّل خَسَارَةٍ أَوْ فِرَاقٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ مَأْسَاةٍ شَخْصِيَّةٍ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَيْسَ عَرَضِيًّا وَلَا تَافِهًا؛ إنَّه يَتَضَمَّنُ إِلتِزَامًا. فَإِذَا طَلَبْنَا مِنَ الإِلَهِ الذي نُؤمِنُ به مُسَاعَدَةً، فَمِنَ المَعْقُولِ أَنْ نَتَوَقَّعَ أَنَّهُ سَيَلْزَمُنَا أَنْ نُقَدِّمَ الشُّكْرَ بِطَرِيقَةٍ مَا. وَهُنَا يَقَعُ الخَطُّ الفَاصِلُ بَيْنَ الإِيمَانِ وَعَدَمِ الإِيمَانِ. فَبَعْضُ النَّاسِ لَا يَقْبَلُونَ بِأَيِّ حَالٍ فِكْرَةَ أَنْ يَكُونُوا مُعْتَمِدِينَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ مُطِيعِينَ لِأَحَدٍ. فَهُمْ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ صَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّهُمْ مُسْتَقِلُّونَ اِسْتِقْلَالًا تَامًّا، وَمُكْتَفُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَدِينُونَ بِشَيْءٍ لِأَحَدٍ وَلَا لِأَيِّ إِلَهٍ. وَلَيْسَ لَدَيْهِمْ مَا يَشْكُرُونَ اللهَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا قَبِلُوا فِكْرَةَ أَنَّهُمْ مَدِينُونَ لِإِلَهٍ مَا، خَشُوا أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا وِفْقَ مَشِيئَتِهِ لَا وِفْقَ مَا يُرِيدُونَ هُمْ.
وَفِي الوَاقِعِ، فَإِنَّ القُرْآنَ - مَثَلًا - لَا يَقُولُ إِنَّ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَبِالآخِرَةِ سَيَفْشَلُ فِي هَذَا العَالَمِ. فَالنَّجَاحُ الدُّنْيَوِيُّ مَفْتُوحٌ لِلْجَمِيعِ. وَلَكِنَّ المُشْكِلَةَ أَنَّكَ إِذَا فَشِلْتَ - لِأَسْبَابٍ مَوْضُوعِيَّةٍ - فَقَدْ تَجِدُ صُعُوبَةً فِي أَنْ تُفَسِّرَ فَشَلَكَ لِنَفْسِكَ تَفْسِيرًا مَوْضُوعِيًّا؛ لِأَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الإِنْسَانِ أَنْ يُلْقِيَ اللَّوْمَ عَلَى الآخَرِينَ عِنْدَ الفَشَلِ، وَأَنْ يَزهُو بِنَفسه عِنْدَ النَّجَاحِ.
مِنْ أَيْنَ يَأْتِي كِبْرِيَاؤُنَا؟ إِنَّهُ يَأْتِي مِنْ رَغْبَتِنَا فِي التَّفَاخُرِ. نُرِيدُ أَنْ نُظْهِرَ لِلنَّاسِ حَوْلَنَا أَنَّنَا مُسْتَقِلُّونَ وَأَنَّنَا الأَفْضَلُ. نُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ العَالَمُ أَنَّنَا حَصَلْنَا عَلَى وَظِيفَتِنَا لِأَنَّنَا - كَمَا يُقَالُ - الأَجْدَرُ وَالأَكْفَأُ. وَالأَمْرُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى الزَّواجِ، وَالأَبْنَاءِ، وَالثَّرْوَةِ. فَكُلُّ ذَلِكَ ثَمَرَةُ طُمُوحِنَا، وَكُلُّهُ مَسْأَلَةُ اِسْتِحْقَاقٍ.
وَيَرْجِعُ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَى أَنَّنَا - فِي مُعْظَمِ الأَحْيَانِ - نُفَكِّرُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَيَاتِنَا. فَهَلْ نَأْخُذُ حَيَاتَنَا كُلَّهَا فِي الحُسْبَانِ دَائِمًا؟ هَلْ نُفَكِّرُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي سنكُون فِيهِ شُيوخاً، حِينَ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُغَنِّيَ وَلَا أَنْ نَرْقُصَ، وَلَا أَنْ نَلْعَبَ، وَلَا أَنْ نَسْبَحَ أَوْ حَتَّى أَنْ نَمْشِيَ، وَحِينَ نُوضَعُ فِي دَارِ رِعَايَةٍ لِلْمُسِنِّينَ مَهْجُورِينَ مِنْ لَدُنِ أَبْنَائِنَا وَ مُهمَلينَ مِنَ العَامِلِينَ فِيهَا؟
كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَطَلَّقُونَ بَعْدَ التَّقَاعُدِ. فَتِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي كَانُوا يَنْتَظِرُونَهَا لِيَسْتَرِيحُوا وَيَسْتَمْتِعُوا بِالحَيَاةِ مَعاً تَتَحَوَّلُ فَجْأَةً إِلَى جَحِيمٍ بِسَبَبِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ، أَوِ الأَبْنَاءِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ نَكُنْ مُسْتَعِدِّينَ لِمِثلِ هذه الحالات، فَمَا فَائِدَةُ عُقُولِنَا؟
نَعَمْ، أَتَصَوَّرُ أَنَّ قَلِيلًا مِنَ التَّارِيخِ، وَقَلِيلًا مِنَ الفَلْسَفَةِ، وَقَلِيلًا مِنَ الرُّوحَانِيَّةِ، وَقَلِيلًا مِنَ «السِّيَاحَةِ المَجَّانية» (مُجَرَّدُ رِحْلَةٍ قَصِيرَةٍ سَيْرًا عَلَى الأَقْدَامِ أَوْ بِالدَّرَّاجَةِ حَوْلَ مَكَانِ سُكْنَانَا)، وَقَلِيلًا مِنَ التَّأَمُّلِ - كُلُّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَطاءً لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ. فَنَحْنُ نَعْرِفُ جَمِيعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَدَيْهِمْ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ التَّأْمِينِ وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ تَعِسُونَ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَ أَفْضَلَ مَعَاشَاتِ التَّقَاعُدِ تَعِسُونَ أَيْضًا. فَهُنَاكَ بِلا شَكِّ أُمُورٌ أُخْرَى فِي الحَيَاةِ لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ المادِّيات.
8
مَا الَّذِي يَجْعَلُنِي أَكْتُبُ بِاللُّغَتَيْنِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ وَالفَرَنْسِيَّةِ، وَمَا الَّذِي يَجْعَلُ بَعْضَ الإِنْجِلِيزِ وَالفَرَنْسِيِّينَ يَتَعَلَّمُونَ العَرَبِيَّةَ؟ لِمَاذَا لَا أَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ؟ وَإِذَا كَتَبْتُ بِلُغَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، فَهَلْ سَأَتَأَثَّرُ بِالضَّرُورَةِ بِثَقَافَةِ اللُّغَةِ الَّتِي أَكْتُبُ بِهَا؟
هَلِ الثَّقَافَةُ مُهِمَّةٌ لِي كَشَخْصٍ؟ حَسَنًا، أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى طَرِيقَتِي فِي التَّفْكِيرِ عِنْدَمَا أُوَاجِهُ مُشْكِلَةً. وَأَحْتَاجُ إِلَى الشُّعورِ بالإِنْتِماء إِلَى مَكَانٍ مَا، إِلَى شَيْءٍ مَا، حَتَّى عِنْدَمَا لَا أَكُونُ فِي مُوَاجَهَةِ مُشْكِلَةٍ. فَإِذَا لَمْ أَشْعُرْ أَنَّنِي أَنْتَمِي إِلَى المَكَانِ الَّذِي أَنَا فِيهِ، فَتِلْكَ مُشْكِلَةٌ كَبِيرَةٌ. وَعِنْدَئِذٍ سَأَحْتَاجُ إِلَى طَرِيقَتِي فِي التَّفْكِيرِ لِتُسَاعِدَنِي عَلَى التَّغَلُّبِ عَلَى هَذِهِ المُشْكِلَةِ. بِمَعْنًى آخَرَ، فَإِنَّ هُوِيَّتِي ضَرُورَةٌ نَفْسِيَّةٌ أَكْثَرُ مِنْ كَوْنِهَا ضَرُورَةً اجْتِمَاعِيَّةً. وَهَذِهِ الجَوَانِبُ مِنَ الهُوِيَّةِ كُلُّهَا أَجْزَاءٌ مِنْ ثَقَافَتِي، أَوْ بِالأَحْرَى مِنْ ثَقَافَتِي الجَمَاعِيَّةِ الَّتِي أَشْتَرِكُ فِيهَا مَعَ مَلَايِينِ النَّاسِ فِي بَلَدِي. وَلَكِنْ هُنَاكَ جُزْءٌ أَكْثَرُ خُصُوصِيَّةً مِنْ ثَقَافَتِي (ثَقَافَتِي الفَرْدِيَّةُ) أَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَ عَدَدٍ أَقَلَّ مِنَ النَّاسِ فِي بَلَدِي وَمَعَ عَدَدٍ أَكْبَرَ فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى.
شَخْصِيًّا، أَنَا آكُلُ بِيَدَيَّ، وَلَنْ أَكُونَ مُرْتَاحًا أَبَدًا فِي اسْتِعْمَالِ السِّكِّينِ وَالشَّوْكَةِ. فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَكُونَ عَصْرِيًّا (مَعَ أَنَّنِي لَا أَعْلَمُ فِي الحَقِيقَةِ مَا الَّذِي يَعْنِيهِ ذَلِكَ)، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ آكُلَ بِطَرِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ أَنْ أَلْبَسَ وَفْقَ المُوضَةِ، أَوْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَوْ تِلْكَ؟ أَنَا، مِنْ جِهَتِي، أَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَتَّى إِذَا اعْتَبَرْتُ طَرِيقَتِي هِيَ الأَفْضَلَ، فَإِنَّ لِلآخَرِينَ الحُرِّيَّةَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَسْلُوبُهُمُ الخَاصُّ، ضِمْنَ إِطَارٍ قَانُونِيٍّ عَامٍّ يَقْبَلُهُ الجَمِيعُ مِنْ أَجْلِ مُجْتَمَعٍ سِلْمِيٍّ. وَلِذَلِكَ أَرى أَنَّ مِن حَقِّي أَنْ آكُلَ مَا أُرِيدُ كَيْفَمَا أُرِيدُ عِنْدَمَا أَكُونُ وَحْدِي أَوْ مَعَ أُنَاسٍ مِثْلِي. وَأَلْبَسُ مَا أُرِيدُ كَيْفَمَا أُرِيدُ دُونَ أَنْ أُثِيرَ أَوْ أُؤْذِيَ أَحَدًا. وَأَتَكَلَّمُ بِأَفْضَلِ مَا أَسْتَطِيعُ دُونَ أَنْ أُقَلِّدَ أَحَدًا أَوْ أَتَظَاهَرَ بِمَا لَسْتُ عَلَيْهِ. هَذِهِ هِيَ ثَقَافَتِي. وَطَرِيقَةُ حَيَاتِي هِيَ تَمْثِيلٌ وَاضِحٌ لِثَقَافَتِي. فَإِذَا أَعْجَبَتْنِي قِطْعَةٌ مِنَ المُوسِيقَى الأَمْرِيكِيَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ جُزْءًا مِنْ ثَقَافَتِي. وَإِذَا أَعْجَبَتْنِي مَحَطَّةٌ إِذَاعِيَّةٌ أَوْ مَجَلَّةٌ فَرَنْسِيَّةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ جُزْءًا مِنْ ثَقَافَتِي. أَنَا مَغْرِبِيٌّ وَأُحِبُّ كَثِيرًا مِنَ الأَشْيَاءِ المَغْرِبِيَّةِ. وَلَكِنَّنِي أُحِبُّ أَيْضًا كَثِيرًا مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغْرِبِيَّةً. أُحِبُّ إِحْسَاسَ الأَمْرِيكِيِّينَ بِالوَاجِبِ، وَأُحِبُّ حُبَّ الأَلْمَانِ لِلقِرَاءَةِ، وَأُحِبُّ الأَدَبَ الفَرَنْسِيَّ فِي القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَنَا مُرْتَاحٌ تَمَامًا لِما أُحِبُّهُ.
إِذَا كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ يَكون لي مَا أُحِبُّهُ فَذَلِكَ رَائِعٌ. وَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ فَلَا مُشْكِلَةَ. لَا أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَمْتَلِكَ سَيَّارَةً، وَلَا حَتَّى حَاسُوبًا مَحْمُولًا، لِكَيْ أَكُونَ شَخْصًا عَصْرِيًّا. يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْمَلَ فِي مَقَاهِي الإِنْتَرْنِتِ، وَأَنْ أَتَنَقَّلَ بِسَيَّارَةِ الأُجْرَةِ أَوْ أَسْتَقِلَّ الحَافِلَةَ. لَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ. وَإِذَا ظَنَّ النَّاسُ الآخَرُونَ أَنَّنِي لَسْتُ شَخْصًا عَصْرِيًّا، أَوْ أَنَّنِي فَشِلْتُ اجْتِمَاعِيًّا أَوْ مِهْنِيًّا، فَلَيْسَ ذَلِكَ مُشْكِلَةً كَبِيرَةً بِالنِّسْبَةِ لِي. المُهِمُّ عِنْدِي هُوَ أَنْ أَعْمَلَ بِجِدٍّ لِأُحَقِّقَ مَا أُرِيدُ. وَالمُهِمُّ عِنْدِي أَنْ أَكُونَ رَجُلًا مِنْ أَبْنَاءِ هَذَا العَصْرِ. أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَعْرِفَ وَأَفْهَمَ مَا يَجْرِي فِي العَالَمِ. أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَفْهَمَ التَّارِيخَ لِأَرَى مَا كَانَ مُمْكِنًا فِي الأَزْمِنَةِ المَاضِيَةِ وَلَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا اليَوْمَ، وَمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِي المُسْتَقْبَلِ إِلَى الأَفْضَلِ أَوْ إِلَى الأَسْوَإِ. أَحْتَاجُ أَنْ أَفْهَمَ طُرُقَ تَفْكِيرِ النَّاسِ الآخَرِينَ. أَحْتَاجُ أَنْ أَتَعَلَّمَ أَشياءَ لا أعْرِفُها عَنْ تَقَالِيدِ الشُّعُوبِ الأُخْرَى وَأَسَالِيبِ حَيَاتِهَا. فَإِذَا عَرَفْتُ كَيْفَ يُفَكِّرُ النَّاسُ الآخَرُونَ وَكَيْفَ يَتَصَرَّفُونَ، فَإِنَّنِي سَأُحَسِّنُ طَرِيقَتِي أَنَا فِي التَّفْكِيرِ.
وَالآنَ أَسأَلُ، هَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بَلَدٍ أَجْنَبِيٍّ مُعَيَّنٍ فَقَطْ لِأَرَى كَيْفَ يَعِيشُ أَهْلُهُ؟ لِمَ لَا؟ غَيْرَ أَنَّني يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ أُغَادِرَ مَدِينَتِي. الأَهَمُّ عِنْدِي هُوَ أَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ أَصْبَحَ شَعْبُ ذَلِكَ البَلَدِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يُفَكِّرُ، وَكَيْفَ يَحُلُّ مُشْكِلَاتِهِ، وَمَا هِيَ أَحْلَامُ أَفرادِهِ وَطُمُوحَاتُهُم. يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْرِفَ ذَلِكَ فِي المَدْرَسَةِ، وَبِالقِرَاءَةِ، وَعَبْرَ وَسَائِلِ الإِعْلَامِ. وَإِذَا عَرَفْتُ كَثِيرًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّنِي أُوَسِّعُ حُدُودَ ثَقَافَتِي قَلِيلًا وَأُغْنيها بِمعارِفي الجديدة. فَيُصْبِحُ الكُتَّابُ الفَرَنْسِيُّونَ كُتَّابِي أَنَا، وَمُعَلِّمِيَّ أَنَا، وَكَذَلِكَ الكُتَّابُ الأَمْرِيكِيُّونَ، وَالصَّحَفِيُّونَ المِصْرِيُّونَ، وَالشُّعَرَاءُ العَرَبُ… وَهَكَذَا تُصْبِحُ ثَقَافَتِي بِقَدْرِ سَعَةِ مَعْرِفَتِي. وَهَذَا هُوَ مَا قَصَدْتُهُ بِـ «الثَّقَافَةِ الخَاصَّةِ» أَوْ «الثَّقَافَةِ الفَرْدِيَّةِ». وَعِنْدَئِذٍ لَنْ أُفَرِّقَ بَيْنَ الثَّقَافَةِ وَالحَضَارَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ سَأُفَرِّقُ بَيْنَ ثَقَافَتِي بِوَصْفِهَا ثَقَافَةً عَرَبِيَّةً أَمَازِيغِيَّةً، وَبَيْنَ الثَّقَافَةِ الغَرْبِيَّةِ مَثَلًا. فَهُمَا لَيْسَتَا الشَّيْءَ نَفْسَهُ، وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ جِدًّا. وَلَنْ أَبْدَأَ بِمُقَارَنَةِ أَيِّهِمَا أَفْضَلُ. فَثَقَافَتِي جَيِّدَةٌ مَا دَامَتْ تُنَاسِبُنِي وَتُشْعِرُنِي بِالرَّاحَةِ. وَلَنْ أَنْتَظِرَ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يَلْبَسَ مِثْلَمَا أَلْبَسُ، أَوْ أَنْ يَأْكُلَ مِثْلَمَا آكُلُ (حَتَّى وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا مِثْلِي). كُلُّ مَا أَتَوَقَّعُهُ هُوَ أَنْ يَفْهَمَنِي - لَا حَتَّى أَنْ يَقْبَلَنِي كَمَا أَنَا. نَحْنُ جَمِيعًا بَشَرٌ: لَدَيْنَا إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ المُشْكِلَاتُ نَفْسُهَا، وَلَكِنَّ لِكُلٍّ مِنَّا طَرِيقَتُهُ المُخْتَلِفَةُ فِي التَّعَامُلِ مَعَهَا. وَعِنْدَمَا أَكْتُبُ فَإِنَّنِي أَكْشِفُ عَنْ طَرِيقَتِي فِي التَّفْكِيرِ، وَعَنْ طَرِيقَتِي فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِي - انْطِلَاقًا مِنْ ثَقَافَتِي الفَرْدِيَّةِ الخَاصَّةِ، الَّتِي لَيْسَتْ أَفْضَلَ وَلَا أَسْوَأَ مِنْ ثَقَافَةِ أَحَدٍ آخَرَ.
مَاذَا سَيَحْدُثُ لَوْ دُعِيتُ إِلَى مَأْدُبَةٍ خَاصَّةٍ يَجِبُ فِيهَا احْتِرَامُ آدَابٍ مُعَيَّنَةٍ؟ بِصَرَاحَةٍ، سَأَكُونُ مُحْرَجًا جِدًّا، وَرُبَّمَا أَتَعَرَّضُ لِبَعْضِ السُّخْرِيَةِ. وَلَكِنْ مَا إِنْ أَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى أَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ وَأَعُودَ إِلَى طَبيعَتي. وَفِي الحَقِيقَةِ، لَقَدْ مَرَرْتُ بِتَجْرِبَةٍ مِثْلَ هَذِهِ مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ أَتَرَدَّدَ فِي أَنْ أُعِيدَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
9
فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، لَا يَشْعُرُ النَّاسُ بِالْأَمَانِ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ الْفَيَضَانَاتِ. وَفِي أَمَاكِنَ أُخْرَى، لَا يَشْعُرُ النَّاسُ بِالْأَمَانِ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ الْجَفَافَ. لَكِنْ، هَلِ الْأَمَانُ جَسَدِيٌّ دَائِمًا؟ هُنَاكَ أُناسٌ مُتَزَوِّجُونَ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ فِي زَوَاجِهِمْ، وَمُوَظَّفُونَ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ فِي وَظَائِفِهِمْ، وَأَصِحَّاءُ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ بِدُونِ تَأْمِينٍ صِحِّيٍّ مُنَاسِبٍ، وَأُنَاسٌ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ بِسَبَبِ لَوْنِهِمْ أَوْ "عِرْقِهِمْ" أَوْ دِينِهِمْ؛ أُنَاسٌ لَا يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ لِأَنَّهُمْ دَائِمًا مَحَلُّ قَوَالِبَ نَمَطِيَّةٍ، لِأَنَّ الْآخَرِينَ دَائِمًا مَا يَحْكُمُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَالِ مَظْهَرِهِمْ، أَوْ طَبَقَتِهِمُ الإِجْتِمَاعِيَّةِ، أَوْ أَعْيَادِهِمْ...
لَرُبَّمَا رَأَيْتَ عَلَى شَاشَاتِ التِّلْفَازِ مَشَاهِدَ لِمُسَافِرِينَ يَرْكَبُونَ قِطَارَاتٍ مُكْتَظَّةً عَشِيَّةَ الْأَعْيَادِ الْكُبْرَى. إِنَّهم أُنَاسٌ تَرَكُوا قُرَاهُمْ وَضِيَاعَهُمْ لِيَعْمَلُوا فِي مُدُنٍ كَبِيرَةٍ بَعِيدَةٍ، يَحِنُّونَ إِلَى عَائِلَاتِهِمُ الَّتِي يَحْمِلُونَ إِلَيْهَا الْمَالَ وَالْهَدَايَا. مَنِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْآخَرِ؟ الْعَامِلُ الْمُهَاجِرُ أَمْ عَائِلَتُهُ فِي الْقَرْيَةِ؟ مَنِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْأَمَانِ؟